أقلام الثورة قبل شهر واحدلا توجد تعليقات
الإخوان المسلمون وثورة يناير ـ الجزء الأول قراءة في تحولات الدور من الصدارة إلى المجهول
الإخوان المسلمون وثورة يناير ـ الجزء الأول قراءة في تحولات الدور من الصدارة إلى المجهول
الكاتب: ياسر فتحي

تحاول هذه الدراسة الاقتراب من تفاعل جماعة “الإخوان المسلمين” في مصر مع حراك “الثورة المصرية” منذ يناير 2011 – الداعي لتغيير نظام مبارك- وحتى يناير 2016 -تاريخ وضوح إعلان الانقسام الإخواني إعلامياً-، وتجمع هذه الدراسة بين الوصف والتقرير ومحاولة تقديم تفسيرات وتحليلات مبنية على وقائع ومقابلات ومشاهدات من مصادر محسوبة على الجماعة.

لا تركز هذه الدراسة على تفاصيل الأحداث السياسية التي حدثت منذ 25 يناير 2011، ولكنها تركز على الخط العام للأحداث ومحاولة فهم السلوك الإخواني التنظيمي، ولا تتعرض هذه الدراسة لتقييم فترة حكم الرئيس مرسي، أو تقييم القوى والتيارات السياسية الأخرى، كما أن هذه الدراسة تحاول فهم السلوك الإخواني من خلال مصادر من الجماعة أو محسوبة عليها.

تمثل هذه الدراسة محاولة استكشافية من باحث كان عضواً عاملاً بالتنظيم في مصر منذ عام 2000 حتى أغسطس 2012، وقبل هذا التاريخ كان مرتبطاً بالتنظيم بعضوية غير رسمية لسبع سنوات على الأقل، وانتهت علاقته بالتنظيم المصري بشكل رسمي منذ ذلك التاريخ، لكنه عاد للتفاعل مع الجماعة بشكل غير مباشر من خلال التعاون في ملفات تتعلق بالإعلام أو البحث السياسي من خلال بعض المؤسسات خارج إطار التنظيم منذ يناير 2014 وحتى سبتمبر 2016، ومنذ ذلك التاريخ انتهت أي علاقة رسمية مباشرة أو غير مباشرة بتنظيم الإخوان، وهذا يعطي الباحث قدرا مناسبا من الخبرة والدراية بسلوك الجماعة وتفاعلها، كما حرص الباحث على ألّا يكون هو مصدر هذه الدراسة وفق ما امتلكه من خبرات ودراية بجماعة الإخوان، بل كان الحرص أن تكون هذه الخبرة مرشدة للأدوات والمصادر التي اعتمد عليها.

قبل الشروع في كتابة هذه الدراسة، واجه الباحث الكثير من العقبات والتحديات، فجماعة الإخوان المسلمين في حالة استهداف وقمع ومطاردة داخل مصر وخارجها، وهو ما يضع قيودا كثيرة على التواصل مع الأفراد -خاصة الفاعلين منهم والمؤثرين- داخل مصر وخارجها، كما أن التنظيم شديد الحذر والتحفظ من أي جهد بحثي يتناول الجماعة وسلوكها، إضافة لما تعرضت له الجماعة من أزمة قيادية كبرى أشعلت حالة الاستقطاب داخلها، وأوجدت في كثير من الأحداث روايتين وربما معلومتين مختلفتين عن نفس الحدث، وهو ما يتطلب جهدا أكبر في تحري الدقة والموضوعية وعدم الاعتماد على مصدر واحد أو مرجعية واحدة من داخل التنظيم الواحد.

لقد احتاج الباحث وقتاً طويلاً.. فبعض هذه الأدوات البحثية بدأ فيها الباحث منذ عام 2017، وقد قام الباحث في هذه السنة بعمل استبيان -لم تنشر نتائجه حتى الآن- شمل أكثر من خمسة وأربعين سؤالا وُجّهوا لشريحة شبابية -بلغت مائة شاب- من داخل الجماعة، وقد جمع هذا الاستبيان بين الأسئلة المغلقة والمفتوحة والمقالية، وشمل أمورا فكرية وتنظيمية وسياسية وأموراً أخرى.

كما قام الباحث في هذه السنة أيضا بمقابلات بحثية معمقة مع اثني عشر قياديا منهم أحد عشر قياديا شابا تولى مهمة قيادية تتعلق بالطلاب أو الشباب داخل الجماعة قبل يونيو 2013، ولم ينشر الباحث نتيجة هذه المقابلات، كما قام الباحث في هذه السنة بعمل بحث عن اتجاهات شباب الإخوان المسلمين في مصر منذ يناير 2011 وحتى يونيو 2013، وشارك به في مؤتمر الجيل والانتقال الديمقراطي (سبتمبر 2017)، واستفاد الباحث بجزء من المقابلات والاستبيانات السابقة في هذه البحث، كما قام الباحث بعمل دراسة بعنوان “الإخوان واستعادة الشرعية بحث في تحليل مضمون بيانات الجماعة” (أبريل 2019)، ويتعلق بتحليل مضمون بيانات الجماعة الرسمية منذ يوليو 2013 وحتى فض اعتصام رابعة العدوية.

عندما شرع الباحث في كتابة هذه الدراسة عن تفاعل الجماعة مع الحراك السياسي منذ يناير 2011 وحتى يناير 2016 فقد استفاد من الجهود السابقة -المنشور منها وغير المنشور-، كما قام بتنظيم مقابلات بحثية معمقة مع عدة مصادر متنوعة بالجماعة -داخل مصر وخارجها- لديها تصورات وانحيازات مختلفة ومتنوعة عن ما يدور داخل الجماعة، وقد استوعبت المقابلات التي أجراها الباحث مَن هم يُحسبون ضمنا على من يُعرفون بـ “القيادات التاريخية” أو من يعرفون بـ “المجموعات الجديدة” أو من لديهم تحفظات على كلا الاتجاهين أو من انسحب تماما – في وقت متأخر- من التفاعل مع الجماعة وعضويتها بعد أن كان فاعلا فيها، ولم يستعن الباحث بأي مبحوث لم يكن فاعلا خلال الأحداث التي تناولتها هذه الدراسة.

