أقلام الثورة 11/09/2017لا توجد تعليقات
أقلية الروهينجا تلاقي من القتل والاضطهاد من قبل البوذيين البورميين
الكاتب: كدير مراد

الروهينجا.. “أصحاب أخدود” القرن الـ21.. لطالما تدبرنا سورة البروج مصورة صورة نفسية راسخة لثلة من المؤمنين الصادقين الذين نقمت عليهم السلطة السياسية الحاكمة في نجران، نقمة حركها سبب يتيم وهو البغض من بشر آمنوا بالله العزيز الحميد.

لقد كان أصحاب الأخدود الأغلبية في نجران لكن ذلك لم يشفع لهم! إذ كانت عقيدتهم الربانية قمة البواعث – تضاف لها الأسباب السياسية والاقتصادية والعرقية – التي جعلت القرآن يرسخ لحدث لا إنساني مقيت يظهر بشاعة الإنسان عندما تنطمس فطرته النقية ويغطي الران الأسود قلبه!

صورة المجزرة تتجدد لنا في هذا القرن المعاصر بنكهة غير مختلفة عن سابقتها بل وأبشع، تتعدد فيها الأسباب والبواعث لكن تظل محرقة عرقية دينية ضمن معركة بمحركات عقدية صرفة تضاف فوقها الأسباب الأخرى، إنها قضية مسلمي الروهينجا!

وأنا أتابع هذه القضية المؤلمة لم أجد أداة تغيرية صانعة لفعل النصرة سوى البحث بين جنبات التاريخ عن جذور الأزمة ومحركاتها المتعددة في واقع متعدد الأعراق! مع تحريك معرفي يكشف المصطلحات المختلفة ويسلط الضوء على تاريخ الانتهاكات الإنسانية.

من الروهينجا ؟

الروهينجا أحد الأعراق الآسيوية المسلمة ضمن العائلة الهندية التي استوطنت منذ القدم إقليمًا تاريخيًا سمي لقرون طويلة بـ”أراكان” ويحاول الآن المغيرون من عرق “الماغ” أو الراخين تسميته “أراخين” لبوذنة الإقليم كما جربوا مع الإنسان الأراكاني المسلم وفشلوا.

تتعدد المصادر في وصف إتيمولوجيا مصطلح الروهينجا، يذهب البعض من مؤرخي الروهينغا مثل جهير الدين أحمد الرئيس السابق لمؤتمر مسلمي بورما أن تعود إلى كلمة “الروها” من أفغانستان، في حين يقول تشودري إنها تعود إلى المملكة الأركانية القديمة مروهانج وتحرفت مع الزمن!

أراكان السجن الجغرافي!

إن جملة الأحداث المفزعة تدور ضمن أحد الأقاليم الـ14 لدولة ميانمار التي تحول اسمها إلى “بورما” لتأخذ اسم العرق السائد والحاكم “البورمان” والذي كان السبب الرئيس في ظهور أزمة الروهينجا، لم تكن عبر التاريخ أراكان تابعة لبورما كما سنتحدث عنها في التأصيل التاريخي للأزمة،  فكانت عبر العصور الوسطى والحديثة مملكة مستقلة! وساهم في ذلك الخصائص الجغرافية للإقليم المغلقة والتي جعلت منه سجنًا جغرافيًا كبيرًا يعزل الإقليم عن باقي الأقاليم الأخرى.

إن الكارثة الإنسانية والحرب الدينية العشواء التي يقودها عرق “الماغ” ذو الخلفية البوذية بمساعدة الدولة بقي مخفيًا في سجن إقليم أراكان الذي تبلغ مساحته 36.810 كم2، إذ تحتجزه من الشرق جبال أراكان أحد امتدادات جبال الهملايا وتحدها من الشمال ولاية تشين ومنطقتي ماغاوي ومنطقة باغو وبنغلاديش من الشمال الغربي في حين يطل الإقليم عبر سواحل بحرية من الجنوب والغرب  على خليج البنغال.

دخول الإسلام والعصر الذهبي لمملكة أراكان الإسلامية  

يؤرخ المؤرخون لدخول الإسلام لهذه المنطقة بداية من القرن الحادي عشر سنة 1040 م عبر قافلة من التجار العرب، رسخ التاريخ  والتراث الأركاني لاسم أحدهم ذي اللقب “بيات”،  لكنها انتمت للإسلام بداية من القرن الرابع عشر في عهد هارون الرشيد بعد أن تأسست مملكة إسلامية مستقلة على يد الملك نارماخيلا الذي عاد إلى أراكان سنة 1430م بعد اللجوء إلى ملك البنغال “إلياس شاهي” دام 24 سنة، حكمها بعدها على مدار ثلاثة قرون ونصف (1430-1785) 48 ملكًا حافظوا على ألقابهم الإسلامية إلى الغزو البورمي سنة 1785، منهيًا فترة إسلامية زاهية تنورت فيها الحضارة فأنتجت مجتمعًا محبًا للإسلام مصقولاً بقيمه وتراث إنساني ومادي إسلامي بقي لحد اليوم.

