أقلام الثورة قبل 4 أسابيعلا توجد تعليقات
"الإخوان المسلمون" و"ثورة يناير" ـ الجزء الثاني (1-2)
"الإخوان المسلمون" و"ثورة يناير" ـ الجزء الثاني (1-2)
الكاتب: ياسر فتحي

الإخوان المسلمون” و”ثورة يناير”.. تابع:

وفق ما سبق كان الانقلاب العسكري مفاجئا للتفكير الرسمي للجماعة، وتميزت النظرة للمؤسسة العسكرية بعد أحداث 3-7 في البيانات الرسمية للجماعة بـ:

أولاً: بالسكوت وعدم التعرض للجيش والتركيز فقط على الانقلاب العسكري والانقلابيين، حتى السابع من يوليو، وغالبا كان تركيز الجماعة في هذا الوقت على الرد على الأحداث والانتهاكات والإجراءات القمعية الأولى فقط، وبيان السابع من يوليو هو أول بيان مطول يتحدث دون ضغط الأحداث القمعية اليومية.

ثانياً: المبالغة في إبداء الثقة في الجيش والمبالغة في مدحه واستخدام بعض المصلحات في التعبير عن المؤسسة العسكرية مثل (بطل – يحمينا – يفتدينا – يحبنا ونحبه).

– “إننا نثق تمام الثقة في أن جيشنا العظيم الذي يفتدينا ونفتديه ويحبنا ونحبه لا يمكن أن يكون قد أسهم في هذه المؤامرة، وإنما من حاكها ونفذها هم مجموعة من قادة المجلس العسكري.. فجيشنا يؤمن بما جاء في المادة (194) من الدستور بأن القوات المسلحة ملك للشعب.. ومعنى هذا أن الجيش والشعب جسد واحد”.

– “تعيش مصر كابوساً خطيراً يهدد أمنها القومي بحرب أهلية أو إحداث وقيعة بين الشعب وجيشه البطل الذي يحبه ويدعمه ويفتديه، أو إحداث انشقاق داخل الجيش نفسه، نتيجة لعودة مجموعة من قادة الجيش إلى الانغماس في السياسة والرغبة في السيطرة على الحكم”.

– “إن جيشنا البطل الذي يحمينا ويحمي الوطن مكانته كبيرة في قلوبنا ولن تتغير مشاعرنا نحوه على الإطلاق، فهو منا ونحن منه، إنهم إخوتنا وأبناؤنا، وإذا سعى أحد بالنميمة للإيقاع بيننا فلا تصدقوه“.

– “الشعب مُصر على استعادة ثورته وسيادته وشرعيته وتحقيق نصر عزيز يقوم به الشعب بنفسه، وهو يثق في أن الجيش لا يمكن أن يوافق على الانقلاب واغتصاب السلطة“.

ثالثاً: التأكيد أن الجيش لا يقبل الانقلاب ولن يقبله، ولن يوجه سلاحه للشعب أبدا:

– “إن الجيش المصري لن ينقسم ولن يوجه سلاحه ضد شعبه ولن يكون جيشا حزبيا ولا طائفيا، ومهما سعى لذلك الانقلابيون المفسدون”.

رابعاً: أن الانقلاب يهدد الجيش بالانقسام:

– “الأصل أن الجيش ملك للشعب كله، وهذا الانقلاب جعله ملكا لفريق دون فريق ووضعه في مواجهة الفريق الآخر (الأكبر) واعتباره فريقا معاديا، وهذا من شأنه أن يقسم الشعب، بل يهدد بانقسام الجيش نفسه، وهذا ما يهدد الأمن القومي”.

خامساً: السكوت عن الإشارة للجيش سلبا أو إيجابا بعد بيان الرابع والعشرين من يوليو (بيان طلب التفويض)، لكن الجماعة لم تتحول لانتقاد الجيش أو لوم المؤسسة رغم ذلك.

ظلت تقديرات الجماعة في حالة تخبط حتى بعد فض اعتصام رابعة العدوية، ففي السادس عشر من أغسطس أصدرت الجماعة؛ “بيان من جماعة الإخوان المسلمين حول جنون الانقلابيين وتجردهم من الأخلاق والإنسانية”، وصفت الجماعة ما حدث بالمجزرة وأنه أسوأ كارثة، لكنها فسّرت ذلك أنه علامة على قوتهم وضعف الانقلاب “وأنه يدل على أن الانقلابيين فقدوا صوابهم وأن الانقلاب قد انكسر وألا سبيل أمامهم إلا الاعتراف بذلك”.