أضاف الباحث خمس عشرة مقابلة معمقة مع عشرة مبحوثين منذ أكتوبر 2018 وحتى يوليو 2019، ليكون مجموع المقابلات سبعا وعشرين مقابلة مع تسعة عشر قياديا منذ أغسطس 2017 وحتى يوليو 2019، مع استفادة الباحث من كثير من المقابلات والحوارات والمناقشات والملاحظات المباشرة التي اطلع عليها الباحث خلال فترة علاقته بالجماعة، أو حتى بعد انتهاء علاقته التنظيمية بالجماعة.

اتفق الباحث مع كل المبحوثين – بسبب الظروف والضغوط والملاحقات الأمنية- على عدم التصريح بأي اسم من أسمائهم، وتم الاتفاق على نسبة كل مبحوث إلى الموقع التنظيمي الذي انتمى له داخل الجماعة، وإذا تشابهت بعض المواقع التنظيمية بين مبحوثين أو أكثر فقد أضاف الباحث رقما ليميز بينه وبين مبحوث آخر تولي نفس الموقع التنظيمي، فمثلا إذا تشابه مبحوثان وكانا عضوين في مجلس شورى عام الجماعة فسيضيف الباحث الرقم (1) والرقم (2) والرقم (3) للمصادر للتمييز بين ما يُحال من اقتباسات لكل واحد منهم، وكذلك إذا تولى أحد المبحوثين مسئولية إدارة التنظيم الإخواني في إحدى المحافظات فان الباحث لن يذكر اسم الشخص ولا اسم المحافظة، لكن سيضيف الباحث رقم (1) ورقم (2) للتمييز أنهما محافظتان مختلفتان ومبحوثان مختلفان، وكذلك الأمر في حالة كان المبحوث مسئولا عن لجنة مركزية بالجماعة وتشابه مع مصدر آخر فسيضيف الباحث الرقم (1) والرقم (2) لتمييز الاختلاف بين المبحوثين وما يحال إليهما من اقتباسات، أما إذا كان عضوا في مكتب إداري للتنظيم في إحدى المحافظات وسط الدلتا ولم يتشابه مع مصدر آخر فسيذكره الباحث بدون رقم، وكذلك من كان عضوا في لجنة تنظيمية داخل محافظة مثل لجنة الخطة ولم يتشابه مع مصدر آخر سيذكره الباحث بدون أي رقم.

حرص الباحث أن يحيل أي حدث إخباري إلى مصدر إخباري وفق المصادر الإخبارية العربية التي نشرت هذا الخبر ووثقته، ومن المصادر التي أحال إليها الباحث بعض الأخبار: موقع الجزيرة نت، وموقع العربية نت، وموقع البي بي سي عربي، وموقع الجزيرة مباشر نت، وموقع جريدة المصريون، وموقع عربي 21، وموقع جريدة القدس العربي اللندنية، وموقع وكالة الأناضول العربي، وموقع اليوم السابع، وموقع إخوان أون لاين (انفو)، موقع إخوان أون لاين (سايت)، وموقع شبكة رصد، وموقع إم بي سي نت، وموقع العربي الجديد، وموقع مؤسسة الكرامة لحقوق الإنسان، وموقع مصر العربية.

اعتمدت الدراسة على نطاق موضوعي يتعلق بجماعة الإخوان المسلمين في مصر ومواقفها وسلوكها وتفاعلها التنظيمي الرسمي مع الأحداث السياسية الكبرى، وعلى نطاق زمني محدد منذ دعوات التظاهر في يناير 2011 المطالبة بإسقاط نظام مبارك – حيث بدأت الجماعة التجاوب مع دعوات التغيير- وانتهاء بـ يناير 2016- حيث آل الحال إلى عودتها كجماعة مطاردة وملاحقة من قبل السلطة السياسية الحاكمة وتعرضت لانقسام واضح تم إعلانه على وسائل الإعلام في نهاية ديسمبر 2015 وبداية يناير 2016، وأصبح هناك متحدثان رسميان كل واحد لا يعترف بالآخر، وكل واحد يعلن موقفا مختلفا عن الآخر، وكل واحد يعلن أن للجماعة موقعا رسميا ووسائل للتواصل الرسمي مختلفة عن الآخر، وكل منهما يقول إنه يمثل جماعة الإخوان المسلمين رسميا، لكنه يتبع قيادة ميدانية مختلفة.

لا يعني الوقوف عند تاريخ يناير 2016 تجاهل ما بعده من تفاعلات، لكن التفاعلات التي جاءت بعد هذا التاريخ والتي ستشير الدراسة إلى بعضها (مثل مبادرة الدكتور يوسف القرضاوي أو مقتل الدكتور محمد كمال عضو مكتب الإرشاد في أكتوبر 2016 أو إعلان أحد طرفي الإخوان عن تشكيل ما سمي بالمكتب العام في ديسمبر 2016) ستكون مرتبطة بالنطاق الزمني للدراسة ولن تضيف لها جديداً.

قسمت الدراسة على أربعة مباحث، وسيكون هيكل الدراسة كالتالي:

المبحث الأول: الإخوان ودعوات رحيل مبارك وإسقاط النظام (حذر فطري وهدوء تنظيمي):

ويجيب هذه المبحث عن سؤال: كيف تفاعلت الجماعة مع دعوات رحيل مبارك المطالبة بإسقاط النظام؟ وما أبرز سمات الجماعة التي صاحبت تفاعلها مع هذه الدعوات؟

المبحث الثاني: الإخوان والمرحلة الانتقالية بعد تنحي مبارك (قيادة الاضطرار):

ويجيب هذا المبحث عن سؤال: لماذا غيرت الجماعة تعاطيها الاستراتيجي مع المرحلة الانتقالية بعد تنحي الرئيس مبارك وتصدرت المشهد السياسي حتى وصلت إلى مقعد الرئاسة -خلافا لقرارها السابق-؟

المبحث الثالث: الإخوان ومحاولة استعادة المسار الديمقراطي (الصدمة والمجهول):

ويجيب هذا المبحث عن سؤال: لماذا لم تتمكن الجماعة وحشودها وأنصارها من حماية شرعية الرئيس المنتخب واستعادة المسار الديمقراطي وفقدت قدرتها على إحداث تغيير سياسي أو استعادة المسار الديمقراطي؟

المبحث الرابع: ويجيب هذا المبحث عن ثلاثة أسئلة: هل أدت صدمة فض اعتصام رابعة إلى خلخلة التنظيم؟ وكيف كانت محاولات البحث عن استراتيجية فعالة؟ وما قصة الخلاف الإخواني: كيف ظهر وتطور؟ وما العوامل التي ساعدت في إزكاء هذه الأزمة؟

خاتمة: وفيها خلاصات وتعقيبات

اختار الباحث هذا التقسيم للمراحل باعتبارها مراحل متجانسة موضوعيا، فمرحلة المطالبة بتغيير النظام، تختلف عن محاولة إدارة مرحلة انتقالية لتحقيق انتقال ديمقراطي وتثبيت الحكم الديمقراطي، تختلف عن مرحلة الخروج على هذا المسار ومحاولة السلطة الحاكمة فرض واقع جديد بالقوة والقمع.

حاولت الدراسة أن ترسم ملامح كلية لأبرز سمات التفاعل الإخواني خلال كل مرحلة، ولم تلتفت الدراسة إلى كل تفاصيل الأحداث السياسية إلا بقدر إشارتها لفهم طبيعة السلوك الإخواني ومواقفها وتدعيم التفسيرات والتحليلات التي تشير لها الدراسة.

جمعت الدراسة بين الوصف والتقرير وتقديم بعض التفسيرات والتحليلات التي تفتح آفاقا لرسم صورة كلية عن سلوك الجماعة، وتفتح آفاقا لدراسة الجماعة بصورة كلية وليس اعتمادا على مواقف جزئية، وتعد هذه الدراسة دراسة استكشافية من مصادر الجماعة نفسها أو محسوبة عليها، مع تحييد أي مصدر من خارجها أو تحليل أو رأي من خارج الجماعة، وهي برأيي مهمة جدا للمهتمين والباحثين والمختصين وتفتح آفاقا أوسع لمزيد من البحوث والدراسات المعمقة واستخدام أكثر من مدخل نظري للاستفادة من مخرجات هذه الدراسة، التي اعتمدت على مصادر حية وحديثة ولم تعتمد على مصادر تاريخية قديمة، كما أن الباحث يرجو أن يتفاعل معها كل من كان فاعلا أو مطلعا على هذه المرحلة بشهادته وتعليقاته، وسيسعد الباحث أن يتلقى أي شهادة أو تعليق على هذه المرحلة وما بها من أحداث.

لا يسعني إلا تقديم الشكر والتقدير للمعهد المصري للدراسات على حرصه على خروج هذه الدراسة للنور، وللقائمين على متابعة هذا المشروع، كما أتقدم بالشكر الجزيل لكل من ساعد وساهم من الأساتذة والمختصين والمتابعين والأصدقاء المخلصين وكذلك المبحوثين الذين قدموا كل دعم ممكن لخروج هذه الدراسة للجمهور بعد جهد استغرق وقتا طويلا، وهو برأيي سيظل جهدا قاصرا كأي جهد بشري، ويتطلب المزيد من البحث والعمل المتواصل.

وأخيراً رسالتي لكل قارئ لهذه الدراسة -سواء كنت حرا أو أسيرا، أو كنت داخل مصر أو خارجها أو كنت منتميا أو غير منتم لحزب أو حركة سياسية- فإنني أرجو الله أن أكون قدمت لك جهدا موضوعيا يفتح لك أفق الفهم والتفكير، ويدفعك لمزيد من الاهتمام بالقراءة والبحث والاستفادة من دروس الماضي، علّنا نصل يوما – نحن أو أولادنا أو أحفادنا- لزمن تشهد فيه بلدنا الحرية والعدالة والأمان والنهضة والتطور، زمن يُثلج فيه صدور أهالي الشهداء وذويهم، وتُعظّم فيه التضحيات التي قُدّمت من أجل أن نعيش حياة كريمة لا ظلم فيها ولا استئصال ولا استبداد ولا قمع ولا إرهاب ولا فشل.

فاللهم أنر قلوبنا وبصائرنا، وتجاوز عن أخطائنا وتقصيرنا.

ياسر فتحي

27 يوليو 2019

المبحث الأول: الإخوان ودعوات رحيل مبارك وإسقاط النظام (حذر فطري وهدوء تنظيمي):

مثّلت لحظة إعلان هروب الرئيس بن علي من تونس في 14 يناير عام 2011 -إثر تصاعد الاحتجاجات الشعبية- قوة دافعة للزخم الشعبي المتصاعد ضد نظام مبارك في مصر، خاصة مع اقتراب ذكرى عيد الشرطة يوم 25 يناير2011 وإطلاق دعوات الاحتجاج والتظاهر.

تفاعلت قطاعات واسعة من الشعب المصري مع دعوات التظاهر، وأعلنت بعض الرموز الإخوانية المشارِكة في “الجمعية الوطنية للتغيير” مثل الدكتور عصام العريان المشارَكة في التظاهرة الاحتجاجية للجمعية الوطنية للتغيير أمام دار القضاء العالي، وبلغت تظاهرات يوم 25 يناير حداً غير مسبوق في الشارع المصري بتجاوب قطاعات واسعة من المصريين في عدة محافظات ومنها أعداد كبيرة من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، وصاحب ذلك سقوط قتلى بمدينة السويس.

وفي يوم 26 يناير اتخذت الجماعة قرارا – رغم تزايد التهديدات الأمنية- بالمشاركة بقوة في دعوات استمرار التظاهر يوم 28 يناير وأبلغت كافة تشكيلاتها ولجانها وكوادرها بذلك، ظلّ زخم الاحتجاجات والاعتصام داخل ميدان التحرير قويا -خاصة بعد فشل محاولة فضه بتشكيلات من البلطجية بحماية الأجهزة الأمنية فيما عرف بـ”موقعة الجمل” -، وفي 6 فبراير 2011 أعلنت الجماعة مشاركتها في الحوار مع اللواء عمر سليمان مدير المخابرات العامة ونائب الرئيس، ولم يسفر عنها أي تغيير في موقف الجماعة واستمرت التظاهرات في الميادين المطالبة برحيل مبارك، ومع صلابة واستمرار الاحتجاج في الميادين وفشل الرئيس والحكومة والأجهزة الأمنية في التعامل مع هذه الاحتجاجات أعلنت جماعة الإخوان المسلمين في 4 فبراير أنها لا تطلب السلطة ولن ترشح أحدا لمنصب الرئاسة، وفي 11 فبراير عام 2011 أعلن اللواء عمر سليمان رحيل مبارك وتخليه عن الحكم وتكليف المجلس العسكري بإدارة شئون البلاد.

