أقلام الثورة 08/09/2017لا توجد تعليقات
الكاتب: ياسر الغرباوي

تعد أقلية الروهينغا الميانمارية “الأكثر اضطهادًا في العالم، إذ لا أصدقاء لها ولا يحمل المنتمون إليها وثائق تثبت انتماءهم لأي دولة، ولم تؤد الإصلاحات التي جرت في ميانمار (بورما) منذ عام 2011، إلى أي تحسن في أوضاعهم التي ساءت في ذلك العام بعد موجتين من أعمال العنف الطائفي حدثتا في يونيو/ حزيران من العام ذاته وأكتوبر/تشرين الأول”، وفق ما قاله في مارس/آذار من عام 2013 المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في ميانمار، توماس أوخيا كوينتانا.

والروهينغا قومية عرقية تنتمي إلى عائلة الشعوب الهندية وتقطن في ولاية أراكان غربي ميانمار، ويقدر عددهم بـ 800 ألف روهينغي وفقا لإحصاء حكومي صدر في عام 2012، بينما يقدر الموقع الإلكتروني لوكالة أنباء الروهينغا عددهم بـ1.1 مليون شخص.

ولم تتوقف هجمات المتشددين أو الجيش الميانماري ضد الروهينغا خلال الأعوام السبعة الأخيرة، ما دعا 11 فائزاً بجائزة نوبل للسلام مجلس الأمن الدولي لاتخاذ الإجراءات اللازمة، واتهموا ميانمار في ديسمبر/كانون الأول الماضي، بارتكاب “تطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية”، ولم تكن أونغ سان سو تشي، الزعيمة السابقة للمعارضة في ميانمار والحائزة على جائزة نوبل للسلام تقديراً لنضالها المؤيد للديمقراطية ضد المجلس العسكري السابق والتي تشغل حاليا منصب مستشارة الدولة، من بين الموقعين على تلك العريضة.

وتجددت الهجمات المنظمة على الروهينغا من قبل قوات الأمن في أغسطس/آب الماضي، بعد ساعات قليلة من صدور تقرير دولي أشرف عليه الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان، والذي طالب سلطات ميانمار بتصحيح سياساتها تجاه الروهينغا لقطع الطريق على التطرف والإرهاب، بإلغاء التضييق الشديد على الروهينغا المحرومين من العلم والعمل والتملك.

لكن ما هي جذور وأسباب النزاع هناك؟ وهل بالفعل أن سبب الأزمة ديني؟ وفي أي سياق يمكن فهم التعاطف الغربي مع الأزمة؟ وكيف يمكن تحويل التعاطف مع قضية الروهينغا ليصبح فاعلاً ومؤثراً؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، يستخدم معد المادة أحد النماذج المُتبعة في تحليل النزاعات والحروب الأهلية والمعروف باسم “شجرة النزاع” Conflict Tree والتي تشكل أداة جوهرية لفهم سبب النزاع، عبر تسليط الضوء على جذور الأزمة وتفاعلات الصراع، والتأثيرات والنتائج المترتبة عن النزاع، ولكن قبل تطبيق النموذج يجب التعرف إلى موقع ميانمار الجغرافي والتي تعد إحدى دول شرق آسيا وتقع على امتداد خليج البنغال، تحدها من الشمال الشرقي الصين، ومن الشمال الغربي الهند وبنغلاديش، وتشترك حدودها مع لاوس وتايلاند، أما حدودها الجنوبية فتطل على خليج البنغال، وتتكون من 140 عرقية، وفقا لتقرير صادر عن وكالة الاستخبارات الأميركية.

جذور الأزمة

تعود جذور الصراع في ميانمار إلى ثلاثة عوامل رئيسة، هي الذاكرة التاريخية المتوترة بين العرقيات وخطايا الاستعمار البريطاني وهيمنة الحكم العسكري على البلاد.

أولاً: الذاكرة التاريخية المتوترة

دخل الإسلام إقليم أراكان بواسطة التجار العرب في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، وفق المؤرخ أر. بي. سمارت صاحب كتاب “Burma Gazetteer” إذ كان للتجار المسلمين والعرب صلة وثيقة بأهل أراكان منذ ما قبل عام 788 ميلادية وتعزز هذا الوجود فى عام 1430 بعودة الملك مين ساو مون لعرش مملكة ماروك يو بإقليم أراكان بعد ربع قرن من المنفى في بلاد البنغال، فقد كان الملك على علاقة جيدة بالمسلمين، وحافظت المملكة عموما على المسلمين ومشاعرهم على الرغم من احتفاظ ملوكها بالديانة البوذية.