غير أن الواقع أثبت خطأ هذه التقديرات وفرضت السلطة الجديدة واقعها بقوة القمع والدم والانتهاكات والاعتقالات، ولم يكن هناك تصحيح من داخل المؤسسة العسكرية لينحاز لإرادة هذه الجماهير وشرعية الرئيس المنتخب محمد مرسي، ولم يكن هناك تصور ممكن لتحويل الحشود الاحتجاجية بشكل تلقائي إلى تغيير سياسي في المشهد واستعادة الرئيس المدني المنتخب أو المسار الديمقراطي.

ثانياً: الوقوع تحت سطوة القمع والانهماك في أثره وتفاصيله:"الإخوان المسلمون" و"ثورة يناير" ـ الجزء الثاني (1-2) الإخوان

في المبحث الثاني ذكرنا أن سمة الانهماك التشغيلي كانت ملازمة للجماعة حتى مع مستوياتها القيادية الوسطى والعليا، والآن مع التهاب الوضع الميداني وقوة القمع فقد أصبحت الجماعة منهمكة بالكامل في سطوة وقوة الواقع القمعي وعاجزة عن الخروج عن سطوته للتفكير بشكل سياسي واستراتيجي.

وبدا انعكاس ذلك على خطابات وبيانات الجماعة التي كان غالبها في إطار السرد ووصف الوحشية والبشاعة في غالب البيانات، أو في إطار تحميل المسئولية لقائد الانقلاب أو وزارة الداخلية أو وزير الداخلية في 7 بيانات فقط، مع التأكيد المستمر أن كل ذلك لن يؤثر على مواقف الجماعة وأهدافها.

في هذا السياق كانت البيانات الرسمية لجماعة الإخوان حتى فض اعتصام رابعة العدوية ترتكز على التعليق والرد على انتهاكات وتعديات الواقع الجديد -باستثناء أربعة بيانات- مع استمرار مواقف الرفض أو التنديد أو وصف بشاعة الانتهاكات أو التمسك بالشرعية وأنها الحل والمخرج الوحيد من الأزمة، من هذه البيانات:

– بيان الثاني من يوليو حذرت فيه الجماعة من مخططات محتملة ضد المتظاهرين ثم إلصاقها بالجماعة والحرص على التبرؤ منها.

– بيانان في الرابع من يوليو أكد الأول الرفض القاطع للانقلاب العسكري، وأكد الثاني رفض الممارسات البوليسية القمعية من قتل واعتقالات وتقييد حرية الإعلام وإغلاق القنوات.

– بيان السادس من يوليو حول انتهاكات الانقلابيين، يذكر التعدي على المتظاهرين بالعريش وهم سجود، وسقوط قتلى وجرحى، وكذلك إطلاق النار على المتظاهرين أمام دار الحرس الجمهوري، واستمرار الحملات الأمنية والاعتقالات.

– بيان الثامن من يوليو حول المجزرة التي قام بها الجيش والشرطة أمام “الحرس الجمهوري، يصف بشاعة التعدي بالرصاص الحي على المتظاهرين أمام الحرس الجمهوري أثناء صلاة الفجر، وحصار مسجد المصطفى واعتقال كل من يخرج منه.

– بيان التاسع من يوليو يعلق على الإعلان الدستوري الذي أصدره المستشار عدلي منصور بصفته الرئيس المؤقت، وقد أسمته الجماعة إعلانا مزعوما، صدر عن غير ذي صفة، وأنه واجهة لمجموعة الضباط الانقلابيين، وهو باطل وكل ما يترتب عليه باطل.

– بيان السادس عشر من يوليو مجزرة جديدة ترتكبها الشرطة، يبين الاعتداء العنيف على المتظاهرين المؤيدين لشرعية الرئيس مرسي بمسجد الفتح برمسيس من قبل الداخلية والبلطجية، ومقتل عشرة أفراد على الأقل وإصابة المئات واعتقال 500.

– بيان العشرين من يوليو بخصوص مجزرة النساء في المنصورة (مجزرة العار) يعيد التذكير بمقتل أكثر من 100 أمام دار الحرس الجمهوري، وإصابة أكثر من ألف، ومقتل 18 في الاسكندرية وإصابة المئات، ومقتل 7 شهداء ومئات الجرحى في رمسيس والجيزة وحصار مسجد الفتح، وموت العشرات أمام المقرات العامة والحزبية، ويذكر الحدث الأخير الذي أسمته الجماعة مجزرة العار في المنصورة بمقتل ثلاث سيدات وفتاة في عمر السابع عشر بالأسلحة البيضاء والرصاص الحي من قبل بلطجية في حماية الشرطة، والذين سبق أن قتلوا ثلاثة من المصلين في مسجد الجمعية الشرعية، وهي جرائم وصفتها الجماعة أن إسرائيل لا تجرؤ على ارتكابها في فلسطين المحتلة، وحمّلت الجماعة المسئولية لقادة الانقلاب ووزارة الداخلية ووزير الداخلية.