تميزت جماعة الإخوان بسمات كثيرة في هذه المرحلة، سنركز هنا على سمتين رئيستين، لهما دور مهيمن على أسلوب تعاطي الجماعة مع هذه المرحلة:

(1) “الحذر الفطري” العام تجاه أي متغير على الساحة السياسية.

(2) الهدوء التنظيمي الداخلي.

(١) الحذر الفطري: (التوجس من الدعوات غير التقليدية – استمرار حالة الاستكشاف السياسي)

جاءت دعوات التظاهر؛ وجماعة الإخوان تتميز بعمق تاريخي وخبرات متزايدة من الصمود التنظيمي والاستمرار رغم كثير من التقلبات السياسية والمواجهة القمعية المستمرة منذ العهد الملكي، ونجاح التنظيم مع هذا الصمود في الانتشار والتوسع في مختلف المحافظات المصرية رغم المواجهات الأمنية والحظر القانوني.

رغم هذه الخبرة الطويلة وقوة الانتشار تميزت الجماعة بحالة توجس عام من أي تقلبات أو تغيرات سياسية في المشهد السياسي المصري فيما يمكن أن نسميه بـ “الحذر الفطري” للجماعة من المفاجآت أو المجهول غير المحسوب، فلدى الجماعة تجارب مختلفة مع الضغوط الأمنية وارتفاع سقف المواجهات ومحاولات الاستئصال، فالجماعة منذ تأسيسها تعرضت لمراحل من التمدد والانتشار والتأثير داخل المجتمع، وتعرضت كذلك إلى ضربات أمنية تعيدها إلى مربع الخوف ومواجهة الاستئصال ومحاولة إعادة التماسك وإعادة بناء هياكلها وانتشارها في المجتمع.

لذا وبرغم أن دعوات التظاهر في 25 يناير 2011 ضد النظام تعد امتدادا لما شاركت فيه الجماعة في الحراك السياسي المعارض منذ عام 2005 ومشاركتها فيما سمي بمظاهرات الإصلاح التي دعت لها حركة “كفاية” ، وكذلك مشاركتها في تأسيس “الجمعية الوطنية للتغيير” في فبراير 2010 ، إلا أن الجماعة تعاملت -في بادئ الأمر- مع الدعوات الشبابية المفاجئة للتظاهر في ذكرى عيد الشرطة ضد النظام ومحاولة التشبه بالوضع في تونس بالحذر الفطري، الذي يمكن تلمسه في الآتي:الإخوان المسلمون وثورة يناير ـ الجزء الأول قراءة في تحولات الدور من الصدارة إلى المجهول الإخوان

أولاً: حرص الجماعة على عدم التفاعل مع أي دعوات مجهولة بالنسبة للجماعة -أي أنها ليست من القوى والتيارات والرموز السياسية التي اعتادت الجماعة التعامل معها- حيث تميل الجماعة للتعامل مع شيء محدد ومعروف ومعد له سلفا وتكون الجماعة قد شاركت وناقشت ذلك على مستوى قيادة هذه الدعوات ثم على مستوى قيادات التنظيم لاتخاذ الموقف النهائي، هذه النقطة كانت واضحة لدى كثير من قيادات الجماعة (الوسيطة والعليا)، مثل مسئول أحد المكاتب الإدارية بالجماعة الذي يدير التنظيم في إحدى محافظات مصر (قيادة وسطى) في يناير 2011 في حوار مع أحد القيادات الطلابية بالجماعة حين سُئل عن دعوات التظاهر في 25 يناير وموقف الإخوان منها فأجاب: “هو كل شوية أفراد يعملوا دعوات حنمشي وراهم” ، وكذلك أكد قيادي وعضو بمكتب الإرشاد (مكتب الإرشاد أعلى سلطة إدارية تنفيذية بالجماعة) في حوار له مع قيادات طلابية من الجماعة في إحدى المحافظات قبل عدة أيام من تظاهرات 25 يناير: “مش عارفين مين داعي ليها وميين وراها، ماحدش كلمنا وطلب مننا المشاركة” ، كذلك أكد أحد أعضاء مجلس شورى عام الجماعة (هو أعلى سلطة رقابية في الجماعة) أنه في حوار مع المستشار الخضيري بخصوص دعوات التظاهر في يوم 25 من يناير وموقف الإخوان منها قال له: “أن هذه الدعوات مجهولة ولا ندري من ورائها بالضبط ولا ما هي المطالب المحددة منها، وكذلك ما التصور لتبعات هذه المطالبات”.

ثانياً: سيادة طابع استكشاف الممكن للجماعة واستكشاف طبيعة السقف السياسي الذي يمكن أن يتعامل به النظام خاصة بعد ما حدث في تونس، فربما يكون الغضب والضغط الأمني شديداً، وقد تتحمل الجماعة أكبر كلفة قمعية بسبب انتشارها وعدد أعضائها ووضوح الكثير من رموزها وقيادتها وهياكلها أمام الجهات الأمنية.

ويمكن تلمس هذه الروح الاستكشافية المضافة للحذر بدءا من 19 يناير، فقد أصدرت الجماعة بيانا بعنوان “10 مطالب لتجنب الثورة الشعبية” ، وبرغم ما يوحي به العنوان أن الجماعة ربما تحرص على تجنب الثورة، فقد جمع البيان بين الإيحاء بالرغبة في الإصلاح تجنبا لثورة شعبية وأن الثورة قد تحدث بالفعل لكنها لن تكون من صنع الإخوان، ولن يتمكن الإخوان من الوقوف أمامها، لكنها حرصت أيضا على حشد المطالب السياسية التي سمتها مطالب “الحد الأدنى” مثل حل مجلس الشعب وإجراء تعديلات دستورية على المواد 5 و76 و77 و179، وإعادة النظر في فوائض الصناديق الخاصة ومخصصات الوزراء، ووقف ضخ الغاز لإسرائيل، وإعادة النظر في تخصيص الأراضي لبعض رجال الأعمال، وإعادة النظر في السياسة الخارجية خاصة المواقف تجاه فلسطين، والإفراج الفوري عن المعتقلين السياسيين، والاستجابة للمطالب الفئوية، وحرية تكوين الأحزاب، ومحاكمة المفسدين، وإلغاء تدخل الجهات الأمنية في شئون المجتمع المدني وفي المدارس والجامعات والنقابات والأوقاف والجمعيات الأهلية والمنظمات الحقوقية، وحرصت الجماعة على تبيان أن الشعب قد يلجأ للثورة لكن البيان يؤكد أنها لن تكون من صنع الإخوان، لكن الجماعة لن تستطيع الوقوف أمامها، بمعنى أن الجماعة تريد إحداث تغييرات سياسية جوهرية في النظام فيما يتعلق بالحريات والانتخابات البرلمانية والرئاسية والفساد والسياسات الخارجية، لكنها لا تدعو في نفس الوقت ولا تقود حالة ثورية، كما أنها لا يمكنها الوقوف أمام الشعب تجاه مطالب الحد الأدنى.