ثانياً: خطايا الاستعمار البريطاني

احتلت بريطانيا ميانمار عام 1885 ومع الاستعمار بدأ الاقتصاد الميانماري في التوسع تحت إشراف النخبة الهندية البريطانية الجديدة، وكان للمسلمين الهنود العاملين مع بريطانيا دوراً كبيراً في هذا التوسع، إذ زادت الهجرة من البنغال والهند إلى بورما، كما زاد عدد المسلمين في البلد تدريجيًا لغياب الاضطهاد السابق، ومع استعانة الميانماريين باليابان ضد بريطانيا في حرب التحرير انحاز المسلمون إلى جانب التاج البريطاني ضد اليابان والميانماريين وقد نتج عن مواقف المسلمين هذه أن أصبحت الأغلبية تنظر لهم على أنهم خونة، وضد استقلال ميانمار عن الإنكليز، وبذلك أصبح الروهينغا في الخطاب السياسي الميانماري هم الآخر والعدو المختلف دينًا ولغة، وحلفاء الأعداء.

ثالثاً: هيمنة الحكم العسكري

سيطر القائد العسكري ني ون، على ميانمار بانقلاب عسكري في سبتمبر/أيلول من عام 1962، وفي عام 1990 نال حزب الرابطة الوطنية للديمقراطية المعارض والذي أسسته الزعيمة السابقة للمعارضة أونغ سان سو تشي، أغلبية المقاعد في الانتخابات البرلمانية، غير أن الحكومة العسكرية لم تسمح بانتقال السلطة، ولضمان استمرار الحكم العسكري لأطول فترة ممكنة، دأب الجيش علي الدخول في صراعات مع المكونات العرقية البورمية حتى يُشعر الجميع بالحاجة الدائمة إليه فلا ينادي بالديمقراطية؛ ومن هذه الصراعات ما جرى في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2012 إذ وقع صراع في منطقة كاشين بين ثوار يطالبون باستقلال كاشين وقوات الجيش؛ ودخل الجيش في صراع مع مجموعات شان لاهو وكارين في النصف الشرقي من البلاد، واشتبكت المؤسسة العسكرية مع ذوي الأصول الصينية في فبراير/شباط من عام 2015، وفي هذا السياق تأتي الأزمة الحالية ضد الأقلية المسلمة.

أسباب النزاع

يمكن تلخيص أسباب النزاع في الفقر والتهميش ومحاولات الانفصال في إقليم أراكان والصراع الجيواستراتيجي بين أميركا والصين.

أولاً: الفقر والتهميش لإقليم أراكان

نتيجة للذاكرة الاجتماعية والسياسية المتوترة تجاه المسلمين في إقليم أراكان تم تهميش السكان الروهينغا وحرمانهم من التعليم والخدمات الصحية، وسن قوانين جائرة ضدهم؛ إذ تفرض ميانمار عليهم مجموعة واسعة من القيود ومن بينها تحديد عدد أفراد العائلة وتقييد حركتهم والوظائف التي يمكن أن يشغلوها، وهو ما جعل أراكان الذي يتركز فيه الروهينغيون مركزاً للتوتر بين الأغلبية البوذية والروهينغا.

ثانياً: محاولات الانفصال 

نتيجة للتضييق والتهميش وعدم تقديم الخدمات والحرمان من حقوق المواطنة سعت جماعات من الروهينغا نحو الانفصال مرتين، الأولى جرت وقائعها في عام 1947 وحتى 1961، والثانية في 1971، وكانت المرة الأولى بالتزامن مع انفصال باكستان عن الهند، وفي المرة الثانية جرت بالتزامن مع انفصال بنغلاديش عن باكستان، وهو ما جعل السلطات دومًا متحفّزة تجاههم وتتسم ردودها بالعنف.

ثالثاً: الصراع الجيواستراتيجي بين الغرب والصين

أحد أوجه هذه الأزمة الإنسانية المؤلمة لمسلمي الروهينغا تقاطعها مع نقاط الصراع الأميركي الغربي مع الصين في شرق آسيا وفق رأي الدكتور نائل الشافي الخبير فى مجال الطاقة؛ إذ إن دولة ميانمار بالغة الأهمية من الناحية العسكرية والجغرافية للمشروع الصيني، وهو ما يبدو في توقيع الرئيس الصيني مع رئيس بورما في إبريل/نيسان 2017 على اتفاقية بدء استخدام خطي أنابيب نفط وغاز من ميناء تشاوبيو بولاية أراكان التي يسكن فيها الروهينغا إلى کونمينغ الصينية.

وتعد ميانمار المنفذ البحري المتاح للصين في حال تعطل الملاحة في بحر الصين الجنوبي، لذا تهتم الولايات المتحدة الأميركية بإضعاف تأثير الصين في المنطقة، عبر الضغط على النظام في ميانمار باستخدام قضايا حقوق الإنسان والأقليات، وعلى رأسها خطايا النظام ضد المسلمين الروهينغا لإحراز مكاسب جيواستراتيجية تقوض نفوذ الصين في ميانمار.

