أقلام الثورة 03/01/2017لا توجد تعليقات
التأبيد في الوِلايات
الكاتب: محمد فتحي النادي

الوِلايات هي المسؤوليات. ففي اللغة: “الوِلاية: الإِمارة والسلطان، [وهو] اسمٌ لما توليتَه وقمتَ به”. وفي الاصطلاح: “الوِلاية: تنفيذ القول على الغير شاء أو أبى”. أو بمعنى آخر “هي نفاذ المشيئة”. وهذا الـ(غير) قد يكون فردًا أو جماعة أو مؤسسة أو دولة. فالولاية سلطة تُمنح لشخصٍ على آخرين. شخصٍ قادرٍ على إمضاء مشيئته وإنفاذها عليهم. شخصٍ تمكّن من التحكّم فيهم.

والوِلايات نوعان:

الولاية الخاصة: وهي الولاية على أشخاص معينين.

والولاية العامة: تكون على أشخاص غير معينين، كـ: ولاية القاضي، وولاية أمير المؤمنين.

“والأَبَدُ: الدائم. والتأبيدُ: التخليد”. فتأبيد الولايات، نعني بها: أن تكون مدى الحياة. وما نعنيه هنا الولايات العامة وليست الخاصة.

وكانت الولايات العامة في أول الإسلام مدى الحياة؛ إذ تكون المسؤولية من وقت الاختيار حتى تأتي المنية.

ورغم أنها كانت كذلك، إلا أن الناس تملّ وتتغير نفوسها، وقد استشعر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه تبرم الناس منه، فدعا ربه أن يتوفاه قبل أن تتعقد الأمور، ويستفحل الخطر، فقال: “اللهم ملوني ومللتهم، وأحسست من نفسي، وأحسوا مني، ولا أدري بأينا يكون الكون، وقد أعلم أن لهم قبيلاً منهم، فاقبضني إليك”.

وكانت أول محاولة لعزل الخلفاء في الإسلام هي ما حدث ضد سيدنا عثمان؛ حيث رغب البعض في تركه لتلك الولاية لأمورٍ نقموها عليه، لكن أمير المؤمنين عثمان لم ينزل على رأي من خرجوا عليه؛ وذلك لوصية أوصاها له رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم، فتأولها على عدم التنازل عن الخلافة؛ حيث قال له -صلى الله عليه وآله وسلم: “يا عثمان، إن الله -عز وجلّ- لعله أن يقمصك قميصًا، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه (ثلاث مرار)”.

وهذا يعني إطْلاع ربِنا -جلّ وعلا- نبيَّه على بعض الغيب، من تلك الأمور السياسية التي ستحدث في الأمة، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.

وكان رأي من أشار على أمير المؤمنين عثمان بعدم التنازل عن الخلافة يلخصه قول القائل: “أرأيت تسنّ هذه السُّنة في الإسلام كلّما سخط قوم على أمير خلعوه”.

وقد ولى أمير المؤمنين علي أمر الخلافة على كُرهٍ منه، وقد لاقي الأمرين من الجميع، من تابعيه قبل مناوئيه، حتى إنه قد دعا على أتباعه فقال: “اللهم إني قد مللتهم، وقد ملوني، وأبغضتهم وأبغضوني، فأبدلني خيرًا منهم، وأبدلهم شرًّا مني”.

والذي استقر لدى الأنظمة المتعاقبة على المسلمين أن الخليفة يترك مكانه حتى يأتيه الموت، إلا إذا حدث انقلاب عليه، أو أزاحه عن الحكم من هو أقوى منه، أو يتنازل هو طواعية عن شغل منصبه، وهذا قليلٌ نادر على طول النظام السياسي للشعوب الإسلامية، وفي غالب الانقلابات يكون القتل من نصيب هذا الخليفة، أو الحبس حتى الموت.

وقد كانت بعض الدول التي قامت يسبقها نظام دعوي، يدعو لتلك الدولة الجديدة، وينكر على الدولة القائمة أمورًا بحقٍّ أو بباطل.

فالدولة العباسية كان لها دعوة قبل إقامة الدولة، وكذا الدولة الفاطمية. وهذه الدعوات -عن طريق دعاتها المنتشرين في البلدان- أوجدت الأشياع والأتباع، ومهّدت الأرض لقيام الدولة. وإذا قامت الدولة يكون صاحب الدعوة هو الخليفة وصاحب الدولة. ومن هنا كان التباس الدعوي بالسياسي.

واستمر الأمر أنّ صاحب الدعوة مؤبد في مكانه، وكذلك خلفاؤه من بعده، وصاحب الدولة مؤبد في مكانه ما لم يطرأ طارئ.

ويكاد هذا الأمر بشقيه (الدعوي والسياسي) لم يتغير في العالم العربي، فرغم حدوث الثورات التحررية في القرن العشرين، وتغيرت معظم الأنظمة الملكية إلى جمهوريات، إلا أن هؤلاء الرؤساء لم يتركوا مناصبهم بتداول سلمي على السلطة، بل في الغالب تركوه بالموت أو الاغتيال أو الانقلاب.

والحركات الإسلامية لم تكن بدعًا في هذا الأمر، بل جرى عليها ما جرى على غيرها، واستقر لديها ما استقر لدى غيرها. فكان مؤسسو الحركات يبقون في أماكنهم حتى موتهم أو اغتيالهم، وكذلك خلفاؤهم من بعدهم.

وثم حاولت الحركات الإسلامية التي مارست العمل السياسي بجانب العمل الدعوي السير على النسق الحديث في تولي المسؤوليات، وذلك من خلال تحديد مدة تولي المسؤول، ووضعت اللوائح المنظمة لذلك.

وكان الأستاذ محمد مهدي عاكف هو أول من أعطى القدوة في ذلك عندما رفض أن يبقى في منصب المرشد العام لفترة جديدة مثلما كان أسلافه الذين ظلّوا في أماكنهم حتى وفاتهم.

ولكن تفجّر الوضع من جديد بعد الانقلاب، وظهر القصور السياسي عند الإخوان، رغم طغيان الجانب السياسي على الجانب الدعوي، وتجددت الدعوات المنادية بفصل الدعوي عن السياسي، وتحديد فترات الولاية فيها. فلا يُتصور أن تحكم أدوات الدعوة ووسائلها الفضاء السياسي بتعقيداته ومنعرجاته ودهاليزه.

وقد يُتصور التأبيد في الإرشاد الديني والتوجيه الروحي، ولا يُتصور ذلك في العمل السياسي.

والولايات في الحركات الإسلامية في كل أحوالها ليست من الولايات العامة؛ حتى يكون فيها التأبيد.

وكم جنى التأبيد على أجيالٍ لم تأخذ فرصتها في القيادة، وإذا كانت “الولايات كلّها لا يقصد بها مصلحة المولَّى، بل مصلحة المسلمين عامة” فإن مصلحة المسلمين مهدرة بهذا التأبيد الذي يُسوَّغ له بتسويغات لا يقبلها العقل والمنطق والواقع.

والتأبيد جمود في الفكر والحركة، وحتى تتحرر الحركات الإسلامية من هذا الجمود فأولى أولوياتها أن تراجع فكرة التأبيد في الولايات على كل الأصعدة السياسية والدعوية.

  • المصدر: موقع إسلام أون لاين

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير