أقلام الثورة 13 ديسمبر، 2016لا توجد تعليقات
محمد الهامي
الكاتب: محمد إلهامي

يبدو الفارق واضحا بين سواعد الثوار وبين الآلة العسكرية الوحشية المدعومة أوروبيا وأمريكيا وإسرائيليا، وهذا ما يدفع بعض الناس إلى الدعوة للاستسلام وترك المقاومة لما تسببه من نزيف خسائر مستمر في الأرواح والأموال بغير أثر ظاهر ونكاية ملموسة في الخصوم.

بينما يرى الآخرون –وأنا منهم- أنه ينبغي رفع مستوى المقاومة لتشمل المواجهة العنيفة التي توقع النكاية في العدو، والحجة في ذلك أن الفارق في القوة العسكرية تعوضه فوارق أخرى في قوة الإرادة واختلاف الأهداف (فهدفهم السيطرة وهدفنا استنزافهم) فضلا عن أن كل حركة مقاومة بدأت في ظل ميزان قوى منهار، سواء منها ما نجح أو ما لم ينجح.. وعلينا سلوك سبيل من نجحوا ودراسة التجارب السابقة، والتي اختط بعضها لنفسه قواعد جديدة في العلوم العسكرية، ففيتنام مثلا أقرت قاعدة “كيف تخسر كل الجولات ثم تكسب المعركة” فيما خرج الأمريكي يجر أذيال الهزيمة ويعلن على الشاشات “إعلان النصر والانسحاب من فيتنام” ويحمل على رأسه راية مكتوب عليها “كيف تكسب كل الجولات ثم تخسر المعركة”!

يرد إخواننا: ليس المطلوب تطليق المقاومة كلها بل إيقافها مؤقتا لحين تهيؤ ظروف أفضل لها ثم استئنافها لتكون أنجع وأفضل.

وإلى هؤلاء كتبتُ هذه السطور

أولا: اللحظة الفارقة

إن الدقيقة في ليلة الامتحان تساوي الدقيقة بعد انتهاء الامتحان، تساويها زمنيا فقط! أما المذاكرة في دقيقة ليلة الامتحان قد تساوي سنة كاملة بتحصيل معلومة تثمر نجاحا، بينما ساعات ما بعد الامتحان كلها لا تساوي شيئا.. تماما كالتوبة في لحظة ما قبل الغرغرة تلك التي يقبها الله فينجو بها الإنسان من النار، لا تساويها كل اللحظات فيما بعد تلك اللحظة التي قد أغلق فيها باب التوبة، وعاين الإنسان من أمر الآخرة ما لا ينفع معه إيمان!

اللحظة هي اللحظة في عمر الزمن، ولكن ثمرة الفعل في كلا اللحظتين لا سبيل إلى المقارنة بينهما.

وأيا ما كان خلافنا في تحديد لحظة تخلفنا، أهي منذ فساد حكم المماليك أو فساد حكم العثمانيين أو زمن الاحتلال.. فنحن أصحاب تجربة تاريخية طويلة تمكننا من إدراك عدد من اللحظات الفارقة التي لما ضاعت منا تخلفنا بها قرونا لا مجرد سنوات.

فمثلا: كان المسلمون أول من اكتشف الأمريكتين، وعند المسلمين رسمت أول الخرائط المعروفة لهذه البلاد الشاسعة الغنية بالذهب والزروع، لكن أول من استولى عليها هم الغربيون، على ضوء خرائطنا الجغرافية وأجهزة ملاحتنا البحرية –سواء بطريق مباشر، أو غير مباشر عبر إيطاليا التي ورثت إرث المسلمين في الأندلس وصقلية والشرق- فكان ماذا؟ كان أن انفتحت الأموال والمساحات الشاسعة وتدفق نهر الذهب لأعدائنا الذين لم يكتفوا بذلك بل والتفوا حول إفريقيا ينهبونها ثم يواصلون المسير حولها فيستولون على خيرات بلاد الجنوب والشرق الأقصى، وأسوأ من هذا كله أنهم قطعوا خطوط التجارة الواصلة بقلب العالم الإسلامي فكانت ضربة اقتصادية فوق الضربة العسكرية التي تحولت بدورها إلى ضربات اقتصادية تمهد لضربات عسكرية حتى تم الاستيلاء على العالم الإسلامي ولم ينفع صمود العثمانيين لثلاثة قرون.