أبعاد قضية مسلمي الروهينجا

الباحث في سوسيولوجية الأزمات بين الأعراق والإثنيات الدينية يعلم أن هذه الأزمات ليست وليدة اللحظة وإنما نتاج تراكم تاريخي  ساهمت فيه أبعاد مركبة بدرجة مخيفة، ولعل في هذه الأزمة من التركيب من ناحية أبعادها ما يصعب على الباحث استيفاء البحث فيها، لكن لنذكر أهم الأبعاد التي تؤثر في إخراج المحرقة في هذا القدر من البشاعة واللا إنسانية.

البعد التاريخي.. يؤمن البوذيون من سلالة الماغ أن الروهينجا عرق غريب عن أرض بورما ولا يرتبط بها إطلاقًا وإنما وفدوا إليها من البنغلاديش، ولعلنا سبق أن أصلنا لوجود هذا العرق الأصيل في أرضه، ولعلنا تتبعنا الغارات البورمية على الإقليم المستقل تباعًا عبر الزمن سنة 1406م وآخرها سنة 1785.

بمجرد سيطرة الغزو البورمي سنة 1785 تم قتل 35 ألف أراكاني، لكن سرعان ما سقطت بورما بعد 42 سنة في يد الاحتلال البريطاني.

لقد كرس الاحتلال البريطاني الكراهية كأداة سياسة للسيطرة على كل الأعراق التي تصل إلى أكثر من 144 عرقًا، تركت بريطانيا ميراثًا من الحقد والحسد بين الأعراق نظير التمييز في الحقوق والحريات والامتيازات، ولعل الامتياز الأكبر ترك قيادة ميانمار إلى عرق “البورمان” سنة 1937.

بذور الصراع الإثنية والدينية

تدين مليشيات “الماغ” البوذية كديانة، في حين يمثل المسلمون في بورما ما نسبته 10% موزعة على أعراق متعددة، ويقدر عدد الروهينيجا 4 ملايين مسلم بمعدل 2.5% من إجمالي سكان البلد، وتعتبر الأمم المتحدة الروهينجا من بين الأقليات الأكثر اضطهادًا في العالم.

يؤمن “الراخين” أو “الماغ” بعقيدة تيرافادا التي ترى أن الروهينجا يحملون في أجسادهم الأرواح الشريرة، فلذلك نرى من خلال صور التعذيب المتعة الإيمانية التي ينتظرونها وراء الطرق النكراء التي ينتهجونها في القتل، كما يعتقدون أن الإسلام والروهينجا يعتبران خطرًا على الدين البوذي، فتكون تصفيتهم واجبًا دينيًا بالدرجة الأولى وهذا ما يسوقنا لفهم أن ما يجرى محرقة ذات تحريك ديني بامتياز.

بعد سيطرة البورمين على مقاليد الحكم غيروا التسمية القديمة لميانمار وأسموها “بورما” لسببين: سبب ديني لكون الاسم مقتبسًا من “بوذا” والسبب الثاني الإثني أن العرق السائد هو “البورمان”.

البعد السياسي والاقتصادي والأيديولوجي

بعد الانقلاب العسكري الفاشي الذي قاده الجنرال “نيوين” سنة 1962 انطلقت أولى حلقات التطهير العرقي، لقد جمع هذا النظام السياسي ثلاث سوءات:

سوءة النظام العسكري الفاشي: ومن طبيعة العسكري الحسم الدموي، فتتالت الجرائم ضد الإنسانية والتهجير القسري باستخدام أدوات الترهيب مع استيطان عنصر بشري مناقض من أجل فرض واقع ديمغرافي جديد.

سوءة  الأيديولوجية الشيوعية والمنهج الاشتراكي: التي عملت على تحويل التأميم العام ضد المسلمين بهدف نزع الملكية وفرض الهجرة الإجبارية لأرض غنية اقتصاديًا من خلال الساحل الطويل والغابات المعروفة بأجود أنواع الخشب منها خشب آلتيك والحجمي.

سوءة الشمولية السياسية: لقد كان منطلق هذه المجزرة  حدثًا سياسيًا ديكتاتوريًا فرضه دستور 1974م الذي جرد الروهينجا من كل الحقوق (حق المواطنة والتعليم والمشاركة السياسة).

هذا كان منطلق الحملات المتعددة لسنوات 1974 و1991 و2001 وكان آخرها الذي نعيشه وانفجر سنة 2012 بعد اتهام البوذيين زورًا مسلمي الروهينجا باغتصاب امرأة وقتل 3 رجال.

لعل الكلمات محدودة للتعبير عن حجم قضية مركبة ومعقدة عبر التاريخ والسياسة والعقيدة والعرق، لكن الواجب يفرض التحريك الثقافي للتعريف بقضية إنسانية عادلة هي قضية أصحاب الأخدود الجدد.

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

شاهد ايضا
بازل وقطر وتمويل الإرهاب
بازل وقطر وتمويل الإرهاب.. هناك مؤشر لا يلفت أنظار الكثيرين حول العالم رغم أهميته القصوى للأمن والسلم العالميين. المؤشر يدرج مِن ضمن
الاشتراك في التنبيهات
اشترك في التنبيهات ليصلك كل جديد و متميز من موقع الثورة اليوم