أقلام الثورة 15/07/2017لا توجد تعليقات
الكاتب: ياسر فتحي

ما بين دعاة التكتلات والجبهات والاصطفاف وبين لاعنيها ينشط بين الحين والحين الحديث عن أهمية وجدوى التكتلات والجبهات أو الاصطفاف في مواجهة النظام الاستبدادي العسكري في مصر.

في يوليو من عام 2013 تأسس ما عرف بـ” التحالف الوطني لدعم الشرعية”، وفي أغسطس عام 2014 أعلنت شخصيات سياسية خارج مصر تأسيس “المجلس الثوري المصري” وجاء في بيانه التأسيسي: “متمسكينَ بمبادئِ ثورةِ 25 يناير، والعاملينَ على تحقيقِ أهدافها، والمناهضينَ لكلِّ صورِ الفسادِ والاستبدادِ والانقلابِ العسكريِّ وما ترتبَ عليهِ، والرافضينَ لتدخلِ المؤسسةِ العسكريةِ في السياسة، والمؤمنينَ بالشرعيةِ الدستوريةِ، والمتطلعينَ لتأسيسِ دولةٍ مدنيةٍ، تعبيرًا عن إرادةِ الشعبِ وحريتهِ في اختيارِ من يحكمه”.

في الثالث من يوليو 2017، أعلنت شخصيات سياسية خارج مصر عن تأسيس “الجبهة الوطنية المصرية” جاء في وثيقتها: “تمسكا بمبادئ ثورة 25 يناير ومكتسباتها، ووفاء لأرواح شهدائنا الأبرار، وتأسيسا لدولة مدنية ديمقراطية حديثة، لا مكان فيها لظلم أو استبداد ولا لتبعية أو فساد، ولا لفقر أو بطالة، ولا لجوع أو خنوع، وتطلعا نحو مستقبل أفضل للمصريين ينعمون فيه بالعيش والحرية والكرامة والعدالة”.

لكن سرعان ما تتحول الكيانات إلى منصات إعلامية تعبر عن المطالب والغايات والمبادئ دون أن تكون طريقا لتحويل هذه المطالب إلى استراتيجيات فعالة.

هل التكتل مهم؟

علينا أن نجيب أولا عن سؤال كيف يمكن أن يسقط النظام المستبد؟ وأيا كانت الإجابات فهي عمليا لا تخرج عن صورتين، إما الصورة الشاملة، والتي تعني الانتصار الساحق الشامل الذي تتمكن فيه قوى الثورة المنظمة والقوية – بكل ما تحمله الكلمة من معنى-من القضاء بالضربة القاضية على النظام تماما والتمكن من السيطرة الكاملة على البلاد داخليا والتوائم خارجيا.

أو الانتصار الضاغط شبه الشامل، من خلال التمكن من تحقيق انتصارات ضاغطة على النظام داخليا وخارجيا، وتتمكن من تحقيق ترسيخ قناعة أن التجاوب مع التغيير والتخلي عن التصلب الاستبدادي سيكون أقل كلفة من البقاء في عناد القمع والاستبداد. وفي الصورتين تحتاج الثورة إلى قدرة على ابتكار استراتيجيات عملية للضغط الفعال على النظام وإلحاق الضرر والهزائم به.

في تجارب التحول والانتقال نحو الديمقراطية والتي نجحت في توظيف عوامل متعددة داخليا وخارجيا وتمكنت من إحداث اختراق وشق داخل النظام نفسه أحيانا يبرز فيها دور التكتل القوي المتماسك القادر على مواجهة هذا النظام القمعي بكل أساليبه والقادر على ابتكار أساليب المواجهة المتصاعدة بشكل يجبر النظام على التراجع أو الهزيمة أو السعي للتفاوض.

يقول الرئيس ريكاردو لاغوس القيادي في “التحالف من أجل لا ” -الذي واجه استبداد بنوشيه في شيلي-ثم في “الائتلاف من أجل الديمقراطية” والذي تولى رئاسة البلاد عام 2000 عن أهمية التحالفات الواسعة ضد النظام الاستبدادي: “عليك أن تبني أوسع تحالف ممكن لأنك في حاجة إلى استجماع كل قواك من أجل إحداث قطيعة مع الماضي، .. لا تنس أبدا أنه في الأوساط الأكاديمية فقط يمكن للمرء فعل وقول ما يريد، في السياسة أنت تفعل ما تستطيع.”

لكن التحالفات والجبهات ليست مجرد أسماء أو لافتات أو بيانات وتصريحات ولجان إعلامية، وإنما الجبهات عليها واجبات محددة: إنهاء النظام الاستبدادي وإسقاطه، والعمل على كيفية تحقيق ذلك، وتمكين الحكم المدني الجديد المعبر عن قيم الثورة وأهدافها. وبوضوح هذه الأهداف تأتي أسئلة الاستراتيجية والأهداف التنفيذية والقدرات إلخ.

في إنهاء الحكم الاستبدادي:

يقول سيرجيو بيطار وابراهام لوينثال: “لم يسبق للحكومات الاستبدادية أن تخلت عن السلطة طواعية، ما لم ير فصيل من داخل النظام أو قطاع مهم واحد على الأقل، إن عملية التخلي عن السلطة هي السبيل لتجنب عواقب وخيمة أو غير مرغوب فيها، مثل: خسارة كبيرة من الدعم والتأييد الشعبي، عنف مدني، انقسام في القوات المسلحة، ضرر اقتصادي، نبذ وعزلة دولية، أو تهديد للسلامة الإقليمية للبلاد.”