سادت هذه الحالة الاستكشافية -دون تحديد موقف محدد لما ستفعله الجماعة- لما هو ممكن وللسقف السياسي المناسب حتى يوم 26 يناير، ومرت بعدة مراحل،

أولاً: قرار داخلي لأعضاء التنظيم بعدم مشاركة الجماعة في هذه الدعوات المجهولة.

ثانياً: يوم 22 يناير قررت الجماعة ترك الحرية لأعضائها للمشاركة.

ثالثاً: مشاركة رموز من الجماعة خاصة المشاركين في الجمعية الوطنية للتغيير في الاحتجاج أمام دار القضاء العالي.

كشفت حالة استكشاف الوضع السياسي عن أمرين:

الأمر الأول: هو التأكد من وضوح قوة التهديدات الأمنية بشكل غير مسبوق، والتي لم تصل فقط لمكتب الإرشاد ولكنها وصلت لجميع مسئولي الإخوان بالمحافظات يوم 22 يناير من قبل جهاز أمن الدولة في كل محافظة، وحمّلوا مسئولي الإخوان في مختلف المحافظات رسالتين: رسالة تخويف وتهديد أن الجماعة ستتعرض لضربة أمنية غير مسبوقة في حال المشاركة في هذه الاحتجاجات، ورسالة ترغيب أن النظام راغب في إحداث كل الإصلاحات المطلوبة وسيسمح للإخوان بالمشاركة السياسية. وأصدرت الجماعة بيانا في 23 يناير ترفض فيه هذه التهديدات وتصفها بأنها “رد فعل متعجل يخلو من الحكمة والكياسة”.الإخوان المسلمون وثورة يناير ـ الجزء الأول قراءة في تحولات الدور من الصدارة إلى المجهول الإخوان

الأمر الثاني: هو قوة التجاوب الشعبي مع التظاهرات يوم 25 يناير، وأيضاً قوة التجاوب التلقائي من أعضاء الجماعة خاصة من الشباب، كما أكد ذلك الكثير من القيادات الطلابية للجماعة في محافظات مختلفة أنه “من اللحظة الأولى كان التفاعل كبيرا من غالب شباب الجماعة، في أغلب المحافظات، مع دعوات التظاهر في 25 يناير قبل أن يحدد الإخوان موقفهم الرسمي” ، وبتعبير قيادي طلابي آخر “يوم 25 يناير كان كل واحد منا يتصرف بطبيعته دون الحاجة للرجوع للقيادات والمسئولين” ، كان الهم الشاغل لكثير من شباب الإخوان التفاعل الإيجابي مع الدعوات وانتظار ماذا يمكن أن تسفر عنه هذه التحركات، وبحسب قيادي طلابي آخر “كنتُ مشاركا مع المجموعات التي تستعد لتجهيزات تظاهرات 25 يناير، وكنت أقول لنفسي كنا دائما نهتم أن ندعو الناس للإيجابية، والآن جاء وقتها”.

وسط ذلك من الطبيعي أن يحدث تعارض بين الحذر الفطري من أي عواقب أمنية غير مسبوقة على تنظيم الإخوان، وبين تصاعد التجاوب الشعبي، لتنهي الجماعة هذا التعارض باتخاذها قرارا شجاعا بالانحياز والتجاوب مع دعوات استمرار التظاهر الشعبي رغم كل الضغوط الأمنية -والتي بدأ النظام في تنفيذها بالفعل يوم 27 يناير بإصدار أمر بالقبض على 34 قيادياً من مختلف المحافظات بينهم أعضاء من مكتب الإرشاد كنوع من تأكيد التهديدات الأمنية -، لكن الجماعة حسمت أمرها ولم يثن ذلك جماعة الإخوان عن الاستمرار في المشاركة بقوة، وتضاعفت قوة الاحتجاجات في 28 يناير فيما عرف بجمعة الغضب وأكدت الجماعة في بيان لها يوم 29 يناير الاستمرار في التظاهر وأن ما حدث هو “ثورة سلمية وطنية تلقائية ترفض الظلم وتطالب بالإصلاح الشامل”، وأكدت مطالبتها بـ “إلغاء الطوارئ فورا وحل مجلسي الشعب والشورى والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين والإعلان عن تشكيل حكومة وطنية انتقالية من غير الحزب الوطني تتولى إجراء انتخابات نزيهة ونقل السلطة بشكل سلمي وتشكيل لجنة وطنية للتحقيق وتقصي الحقائق في وقائع العنف والقتل غير المبرر ضد المتظاهرين”.

لكن لماذا ظلت الجماعة تتسم بالحذر الفطري حتى اقتراب أجواء الانفجار الشعبي – رغم أنها أكبر تنظيم اجتماعي وسياسي منظم في مصر وكانت بالفعل تحمل مطالب إصلاح جوهرية للنظام السياسي لسنوات طويلة-؟

في محاولة تفسير هذا الحذر الفطري، وإبقاء حاسة الاستكشاف حتى تاريخ 26 يناير لتحديد الموقف بوضوح من المشاركة بقوة في دعوات التظاهر المطالبة بإسقاط النظام، فإن الأمر يرجع إلى تشابك عدة عوامل:

غياب العقلية السياسية الاستشرافية والاستراتيجية داخل الجماعة، لذا يظل الأصل تجاه المواقف المفاجئة هو استمرار الحذر والاستكشاف لأقصى وقت ممكن حتى ظهور المزيد من الإشارات والعلامات التي يمكنها المساعدة في بلورة تقدير الجماعة للموقف وتحديد سقف مطالبها السياسية وأسلوب حركتها.