لو تخيلنا في تلك اللحظة –أول القرن السادس عشر الميلادي- أن سلطة إسلامية استفادت بالإرث العلمي فتم لها فتح الأمريكتين واستطاعت إنشاء أساطيل تحمي الممالك الإسلامية في إفريقيا وآسيا.. لكان قد تغير التاريخ كله، اقتصادا وثقافة وعسكرية.. لكن البلاد الإسلامية التي حكمها العسكر آنذاك لم تفكر في هذا رغم أنه تحت أيديها، وكان منتهى آمالهم تثبيت أنفسهم على عروشهم واجتناء الأموال من رعاياهم ثم لم يستطيعوا صد عادية أعدائهم فأُخذت منهم بلادهم.

ومثلا: لما دخل العالم لحظة الثورة الصناعية لم نكن في عالم العرب نفتقد العلم الذي كان عندهم، بل هو –كما قال الجبرتي- نفتقد من يخرجه من الطاقة إلى الفعل، وهي “إرادة السلطة”، ولذلك تسارع الفارق بيننا وبين الغربيين حتى لم تعد أساطيل العثمانيين تستطيع الصمود أمام الأسلحة الغربية التي تتطور كل يوم، وانتقلت من الدولة العثمانية المرهوبة إلى “الرجل المريض” الذي كان الغربيون يبقون عليه مريضا ولا يريدون الإجهاز عليه حتى لا يختلفوا حول تركته –كما قال هاملتون سيمور سفير الإنجليز للقيصر الروسي نقولا- وتنشب بينهم الحروب الهادرة، فلما حكمت بينهم الحرب العالمية الأولى واتفقوا في سايكس بيكو، أجهزوا عليها وأسقطوا الخلافة.

ومثلا: لما تطورت الصناعات فأثمر تطورها تغيرا كبيرا في أشكال الزراعة والتجارة والعمارة والحرب، مما جعل التقدم منوطا بالسلطة بأكثر مما كان قبل ذلك، ومن بعد ما كان المجتمع يستطيع إنشاء نهضة ولو فسدت السلطة لم يعد مجتمع يستطيع إنشاء نهضة إلا في ظل السلطة، لقد صار الأمر أكبر من قدرة الأفراد، صار لا يمكن مجاراة التقدم إلا من موقع السلطة التي لا بد لها ليس فقط إنشاء المصانع الضخمة بل وإنشاء المدارس لتعليم الصناعات وفرض أنظمة بعينها في الزراعات لتوفير الهدر في المياه… إلى آخر التطورات التي جعلت العالم يتحول إلى “الدولة المركزية” بعد أن عاش في عصور “الإقطاع” أو “السلطة الإشرافية”.

لما حدث كل هذا، لم يكن أمام الحكام في بلاد العرب والمسلمين –مهما قلنا في سوءهم- إلا النموذج الغربي ليستوردوا منه، ليس ثمة نموذج آخر لمن أراد أن يجاري هذا التقدم، لم يكن أمام العثمانيين إلا الأخذ بنظام الجيوش الأوروبية لكي يحاولوا إنقاذ جيشهم، ولم يكن محمد علي ليجد إلا فرنسا يرسل إليها البعوث ويستقدم منها الخبراء.. وإذا كنا الآن نلعن الاقتباس والاستقدام والبعوث وما صاحبهم من مساوئ –وهذا حق- فينبغي ألا ننسى تلك الضرورة القائمة التي تبدو في تفاصيل التاريخ لتلك المراحل، لقد كانت الدولة المركزية إنقاذا للناس من سلطة الزعامات والمشيخات التي تظلم الناس بغير الحق، وكان اللجوء إلى أوروبا ضرورة لمحاولة تغطية الفجوة العلمية.

والسؤال لماذا حدث هذا؟

والجواب ببساطة لأن التطور الغربي سار طبيعيا فأنتج نموذجه، بينما ظل التخلف في العالم الإسلامي يواصل مسيرته، ولم يجد من أراد النهوض من يقدم له النموذج الإسلامي لدولة تتضخم وتتسلط فيسبق إلى وضع الخطوط والحدود بينها وبين الناس لئلا تجور عليهم أو تنزع حقوقهم في مسيرة تغولها، فاقتبس النموذج بكل ما فيه، بل حتى لما أُريد الترقيع لم يجد من يفهم، ومن ذلك أن الخديو أراد تقنين الشريعة فارتاع الطهطاوي لطلبه هذا وامتنع عنه خوفا من تكفير الأزهريين له، فلم يكن أمام الحاكم إلا أن يأتي بالكفر نفسه.. القانون الفرنسي!

ربما نلوم الخديو –ولنا الحق- ولكن ينبغي ألا ننسى أن مشايخ وقته لم يدركوا مسار التحول، فلم يكن اعتراضهم على الكفر نفسه كاعتراضهم على محاولة مقاومة الكفر! فسارت الدولة تفعل ما تشاء ولم يملك المشايخ القدرة على الاعتراض، فلما اكتملت المسيرة ساد القانون الوضعي بالقهر والسيف وألغي كل ما للشريعة فيه قول بالقهر والسيف، وما كان للقهر والسيف أن يفعلا كل هذا وحدهما لولا أن مُهِّد لهما بالغزو الفكري!

والقصد من كل ذلك ليس الجدل ولا التفصيل في الحوادث التاريخية.. القصد أن إفلات اللحظة الفارقة دون تقديم العلاج المناسب أو اتخاذ الخطوة المناسبة يأتي بكوارث عظمى لم ترد على الخاطر.

ثانيا: المناهج الفارقة

ومن الكوارث العظمى التي تؤدي إليها ضياع اللحظات الفارقة تكوين مناهج فارقة أيضا!!

فجمال الدين الأفغاني يمثل ما يشبه المعجزة، ولعله نموذج غير مسبوق، ذلك رجل خرج من بلاد الأفغان فدار في بلاد فارس ومصر وتركيا والعراق، واستطاع أن يشعل في كل بلد نزل فيها ثورة، حتى إقاماته المؤقتة في فرنسا وانجلترا كانت كمركز عمليات لثورات داخل بلاد العرب، ولم يستطع أحد أن يوقف هذه الثورة إلا السلطان عبد الحميد، وذلك حين حدد إقامته إلى جواره في اسطنبول اتقاء لخطره.. هذا الحبس لم يستطع الأفغاني أن يفلت منه، فكتب في خاطراته ما حدث فعلا: أنه يرى احتلال العالم الإسلامي قادم كأنه رأي العين!

هذا الأفغاني الثورة ما كانت الأمة أحوج إلى شيء مثله في زمنه، لكن قتله شخصان، كلاهما نموذج في الصلاح: السلطان عبد الحميد، والشيخ محمد عبده.

أما عبد الحميد فقد كان ضعيفا مترددا من أنصار الإصلاح المتدرج (لتقريب الصورة: نفس موقف مرسي والإخوان من حازم أبو إسماعيل وأنصاره) وكان متميزا في إفلات الفرص التاريخية، وبدلا من أن يستقوي بالأفغاني الذي كان أقوى رجل في العالم الإسلامي وأقوى من يمكن دعم مشروع الجامعة الإسلامية (ضد تيارات القومية والعلمانية والتغريب) قرر أن يتخلص منه، ليس بالنفي إذ خاف أن يقود عليه ثورة، ولكن بالإقامة الجبرية التي ظاهرها الإكرام والفخامة وباطنها الحبس.

وأما محمد عبده فما إن هزم عرابي حتى طلق المنهج الثوري ورأى أن الحل في التربية والتعليم، والتدرج في أخذ الناس، فإذا نشأ جيل متعلم استطاع أن يقاوم الاحتلال والاستبداد، وقد سبب هذا نفورا بينه وبين الأفغاني الذي راسله قائلا “إنما أنت مثبط”، وكان عبده يظن أنه يمكنه تنفيذ مثل هذا الإصلاح المتدرج ولو في عهد الاحتلال الإنجليزي، ولو كانت له صحبة مع كرومر.. سنعود لمحمد عبده فيما بعد، لكن القصد الآن هو أن عبد الحميد لم ينجح في إصلاح متدرج ولا في تسكين الجبهات المشتعلة بل اضطر بعد فوات الأوان أن يستبد صراحة ليستدرك الانهيار، فخُلِع وعزل، ورأى اليهودي الذي طرده هو من يجبره على توقيع التنازل! وكذلك محمد عبده: عاش ثلاثين سنة بعد فشل ثورة عرابي، أي زمنُ جيلٍ، ومات والإنجليز مستقرون في بر مصر!! ولم يتغير من حال التربية والتعليم شيء يرضيه.

لست أدري، هل جال بخاطر الشيخ آخر أيامه أنه لو وقف بكل قوته مع عرابي، واستجاش شيوخ الأزهر فامتلك بالمقاومة زعامتهم التي سيتثمرها بالإصلاح فيما بعد.. ترى لو فعل هذا، ألم يكن الحال خيرا مما حدث؟!!

هذا الفارق بين المنهجين يتضح أكثر إذا تقدمنا في عمر الزمن قليلا، وقارنّا بين مصطفى كامل وسعد زغلول، وسنتجاوز الآن عن شخصية سعد زغلول لنتعامل معه باعتباره شخصية وطنية مخلصة، إذا قارنت بين المنهجيْن فستجد عجبا: مصطفى كامل يحفر في الصخر ليحصل على لحظة ثورية وبذل غاية ما أمكنه ليحول قضية دنشواي إلى شرارة ثورية ولم يستطع، بينما سعد زغلول جاءته ثورة هادرة فأدخلها بنفسه في نفق المفاوضات حتى ماتت، ولم يخرج منها إلا بمكسب هزيل: حبر على ورق اسمه دستور يصنع استقلالا شكليا، وصارت آخر أماني خليفته مصطفى النحاس أن يشكل الحكومة تحت ظل الملك الفاسد والإنجليز المحتلين!!

ونستطيع أن نسجل ذات الفارق بين شخصيتي حسن البنا وحسن الهضيبي، الأول أنشأ جماعة من العدم في ظروف مستحيلة، والثاني أضاعها في ظروف ثورية ولم يكن في مصر كلها أقوى منها!!

ثالثا: المعركة الفارقة

نحن الآن في معركة فارقة، وهي معركة لا يمكن تجنبها.. فالصراع بين الشرق والغرب تاريخي أبدي، والساعة ستقوم بعد أن نقاتل الروم في الملحمة الكبرى، فأي تصور لإمكانية تجنب المعركة ليس إلا حلم حالم ووهم واهم.

والعسكر هم الخط الأول لهذا الغرب، فليسوا إلا جماعة وظيفية تُرك لهم حكم البلاد ليكونوا المخلب الغربي في قلب الشعوب العربية المسلمة، وقد انبنت بالفعل واستقرت شبكة مصالح تربط قيادات العسكر بالمصالح الغربية والصهيونية، وأمريكا الآن تجمع أجزاء البازل لتصنع شبكتها العسكرية العالمية كما صرح الكولونيل مايكل ماكيرا والدكتور ستيفن جيراس المدرسان في كلية الحرب الأمريكية.

ونحن في هذه اللحظة نملك الأمور الثلاثة:

  1. اللحظة الفارقة، وهي لحظة على مستوى الأمة، التي تثور شعوبها إما بدافع ذاتي أو بما ينزل بها من مصائب: من بورما شرقا إلى مالي غربا، ومن تركيا شمالا إلى اليمن والسودان وإفريقا الوسطى جنوبا.. وهي لحظة نادرة جدا لم تتكرر منذ نصف قرن، منذ ثورات الشعوب لطرد المحتل.. ونحن نرى من البذل وتقديم الأرواح والأموال ما لا عهد لنا به في حياتنا القصيرة.
  1. المنهج الثوري الذي صار يحقق الآن شعبية لم يبلغها في أي من مراحله الماضية، ومن لم يؤمن به لمجرد الوعي أجبرته الانقلابات والمواقف الدولية ومحاولات سرقات الثورات على الإيمان بها.
  1. الشخصيات الثورية: وأحسب أن تحرير رجل مثل الشيخ حازم أبو إسماعيل ينبغي أن يكون على رأس جدول أعمال الثورات، فما أشبهه –إن تحرر- بالخميني بالنسبة للثورة الإيرانية.

ولا أحسب الخلاف يكون حول امتلاك هذه الأمور، بل ربما يكون حول الدرجة والمدى والفائدة المرجوة، وهل هي بالدرجة التي يُسمح بتعلق الآمال عليها أم هي دون ذلك.

ولو تركنا الأمل جانبا، واعتمدنا مجرد الحساب العقلي وحده، فالحقيقة أنه لا بد لنا أن نحاول، فالمحاولة تشير إلى احتمالية الانتصار بينما ترك المقاومة لا احتمال له إلا الهزيمة..

هذا الشيخ محمد عبده لم يستطع إمضاء إصلاحه حين ترك المقاومة وجالس كرومر، وهذا مصطفى كامل لم يستطع في زمن الإخصاء الثوري أن يلهب أو يزرع أي بذرة ثورة في حياته، ذلك أن الشعوب ليست تحت الطلب، لا تثور إذا أحببنا أو إذا قررنا نحن أن الوقت مهيأ للثورة.. الشعوب تثور في لحظات أغلبها غير متوقع ولا مفهوم بالتحليل الرياضي الحسابي، أحيانا تثور بلا حدث كبير.. فلئن أفلتت تلك اللحظة فلا تعود.. ربما تعود في جيل قادم، وأقل فترات التغيير أربعين سنة كما قال ابن خلدون رحمه الله.