ليست الثورة وتكتلاتها إذن بالعمل الهين ولا هي مجرد وقفات ومؤتمرات وتصريحات إعلامية، فالتكتلات الثورية بحاجة إلى قدرات فعالة فكرية وقيادية وميدانية لإحداث شق في النظام ليكون في صالح الثوار وليس وبالا عليها، وترسيخ قناعة لدى النظام وشبكات مصالحه من خلال عملية ضغط متواصل ومستمر وطويل وفعّال أن مصلحتهم في التغيير ستكون أعلى وأكبر من بقائهم مع النظام المستبد، وإلحاق هزائم مدوية كبرى للنظام تختصر للثورة أزمنة كبيرة في مقاومته، فيتضرر النظام بشكل مفاجئ وسريع شعبيا وماليا وسياسيا، وتتخلخل علاقاته بداعميه في الخارج، وترسيخ قناعة لدى قيادات النظام وصندوقه الأسود أن عناده سيعرضه لتهديد وجودي بالانهيار التام أو الانشقاق.

كل هذا لن يأتي بالتمني ولن يحدث من تلقاء نفسه، بلا من خلال عمل جاد وقدرات حقيقية، ليس هناك من شك أن واجب الجبهات والكيانات والقادة أن يتعلموا قبل أن يُصرّحوا، وأن يتحصلوا على قدرات نوعية قبل أن يستنزفوا القدرات الإعلامية إذا كان هدفهم بالفعل إلحاق الهزيمة بالنظام المستبد وإجباره على التراجع أو الرحيل أو السقوط.

في تمكين الحكم المدني:

يرى “اريل كراوسون” و”ديفيد كوهين” أن مكونات السيطرة المدنية في الدولة تنتظم في خمسة مجالات لصنع القرار وهي: تجنيد النخبة، وصنع السياسات العامة، والأمن الداخلي، والدفاع الوطني، والتنظيم العسكري ….، فلو لم يسيطر المدنيون على الأقل على مجالات صنع السياسات العامة وتجنيد النخبة والأمن الداخلي فلا مجال للحديث عن نظام ديمقراطي حقيقي”.

وبالتالي فالغاية الكبرى من مواجهة النظام وإسقاطه هي تحقيق الثوار للسيطرة المدنية، وهي غاية لا تقل خطورة عن مواجهة النظام، فإن لم تمتلك الثورة فهماً ومشروعاً وقدرات لتحقيق هذه السيطرة المدنية، فإن الثورة تتحول إلى مغامرة بل مقامرة بأحلام البسطاء والأبرياء الذين سرعان ما سيتعرضون للتنكيل والقمع الشديد.

الأجندة المطلوبة:

تحتاج الجبهات الآن ليس إلى ميكروفون ولافتة وموقعاً الكترونياً، بل تحتاج أمورا أكثر أهمية نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

بناء القدرات والموارد المالية.

فهم الدولة المصرية وطبيعتها وخصائصها وصفاتها جهازها الإداري والبيروقراطي وأجهزتها السيادية، وما يطلق عليه الدولة العميقة، ومفاتيح هذه الدولة ومفاصلها وشبكة لمصالح الخفية، وداعميها بالخارج ومصالحهم خلف هذا الدعم.

إعادة ترميم أو بالأحرى بناء جديد للقدرات الشعبية والجماهيرية المتعلقة بالقدرة على الجذب والتجميع والتنظيم والتأثير في الرأي العام.

بناء نخبة قيادية تمتلك قدرة على التفكير الاستراتيجي ولديها قدر لا بأس به من الخبرات العلمية والعملية وقادرة على القيادة أو دعم القيادة وابتكار استراتيجيات وٍأساليب للتأثير والضغط.

الحاجة إلى دعم نخب جديدة في مختلف الجوانب الفكرية والإعلامية والفنية والسياسية، والتي تتبنى الثورة والتغيير وترفض الاستبداد والقمع كخيار استراتيجي، ويمكنها التأثير في الجماهير وإٍسقاط النخب التي يعتمد عليها النظام في التأثير على الرأي العام.

تأسيس بنية للعلاقات الخارجية (وليس التركيز على الزيارات واللقاءات)، بنية مؤسسية محترفة تتمركز في عدة نقاط مؤثرة حول العالم.

فهم بنية السياسات العامة ومن المتحكم فيها، وكيفية تحويل أهداف الثورة إلى برامج وسياسات عامة قابلة للتطبيق في المرحلة الانتقالية، وعدم تأجيل ذلك لأجل غير مسمى.

امتلاك تصور واضح للتعامل مع أجهزة القمع والقتل وكيفية مواجهتها لحماية الثورة وامتلاك تصور واضح للسيطرة على الأمن الداخلي في المرحلة الانتقالية التي تلي سقوط النظام.

امتلاك تفوق نوعي على النظام الاستبدادي في مجالات التطور التكنولوجي والمعلومات.

ختاماً:

تحتاج الثورة إلى نخب تؤمن بأهمية الإعداد قبل التصدر، والعلم والتفكير المنهجي الاستراتيجي بدلاً من الارتجالية. نخبة متنوعة الكفاءات والخبرات فيما يتعلق بمواجهة النظم المستبدة أو بسيطرة الحكم المدني على العسكري وإدارة المرحلة الانتقالية، مع كفاءة في حشد وتوظيف القدرات والموارد والجماهير من أجل الانتصار لا الاستنزاف.

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

الاشتراك في التنبيهات
اشترك في التنبيهات ليصلك كل جديد و متميز من موقع الثورة اليوم