فالجماعة لم تسع لحدوث انفجار شعبي مطالب بتغيير النظام بهذا الشكل، ولم يكن لديها تقديرات سياسية تتعلق باحتمالية الانفجار الشعبي أو حدوث اضطرابات تتعلق بمنظومة الحكم، ولم يكن هناك تقدير لدى قيادات الجماعة بإمكانية حدوث تغيير أو ثورة في مصر حتى بعد ما حدث في تونس، كما صرح بذلك نائب المرشد العام لجماعة الإخوان لقيادات طلابية من الجماعة في محافظة القاهرة عندما سَئل -قبل يوم واحد من تظاهرات 25 يناير- عن إمكانية حدوث تغيير أو ثورة فكان تعليقه: “ما فيش ثورة ولا حاجة ما تقلقوش” ، وفي حوار لعضو آخر من أعضاء مكتب الإرشاد مع قيادات طلابية أخرى سألوه عن الموقف من المشاركة في تظاهرات 25 يناير لأنها بحسب وصفهم تمثل حالة مختلفة، فكانت إجابته: “إنه ليس من المتوقع أن يكون هناك شيء مختلف” ، ويعضد ذلك ما ذكره قيادي آخر بالجماعة وعضو بمكتب الإرشاد لمجموعة من القيادات الشابة بالجماعة في محافظة المنصورة قبل عدة أيام من 25 يناير عندما سألوه “هل ما حدث في تونس هو نموذج مقبول أم مرفوض من قبل الجماعة؟” فكانت إجابته: “مقبول لكن لسه بدري، تقديرنا ربما يكون ممكنا بعد أربع سنوات”، لم يكن هناك بحسب هذا الوصف تقدير لإمكانية حدوث تغيير أو ثورة بمصر برغم ما حدث في تونس وبرغم تراكم الاحتجاجات الشعبية في مصر، لكن حتى فكرة التقدير بعد 4 سنوات لم تكن واضحة بهذا الشكل لدى قيادات أخرى فقد راجع الباحث 3 من أعضاء مجلس شورى عام الجماعة (منهم قياديان كان كل واحد منهما مسئولا عن الإخوان في إحدى المحافظات عام 2011 ) وأكدوا أنه لم يكن هناك تصور واضح أو تقدير متوقع متفق عليه داخل الجماعة عن توقع إمكانية حدوث تغييرات كبيرة في فترة زمنية محددة، ولم تكن هناك تصورات لسعى الجماعة لذلك، وعلى كل حال فالجماعة لم تكن تضع الثورة والانفجار الشعبي لتغيير النظام هدفا تسعى لتحقيقه.

بالتأكيد هناك عوامل أخرى ومنها خبرات الجماعة في التعامل مع الضربات الأمنية والتي أكسبتها طابع الحذر والخوف من حدوث أي ضربة أمنية جديدة قد تحد من انتشارها وتأثيرها وتساهم في تغييب الكثير من قياداتها وكوادرها داخل السجون لفترات طويلة، فتمدد الجماعة وتضخمها وتشابك علاقات أفرادها بالداخل والخارج ساعد على اعتماد أجواء الحذر قبل تعريض هذه العلاقات لأي اضطراب أو خلل، ويضاف عامل آخر لا يقل أهمية عما سبق وهو سيادة تصور داخلي لدى قيادات الإخوان والقيادات الوسيطة والأدبيات والرسائل الإخوانية المتداولة أن الجماعة لا تسعى إلى التغيير بالثورة وإنما تريد الإصلاح ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، وسادت فكرة التغيير المجتمعي الذي سيحدث تلقائيا وزاد الاستشهاد بما قاله حسن البنا في إحدى رسائله “وأما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دامت علي هذا المنوال ولم يفكر أولو الأمر في إصلاح عاجل وعلاج سريع لهذا المشاكل، فسيؤدي ذلك حتما إلي ثورة ليست من عمل الإخوان المسلمين ولا من دعوتهم، ولكن من ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال، وإهمال مرافق الإصلاح” وهو ما كان حاضرا بشكل دائم في عقول قيادات الإخوان ومكتب الإرشاد حتى أنهم اقتبسوها في البيان الصادر يوم 19 يناير “10 مطالب لتجنب الثورة الشعبية” قائلين: “إذا استمر الحال على ما هو عليه فلا يستبعد حدوث ثورة شعبية، ولكن كما قال الإمام البنا: “ليست من صنعنا”، ولكن لا نستطيع أن نمنعها”.

(2) الهدوء التنظيمي الداخلي:الإخوان المسلمون وثورة يناير ـ الجزء الأول قراءة في تحولات الدور من الصدارة إلى المجهول الإخوان

وهي السمة الثانية التي تميزت بها الجماعة، جاءت أجواء يناير 2011 وسط حالة تماسك قوية بين أعضاء التنظيم وقيادته، إضافة إلى انسيابية في العلاقات الداخلية بين القيادات التي تحدد القرارات والتوجهات العليا للجماعة وبين حركة القيادات الوسيطة وباقي الأعضاء في مختلف مسارات ولجان الجماعة في مختلف المحافظات، وهو ما يمكن أن نطلق عليه “الهدوء التنظيمي”، حيث تسير أعمال التنظيم وإجراءاته بطريقة انسيابية معتادة بلا صراعات داخلية يمكنها أن تخلق شكلا من أشكال الصراع أو الضغط في مستويات مختلفة من القيادات العليا والوسطى وعموم الأعضاء منذ أزمة حزب الوسط عام 1996 (حيث سعى بعض أعضاء الجماعة ورموزها مع آخرين من خارج الجماعة للعمل من أجل تأسيس حزب سياسي تحت اسم حزب الوسط بعد رفض قيادات الجماعة لذلك وعدم الوصول لأي اتفاق بينهم).