– بيان الثالث والعشرين من يوليو “مذبحة جديدة عند الفجر” أكد على استمرار الانقلابيين في نفس النهج الدموي -بحسب وصف الجماعة- وانطلاق جحافل البلطجية برعاية وزارة الداخلية للتعدي على متظاهرين من أطراف اعتصام ميدان النهضة، وقتل ثلاثة، إضافة إلى موت اثنين من داخل الاعتصام بالقنص.

– بيان الرابع والعشرين من يوليو تعليقا على ما جاء في خطاب الفريق السيسي، كان بيانا مطولا للتعليق على ما جاء في خطاب السيسي، حيث ذكرته الجماعة بالاسم لأول مرة ولسبع مرات في نفس البيان، واعتبرته خطابا خطيرا، وتأكيدا أنه الحاكم الفعلي للبلاد، وأنه يدعي ادعاءات كاذبة على الرئيس مرسي المختطف، وأنه مصر على خيانة القسم والانقلاب على الشرعية واحتقار الديمقراطية وخيانة الرئيس، وأنه يريد إعادة البلاد لنقطة الصفر، وأن هذا الانقسام يهدد بانقسام الجيش نفسه، وأن أخطر ما جاء في الخطاب أنه يدعو إلى تفويض لمواجهة الإرهاب المحتمل وهو ما يبدو أنه دعوة لحرب أهلية، كما أنه نفذ نفس الخارطة التي رفضتها الأحزاب العلمانية والليبرالية واليسارية -بحسب وصف الجماعة- التي أعلنها الرئيس مرسي غير أنه قام بعزله وتعطيل الدستور.

– بيانان في السادس عشر من أغسطس بخصوص مخططات التخريب التي يدبرها الانقلابيون (يوم الجمعة بعد فض اعتصام رابعة العدوية) تحدث الجماعة في الأول عن المخططات التخريبية التي يدبرها الانقلابيون ويمهدون لها في الإعلام وينسبونها للمتظاهرين السلميين، والثاني حول جنون الانقلابيين وتجردهم من الأخلاق والإنسانية تحدث عن التعدي على المظاهرات الواسعة بالرصاص الحي على المظاهرات التي خرجت غاضبة من المجزرة الرهيبة -المقصود فض اعتصام رابعة العدوية في الرابع عشر من أغسطس- وقتل وحرق الآلاف، ووصفت كل ما حدث بأنه كارثة بكل المعايير الإنسانية والقانونية والدينية، ولم تشهدها مصر حتى من أعدى أعدائها.

ثالثاً: التحالفات السياسية غير كافية لمواجهة قوة الواقع الجديد ومراكز ثقله:

لقد شاركت الجماعة في تأسيس “التحالف الوطني لدعم الشرعية” في 27 يوليو 2013 والذي غلب عليه المكون الإسلامي، وبغض النظر عن التفاصيل فالنتيجة أن هذا التحالف لم يكن قادرا على تحقيق هدفه بحماية شرعية الرئيس المنتخب أو تحريره بعد أن تم إخفاؤه أو استعادة المسار الديمقراطي، وظل الاستسلام لتقديم مضامين إعلامية وخطابات وشعارات حماسية هو السائد باستمرار دون القدرة على إحداث تغيير سياسي، وهو ما أدى طوال الوقت إلى تراجع دوره، مما كان يتطلب مبكرا التفكير في مثل هذا التحالف وحاجته إلى التطوير بشكل مبكر، فقد تأسس هذا التحالف على أساس أنصار الرئيس الرافضين للانقلاب عليه، لكن هذا التحالف لم يكن له قدرات على اختراق سلطة الأجهزة القمعية وكبح جماح قمعها، كما لم يكن قادرا على إحداث اختراق إقليمي أو دولي باستثناء بعض العلاقات مع دولة قطر ودولة تركيا، والذي لم يكن كافيا لإيقاف الدعم الصامت او المعلن للنظام الجديد ليمضي النظام في القمع وفرض الأمر الواقع، وهو ما يحتاج إلى تفكير أوسع عن طبيعة التحالفات السياسية المرجوة، وهل يحتاج أنصار القضية -حتى لو كانوا أغلبية- إلى دائرة أوسع من التحالفات تقيهم شر الحصار السياسي وتسهيل استباحتهم وعزلهم والبطش بهم؟