تأثير ونتائج الأزمة داخل ميانمار وخارجها

أولاً: انتشار الكراهية والتحريض ضد المسلمين في أراكان واستغلال المؤسسة العسكرية والسلطة الميانمارية للمتعصبين البوذيين في شن حملات التطهير العرقي والديني ضد الروهينغا عبر استغلال الخطاب الديني البوذي الذي يزعم تهديد الإسلام لمستقبل البوذية هناك، ونتج عن هذا التحريض والتعصب الأعمي سقوط آلاف القتلى والجرحى والمشردين واللاجئين على طول الحدود وداخل ميانمار من الروهينغا، إذ بلغ عدد الفارين من النزاع نحو بنغلاديش قرابة 300 ألف لاجئ وفق تقديرات الأمم المتحدة.

ثانياً: الضغط على بنغلاديش وماليزيا لفتح حدودهما أمام الروهينغا للتخلص منهم وإخراجهم خارج ميانمار وتطهير إقليم أراكان عرقيا، حتى يتم استغلال الثروات الطبيعة فيه بالتعاون مع الصين.

ثالثاً: تكثيف الدعاية السياسية في العالم الإسلامي بأن أساس النزاع في بورما أصله إسلامي/ بوذي، على الرغم من أن جذر النزاع كما تقدم يُعتبر عرقياً تاريخياً، ويُضاف إلى ذلك أن المسلمين في باقي مناطق ميانمار، وخصوصاً العاصمة، لا يعانون من التمييز والتهميش كما يحصل للمسلمين في أراكان.

رابعاً: تكوين مجلس عسكري لمسلمي أراكان وسعي العديد من الدول المهتمة بالصراع إلى تقديم الدعم اللوجستي له سعياً إلى عسكرة النزاع في أراكان.

في الختام وبناءً على ما سبق تتضح لنا الحقائق التالية:

أولاً: معرفة جذور وأسباب ونتائج الأزمة يجعل تعاطفنا مع مأساة أهل أراكان أنجع أثراً، وأكثر نفعا لهم عبر العمل على استعادة حقوقهم بالضغط على النظام الميانماري بكل الوسائل السياسية الممكنة، ومن خلال التواصل الدبلوماسي مع الصين، للضغط على ميانمار للاعتراف بالروهينغا باعتبارهم مواطنين لهم كامل الحقوق مثل العرقيات والأقليات الأخرى بغض النظر عن عرقهم أو دينهم من دون الدخول في جدلية الصراع الوجودي بين البوذية والإسلام في ميانمار.

ثانياً: جذور معاناة المسلمين فى أراكان تعود إلى أحداث عرقية يقف وراءها الاحتلال الإنكليزي والحكم العسكري في ميانمار، والإسلام يُعد فقط أحد نتائج الأزمة وليس سببا رئيسا لها، إذ إن المسلمين فى إقليم أراكان الذين هم من أصل ميانماري (بورمي) لا يعانون من التهميش مثل المسلمين ذوي الأصول العرقية التي يحسبها البورميون هندية وبنغلاديشية وفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

ثالثاً: كثافة الدعاية بأن المسلمين مستهدفون في أراكان لأنهم يعتنقون الإسلام فقط هي محاولة لصرف الأنظار عن الجذور الحقيقية للأزمة، وحشد أكبر عدد من المتعاطفين وتوسيع دائرة الصراع ليشمل دولاً إقليمية محيطة ببورما تمتلك أغلبيات بوذية وأقليات مسلمة؛ لجعل هذا الصراع يمتد أطول فترة زمنية ممكنة؛ والدليل على ذلك أن الأقلية المسيحية نفسها استهدفت من قبل الجيش البورمي سابقاً، وكذلك الأقلية البورمية من أصول صينية بوذية تعرضت هي الأخرى للتمييز والتهجير والإقصاء؛ فقد تشرد منهم قرابة 50 ألف شخص وتركوا ديارهم وتحركوا نحو حدود الصين.

رابعاً: تفجر الأزمة حالياً يعود إلى عدة أسباب محفزة، منها تفشي الفقر والظلم، ومحاولة الجيش الميانماري حشد الأغلبية البورمية ضد الروهينغا لصرفهم عن الديموقراطية وحقوق الإنسان عبر خلق عدو داخلي.

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

شاهد ايضا
بازل وقطر وتمويل الإرهاب
بازل وقطر وتمويل الإرهاب.. هناك مؤشر لا يلفت أنظار الكثيرين حول العالم رغم أهميته القصوى للأمن والسلم العالميين. المؤشر يدرج مِن ضمن
الاشتراك في التنبيهات
اشترك في التنبيهات ليصلك كل جديد و متميز من موقع الثورة اليوم