قبل يناير 2011 لم يمر التنظيم بأزمات داخلية كبرى باستثناء حالة واحدة تعلقت بتقديم الدكتور إبراهيم الزعفراني عضو مجلس شورى عام الجماعة في يناير 2010 طعناً على انتخابات المرشد العام للجماعة خلفا لمحمد مهدي عاكف -الذي رفض التمديد له في منصبه وأصر على إجراء انتخابات واختيار مرشد جديد وما ترتب على ذلك من أثار تعلقت بإجراء انتخابات مجلس شورى عام جديد للجماعة-، لكن هذا الاعتراض والطعن ظل حالة محدودة لم يترتب عليه أي ارتدادات أو خلافات أو صراعات داخل الجماعة.

هذا الهدوء التنظيمي ساعد الإخوان على عدم وجود ضغوط داخلية على القيادة لاتخاذ مواقف محددة، كما ساعد ذلك الإخوان على عدم اتخاذ أي موقف سياسي دون وجود تخوفات داخلية تذكر، فتم الانتقال السلس التدريجي -خلال فترة قصيرة جدا- من عدم الرغبة في المشاركة في دعوات التظاهر في 25 يناير بسبب أنها صادرة من دعوات مجهولة، ثم مشاركة رموز من الجماعة في احتجاجات بالمشاركة مع الجبهة الوطنية للتغيير، ثم إعطاء الحرية لأي فرد بالمشاركة، ثم القرار بالمشاركة بكل قوة التنظيم في دعم الاحتجاجات، بل حتى عندما حدث نقاش كبير وصخب داخل اجتماع شورى عام الجماعة في 10 فبراير عن فكرة قبول الجماعة الجلوس مع اللواء عمر سليمان مدير المخابرات لم يصاحبها سجال أو نقاشات موسعة أو حالة ممانعة للقرار الرسمي للجماعة.

في تفسير حالة الهدوء التنظيمي وغياب أي حراك أو حالة تدافع تنظيمي على القرارات السياسية، يرجع الأمر إلى عدة عوامل:

أولاً: عدم اجتماع مجلس شورى عام الجماعة منذ عام 1995:

حين بدأ نظام مبارك يوجه ضرباته الأمنية بشكل أكثر قوة، وبدأت المحاكمات العسكرية والملاحقات والضغط المتزايد على الإخوان، لتحجيم دورهم ونشاطهم وانتشارهم في المجتمع، حتى عندما أجريت انتخابات مجلس شورى عام الجماعة في يناير2010والتي قدم الدكتور إبراهيم الزعفراني طعناً عليها وعلى انتخابات المرشد العام- تمت بالتمرير دون عقد اجتماع لهذا المجلس خشية الضربات الأمنية التي يمكن أن تتعرض لها الجماعة، وبالتالي لم تتطور أي آلية تتعلق بنقاش مكتب الإرشاد وتقييم أدائه وسط أجواء الضغوط الأمنية.

ثانياً: طول مدة الجمود السياسي في عهد مبارك:

بحسب وصف نائب مسئول قسم الطلاب بجماعة الإخوان المسلمين: “أن الجماعة منذ عام 1995 قد دخلت في حالة من التجمد القسري (الجبس على حد وصفه) بسبب الضغوط والضربات الأمنية الشديدة التي فرضها نظام مبارك، وأن قسم الطلاب قد أعد دراسة قدمها لمكتب الإرشاد بعد خلع مبارك مباشرة تتحدث عما أصاب الجماعة من تجميد منذ عام 1997 وحتى عام 2011 في القطاع الشبابي خصوصا والجماعة عموما، وأن القطاع الشبابي لم يجد فرصته في العطاء وحمل عبء العمل والمسئولية كما كان الحال قبل عام 1997”.

لقد اعتاد التنظيم على الاستمرار وسط حالة الجمود السياسي، وسادت معادلة داخلية غير معلنة تتعلق بصعوبة الوضع السياسي والأمني والمخاطر التي تتعرض لها الجماعة باستمرار، وبذلك تنشغل القيادات العليا -وهم أعضاء مكتب الإرشاد والمرشد العام للجماعة- بما يتعلق بالتوجهات العليا والمواقف السياسية، وينشغل باقي أعضاء الجماعة وكوادرها الوسيطة ولجانها المركزية بالخطط التشغيلية التنفيذية المتعلقة بالعمل الدعوي أو المتعلقة بتكوين أفراد الجماعة وتثقيفهم أو المتعلقة بمتطلبات التنفيذ التشغيلي لأي فاعليات مرتبطة بالعمل العام، فلو كانت هناك تظاهرات أو احتجاجات أو تفاعل مع الانتخابات، كانت القيادات الوسيطة مشغولة بتحريك الصف الإخواني في الإجراءات التنفيذية ومتطلبات التنفيذ من حشد وتعبئة وربما دعوة الآخرين للمشاركة إلخ.

ثالثاً: الانشغال والانهماك الإجرائي التشغيلي عن التوجهات العليا للجماعة:

حيث ينشغل التنظيم بشدة في أعماله المتعلقة بالانتشار والدعوة وجذب أفراد جدد للتنظيم أو الأعمال المتعلقة بتكوين أعضائه داخليا وترقيتهم داخل الهيكل الهرمي التنظيمي، أو الأعمال التي تتعلق بالعمل العام مثل المشاركة في الانتخابات البرلمانية أو الاحتجاجات السياسية المتعلقة بالشأن المصري أو المتعلقة بشئون خارجية مثل المرتبطة بقضية فلسطين، ويضع مكتب الإرشاد أو لجانه المختصة مستهدفات تشغيلية عالية، وغالبا ما كانت تضفي هذه الخطط تعقيدات إدارية كبيرة وضغوطا إجرائية كبيرة لتحقيق المستهدفات المطلوبة (رغم جمود الحالة السياسية والعمل العام وقلة مساحات الحركة) والتي غالبا ما كانت النتائج أقل من المستهدفات المطلوبة في الخطط المعتمدة من مكتب الإرشاد، لذا تلهث قيادات الجماعة الوسيطة ولجانها ومسارتها وأعضائها وراء تلك التعقيدات الإدارية محاولة تحقيق حالة رضا بالسعي للاقتراب من تحقيق المستهدفات المطلوبة في الخطط التشغيلية التنفيذية، تاركين الاهتمام بالتوجهات العليا للقيادة، وبحسب تقييم الدكتور عصام العريان في عام 2009 فإن “التعقيد الإداري الحالي الذي نوّع اللجان بكثرة وأثقل الأفراد بلقاءات إدارية على مستويات عديدة، واستهلك أفضل الطاقات الإخوانية في أعمال مكتبية وورقية وألزم الأفراد بخطط تفصيلية قد لا تناسب كل البيئات والمواقع وخنق المواهب بقيود الاستئذان أو التكليفات”.