رابعاً: طبيعة تكوين الجماعة وأفكارها غير مهيأة لهذا الصراع:

طبيعة تكوين وتثقيف الجماعة غير سياسي، حتى لو كانت الجماعة تمارس السياسة ولها أهداف سياسية كبرى وتتصدر قيادة البلاد في مرحلة الانتقال الديمقراطي، في دراسة سابقة للباحث وجد أن الكتب التي يتذكرها أغلب شباب الجماعة ودرسوها داخل نظام الأسر منحصرة في: كتب ذات طبيعة شرعية، أو حركية، أو شرعية بإسقاطات حركية، ومن أبرز هذه الكتب التي تم ذكرها فقه السنة لسيد سابق، وفقه السيرة للغزالي، ورياض الصالحين والأربعين النووية للإمام النووي، وفقه السيرة للبوطي، وجامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي، ومختصر منهاج القاصدين لابن قدامة، وكتاب الرسائل لحسن البنا، وفي ظلال القرآن لسيد قطب، وبين القيادة والجندية لمصطفى مشهور، وماذا يعني انتمائي للإسلام لفتحي يكن، وأصول الدعوة لعبد الكريم زيدان، والمنهج الحركي للسيرة النبوية لمنير الغضبان، كما أن القراءات الإضافية كانت في الغالب للشيخ محمد الغزالي أو يوسف القرضاوي أو محمد قطب أو محمد أحمد الراشد أو سعيد حوى إلخ.

وكانت المعاني والأهداف والقيم التي يتم التركيز عليها داخل الجماعة ويتذكرها شباب الجماعة بوضوح محصورة في: معان وأهداف تتعلق بفكرة شمولية الإسلام كفكرة مركزية للجماعة، أو معان وأهداف تتعلق بالجوانب التعبدية الإيمانية مثل: الإخلاص والربانية وأداء الفرائض والنوافل، أو معان وأهداف تتعلق بالجوانب السلوكية والأخلاقية مثل: حسن الخلق والأخوة الإسلامية وحرمة المال العام، ومعاني وأهداف تتعلق بالجوانب الحركية والتنظيمية مثل: وجوب العمل الجماعي وضوابطه والثقة في القيادة والطاعة والجندية والذاتية.

هذا الجانب التثقيفي الضعيف داخل الجماعة وغير المناسب لما تقوم به الجماعة من أدوار انتقده سابقا القيادي الدكتور عصام العريان في عام 2009 بحديثه عن الآثار الجانبية للحملات الأمنية على الجماعة ومن هذه الآثار “الالتزام بمناهج تثقيفية محددة رغبة في التسهيل على الأفراد فإذا بها تدفعهم إلى التبسيط والكسل المعرفي والقعود عن التحصيل وضعف الهمة في الدرس وذلك إنما هو ثمرة المناخ العام الذي أفسد الشباب وأفسد العمليات التعليمية والتربوية التثقيفية العامة وما أفراد الإخوان إلا نتاج المجتمع الحالي، فنادراً الآن أن تجد شاباً مثقفاً قارئاً ذا عقل متفتح وقدرة على التمييز بين الآراء”.

أضاف الباحث “حسام تمام” إشارة أخرى أن جماعة الإخوان المسلمين “تمارس فعلا سياسيا -ينتمي إلى لحظة الدولة الوطنية الحديثة التي نعيش في ظلها-، فيما ما زالت أطرها الفكرية والتربوية عاكفة على تداول أفكار ونظريات سياسية عتيقة تنتمي إلى ما قبل ظهور الدولة القومية”.