فمحاولة إرجاع الناس من الشوارع وتهدئة فورانهم لأن ميزان القوى غير متكافئ لا يؤدي –كما يُتَوَهَّم- إلى تحصيل المطلوب، فالعدو حاضر قائم مهيمن يعلم أن الصراع ديني أبدي، ومهما تخفى البعض تحت شعار الوطنية فهذا يشبه من يداري الشمس بغربال، ومنذ 1925 كتب فرنسي يقول لقومه عن الوطنيين العرب “الهدف الذي يسعون في سبيله غير الهدف الذي يظهرونه، وإنما هم يضمرون شرا للأمة الفرنساوية، ويرمون إلى استعادة السيطرة الإسلامية لتكون شاملة إفريقيا الشمالية كلها، وهذا المظهر هو أحد مظاهر الحرب الأزلية بين الشرق والغرب.. إن أقل ضعف يبدو من جانبنا يعجل بتنفيذ الخطة التي يعملون على تحقيقها”.

نحن نرى بأعيننا كيف أن العدو لا يسمح إلا بدين يدعمه، أو على الأقل دين محرف منزوع الجهاد والمقاومة فيسكت عنه، ونبت من أثر ذلك قوم أخلص من فيهم يُتلاعب به ويسهل خداعه، فكيف بأسوأ من فيه؟!!

وما الذي حدث حين لم تكتمل ثورات ماضية؟! هل استطاع القوم تهيئة وضع أفضل حال سكوتهم أم اضطروا في كل الأحوال إلى خوض المعركة ذاتها من جديد في ظل فارق أوسع في ميزان القوى؟!

هل استطاع الإخوان أو الإسلاميون جميعا في سوريا الإعداد منذ مذبحة حماة وحتى ثورة مارس 2011؟! أبدا.. اشتعلت الثورة رغما عنهم جميعا وخاضوا معركة أعنف وأشرس وأقسى من تلك التي كانت قبل ثلاثين سنة؟!

هل استطاع مثل ذلك أحد في مصر أو ليبيا أو العراق أو الجزائر أو غيرها؟! أبدا.. كل الشعوب ما بين شعب يجدد ثورته ويخوضها كأعنف مما كانت، أو شعب يقاوم الاحتلال الذي كان الثمرة الطبيعية للاستبداد، أو شعب ما زال لا يستطيع زحزحة الاستبداد الذي يزيده رهقا وعنتا.

ما من عاقل يعتمد على الوعود في لحظات المعارك، ولا أحسب أن حسرة مرسي في سجنه تنقص عن حسرة عرابي في منفاه، هذا صدق السيسي وهذا صدق ديليسبس، ومن هنا جاءت الهزيمة.

ثم أي وعود مبذولة لنا؟!

إنه ليس ثمة وعد مبذول بشيء، حتى السفاح وهو يعلن ترشحه للرئاسة ويرجو تسكين المشكلات لم يتحدث عن عفو ولا عن مصالحات، بل تحدث عن “سيادة القانون، وهيبة الدولة” وأن يده ممدودة “لمن لم يُدِنْه القانون”، ذلك القانون الذي يمسح به بصاقته ثم يلقيه في أقرب مزبلة!

وكيف نصدقه، وما زالت منشوراته التي كانت تلقيها علينا الطائرات تبشرنا بالأمن والسلام إذا عدنا للبيوت – ما زالت لم يجف حبرها؟!

يا قومنا..

مربط الفرس أن المعركة مفروضة علينا، وأننا لا نملك الانسحاب منها، وليس لدينا ما يمكن تقديمه من تنازلات لتجنبها.

صحيح أن الفارق في ميزان القوة واضح.. ولكنه ما من بديل إلا خوضها؟!

فالأحرى أن نفكر في “كيف” يكون الخوض، وكيف نوقع النكاية بالعدو.

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

شاهد ايضا
عن أزمة النخبة المصرية وكارثة ترامب
حقوق الإنسان فى خطر خلال العام الجديد، ذلك أن الشعبوية الصاعدة تمهد الطريق للاستبداد حين تتعامل مع الحقوق باعتبارها عقبة أمام إرادة