هذا الاعتياد التشغيلي أبقى الجسم التنظيمي في حالة انهماك وانشغال مستمر في فاعليات الاحتجاج والتظاهرات خاصة بعد اتخاذ الإخوان قرار المشاركة بكل قوة التنظيم وبكافة لجانه وكوادره، مما جعل السلوك التنظيمي الطبيعي يتعلق بالانهماك التشغيلي المتعلق بالدعوة للتظاهرات أو التعبئة والحشد أو كثير من الأعمال واللجان المتعلقة بدعم وإنجاح التظاهرات ومتطلباتها اللوجستية، حتى أنه في أول اجتماع لمجلس شورى عام الجماعة منذ عام 1995 كان في 10 فبراير 2011 – لمناقشة تطور الأحداث ومناقشة قرار مكتب الإرشاد بعدم التقدم والترشح للرئاسة ومحاولة بحث التوجهات القادمة للجماعة- قد أثير في هذا الاجتماع موقف بارز لم يكن مدرجا في جدول الأعمال وطرحه بقوة وغضب وصخب الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح -وقد كان عضوا بمجلس شورى عام الجماعة في هذا التوقيت- عن طبيعة بعض الحوارات التي تمت مع اللواء عمر سليمان مدير المخابرات العامة ولم يطلع أعضاء مجلس الشورى عليها، وكان في حالة غضب وحدة تجاه المرشد العام -ربما بأسلوب لم يعتده عموم الإخوان في الحديث مع المرشد العام للجماعة من قبل-، وهو ما أدى بعد صمت وطلب السكوت عدة مرات أن يؤكد المرشد أن هناك مقابلات تمت بالفعل ولكن لم يتم الاتفاق فيها على أي شيء، وخرج الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح غاضبا من هذا الاجتماع، ولم يكن الكثير من أعضاء مجلس الشورى العام مهتمين بتفاصيل النقاشات داخل الاجتماع بأكثر من اهتمامهم بالروح العامة للحالة الشعبية والحماسة والعاطفة للحظة التاريخية ثم بالجوانب التشغيلية التنفيذية الإجرائية، وقد أشار ثلاثة أعضاء من مجلس الشورى العام للجماعة (منهم اثنان من مسئولي المحافظات) أنهم كانوا في غاية الانهماك والانشغال المتعلق إما بالحشد أو حماية الميادين والتظاهرات في هذه الوقت، وحين سئلوا عن موقفهم في هذا الوقت من موقف الدكتور أبو الفتوح وما أثاره في الاجتماع، فقد أكدوا أنهم لم يكترثوا بهذه الواقعة في هذا التوقيت، بل ولم يعقب أحد طالبا الاستيضاح أو النقاش التفصيلي، وأكدوا استغرابهم من أسلوب الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح وحديثه بهذه الطريقة، وأنهم لم يشعروا أنهم معنيون بالتفاصيل وكانوا منشغلين بحركة الميادين، أما ما يتعلق بمثل هذه الأمور فالقيادات العليا في مكتب الإرشاد والمرشد العام بالتأكيد يبحثون مثل هذه الأمور ويقررون ما فيه الصالح العام، وتم استكمال أجندة اللقاء بشكل عادي.

الخلاصة:

إن الجماعة كان لديها “حذر فطري” نتيجة لخبراتها المتراكمة في التعامل الأمني والسياسي، هذا الحذر الفطري له ملامح يمكن تلمسها في صعوبة التعاطي مع الدعوات المجهولة، وفي السعي لأقصى وقت ممكن لاستكشاف السقف السياسي قبل الإقدام على أي خطوات كبرى.

لقد تجلى الحذر الفطري للجماعة في انتقال خياراتها وقرارتها تدريجيا من الرفض الداخلي للتعاطي مع دعوات التظاهر في 25 يناير، ثم السماح لبعض رموزها بالمشاركة مع الجمعية الوطنية للتغيير في الاحتجاج أمام دار القضاء العالي، ثم إعطاء الحرية لأعضائها بالمشاركة في أي فاعليات احتجاجية في هذا اليوم، وبلغ الحذر ذروته مساء يوم 25 يناير حيث تصاعدت التهديدات الأمنية القمعية وفي نفس الوقت زاد التجاوب الشعبي الكبير مع التظاهرات الاحتجاجية ودعوات إسقاط النظام، وباتت الجماعة في حاجة إلى ترجيح واضح: هل ستختار الخشية من السقف الأمني والتهديدات الواضحة، أم ستستجيب وتتفاعل بقوة مع الحالة الاحتجاجية وتقبل المخاطر المحتملة، وانتهى الأمر بحسم الجماعة لقرار مشاركتها للاحتجاجات المتصاعدة ضد النظام منذ يوم 26 يناير بكل قوة التنظيم وتشكيلاته ولجانه وكوادره، ودعّم هذا التوجه قوة الاحتجاجات في جمعة الغضب يوم 28 يناير وانهيار المؤسسة الأمنية، ووصفت الجماعة في بيانها يوم 29 يناير ما حدث أنه ثورة شعبية سلمية.

كما أن دعوات التظاهر في 25 يناير 2011 جاءت وسط أجواء داخلية إخوانية هادئة، وانسيابية في العلاقة بين القيادات العليا والوسيطة والأعضاء، وكانت درجة الثقة في شخوص القيادات العليا وقرارتهم كبيرة جدا، وكان هناك اتفاق ضمني أن المرشد العام وأعضاء مكتب الإرشاد مسئولون عن القرارات العليا والتوجهات السياسية للجماعة دون الحاجة للرقابة أو النقاش العام لتقييم الأداء والتوجهات بسبب الأوضاع الأمنية.

نهاية المبحث الأول من الجزء الأول.. غداً تتمة الجزء الأول من الدراسة

* نقلاً عن موقع المعهد المصري للدراسات

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

الاشتراك في التنبيهات
اشترك في التنبيهات ليصلك كل جديد و متميز من موقع الثورة اليوم