هذا التثقيف السياسي شبه الغائب يجعل الإخوان يجيدون الحديث في العموميات والكليات والقيم والأهداف، لكن تحدث المشاكل عندما يتم الاقتراب من البرامج والتصورات السياسية العملية، ومن الملفت أن هذا الأمر تم الالتفات له رسميا في الجماعة من خلال قسم التربية بالجماعة في وقت مبكر جدا عام ١٩٥٤، ففي رسالة من نظام الأسر بالجماعة بعنوان “نحو جيل مسلم” تذكر أن غالب ما ارتكز عليه الإخوان هو قضايا كلية عامة وليست برامج ومشاريع وتفاصيل محددة “ويمكن أيها الإخوة أن تستحضروا في أذهانكم ما تسمعونه في الاجتماعات والحفلات والكثير مما تقرؤون في الرسائل المختصرة التي بين أيديكم، فستجدونها جميعا قضايا كلية لا تتدخل في التفاصيل إلا بقدر محدود. والطابع الغالب على الفترة التي مضت من حياة الإخوان كان جمع الناس على هذه الكليات… وليس من المعقول أن تظل الجماعة حية في هذه الدائرة المحدودة… لذلك لابد من أن تتخذ كل الأسباب الممكنة حتى تخطو الجماعة هذه الخطوة، فتنتقل من الحديث عن الكليات والعموميات إلى الدخول في التفاصيل”، وبينت الرسالة أنه لا يوجد نموذج عملي معاصر للدولة الإسلامية المنشودة، وما دام هذا النموذج غائبا “فلا أقل من أن نقيم في عالم الفكر صور الإسلام الذي نريد، ونحاول أن نجمع الناس على تصور عقلي، ونقدم لهم كتابةً حلول مشكلاتهم… فإذا عجزنا عن إقامة هذه الصورة الفكرية، فنحن عن التطبيق أعجز، ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه”، وفي ختام هذه الرسالة وفي حالة أقرب لاستشراف المستقبل يحيطها بعض القلق عن مستقبل التكوين داخل الجماعة “وأحس إحساسا –يصل في نفسي إلى مرتبة اليقين- أن هذه الخطوة (يقصد الانتقال العملي لتطبيقات فكرة الإخوان من الكليات والعموميات إلى التفصيل) من أقسى الامتحانات التي تواجه الجماعة، وبها سيتقرر في وضوح ما إذا كنا نستطيع أن نحتفظ بشباب الإخوان للإسلام أم سيتسرب هذ الشباب كالماء من بين أصابع الجماعة”، لقد جاء هذا الامتحان القاسي على الجماعة ولم تكن مهيأة تكوينيا وثقافيا للتعامل مع الثورة وطبيعة المراحل الانتقالية وما تحتاجه العلاقات المدنية العسكرية، وكيف يمكن أن تحمي الجماهير المدنية نفسها وديمقراطيتها الوليدة من بطش القمع والفساد والاستبداد.

الخلاصة:

لم تتمكن الجماعة وحشودها وأنصارها وتحالفاتها -رغم حجم التضحيات الكبيرة التي قدمها أنصارها- من حماية شرعية الرئيس المنتخب واستعادة المسار الديمقراطي، وفقدت قدرتها على إحداث تغيير سياسي أو تقليل الخسائر والصدمات، وبدت الجماعة ضحية سلطة باطشة قمعية استبدادية وكذلك ضحية عوامل ضعف التسييس والعقلية السياسية بالجماعة، وغياب مراكز ولجان تفكير لها ثقل وعراقة في التحليل والتقدير السياسي خاصة فيما يتعلق بمرحلة الانتقال الديمقراطي أو الصراع مع أجهزة القمع والاستبداد.

ربما كانت الجماعة بحاجة إلى تعظيم القوة الشعبية الجماهيرية -بدل استنزافها بالتظاهرات المستمرة بلا جدوى-، وتعظيم الروح الثورية، وكانت بحاجة إلى عقول بارعة ومبادرات خلّاقة سياسية وإعلامية في مواجهة محاولات الانقلاب على مكتسبات الثورة والمسار الديمقراطي، وكانت بحاجة إلى تصور متين واستراتيجية ناجعة -غير ارتجالية أو اضطرارية- لإدارة الدولة في هذه المرحلة الانتقالية، وتصور لكيفية مواجهة المؤسسات التي تنتمي للنظام القديم -خاصة المؤسسات الأمنية والمؤسسة العسكرية-، وبحاجة لوجود تصور لكيفية تسلم مفاصل السلطة لدعم الديمقراطية والتغيير وحمايته قبل أن تتصدر المشهد السياسي وقيادة البلاد، وكذلك امتلاك تصور لتحسين معيشة الناس وسط هذه الصراعات والتخوفات.

ومع غياب أو ضبابية هذه العوامل والتصورات سقطت الجماعة في سلسلة من الاضطرارات المستمرة تحت ضغوط اللحظة، ثم انهمكت في آثار سطوة القمع والبطش والصدمات المتتالية، ولم يُمكّنها عقلها السياسي من تعديل وتطوير مواقفها السياسية وسط الأزمات، وفقدت القدرة على بناء تحالفات غير تقليدية تقيها شر الحصار والقمع والاستباحة والاستبعاد، لتبقي الجماعة سائرة نحو المجهول، رافضة محتجة لكنها غير قادرة على تحقيق مطالبها باستعادة الرئيس المنتخب أو المسار الديمقراطي.

وإلى هنا ينتهي الجزء الثاني والأخير من المبحث الثاني من الدراسة.

* نقلاً عن المعهد المصري للدراسات

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

الاشتراك في التنبيهات
اشترك في التنبيهات ليصلك كل جديد و متميز من موقع الثورة اليوم