أقلام الثورة 20/03/2017لا توجد تعليقات
الكاتب: يحيى حسين عبد الهادي

أخشى أن كلَ عملٍ سيظل أبترَ .. وكل جهدٍ سيظل منزوعَ البركة ..  ما لم تُطوَ صفحةُ الدماء .. الدماءُ لا تجف وإن تَوَّهَمَ القَتَلَةُ ذلك .. والجراح لا يُسَّكِنُ آلامَها إلا الإحساسُ  بالعدل ..

لا راحة لنا وبيننا مكلومون ملتاعون فقدوا أحبابهم وقرة أعينهم من الأبناء والآباء والأزواج .. اللهم لا تُذِق أيَّاً من قُرَّاء هذا المقال ولا كاتبه .. المختلفين والمتفقين  .. مَسَّاً من تلك اللوعة .. بيننا مكلومون ملتاعون .. يتألمون أَلَماً فوق الألم .. ففوق أَلَم فقد الأحبة، ألَمُ إهانة تضحياتهم والاستخفاف بدمائهم  ..

قبل ست سنواتٍ أُزهِقت أرواح ثمانمائة وخمسين مصرياً سلمياً .. خرجوا ينادون عنَّا ولنا .. بالعدل والنزاهة والكرامة وألا تُوَّرَثَ مصر لابن اللص وعصابته ..  وأًصيب فى هذه المجزرة التى امتدت باتساع الوطن ستة آلاف وخمسمائةٍ آخرون بعاهاتٍ تراوحت بين العمى والبتر والشلل الرباعى ..

وخلُصَ  تقرير لجنة تقصى الحقائق وقتها برئاسة المستشار عادل قورة، إلى أن القتل نفذته  عناصر من الشرطة، وأن أوامر القتل صدرت من جهاتٍ أعلى، حيث لا توجد جهاتٌ أعلى سوى رئيس الجمهورية ووزير داخليته …..

هذه الدماء الغالية ظلت تتعرض للاستخفاف والإهانة، بل والاتهام باللصوصية والمؤامرة والنكسجية والكُولَّجية .. إلى آخر تلك القائمة من  الوساخات التي ظلت تطفح من إعلام دولة مبارك التى بدأت فى التعافى شيئاً فشيئاً منذ سنواتٍ ثلاث .. إلى أن تماهت تماماً مع السلطة الحالية  بالشخوص بعد السياسات ..

ثلاث سنواتٍ من الرقص على أشلاء الضحايا إلى أن بلغ الاندماج  أوجه ليلة الحكم ببراءة كبيرهم الذى علمهم السحر فى قضية القتل الكرتونية ..  التى بدا وكأنها قد صُنِعت خصيصاً  ليحصل على براءةٍ تُغطى على إدانته فى قضية القصور الرئاسية ..

وهى قضية القرن الحقيقية التى أفلتت من أحضان أجهزته بفضل ضابط الرقابة المحترم معتصم فتحى الذى أَدَّى دوره بشجاعةٍ ودفع الثمن تهديداً ونقلاً تعسفياً وإساءةً لسمعته من محامى الجواسيس.

ليس هنا مجال الخوض فيما أسماه سليمان الحكيم (مبارك يحاكم مبارك) .. لكن إذا كان المأثور القانوني يقول إن الحُكمَ عنوانُ الحقيقة، فإن العنوان الواضح لحكم البراءة هو أن القاتل لا يزال حُرَّاً طليقاً يُخرِجُ لمصر وللتاريخ لسانَه .. إذ لا يُعقل أن يكون الشهداء قد قتلوا أنفسهم ..

كما أننا لسنا من الممسوحة عقولهم لنردد ونُصَدق ما قاله محامى مبارك وإعلامه من أن الإخوان هم الذين قتلوا الثائرين فى ميادين التحرير .. للإخوان (كما الجميع) أخطاؤهم .. لكن من المؤكد أنه ليس من بينها قتل الثائرين ..

ليس فقط لأن ما قاله هذا المحامى لم يقم عليه دليل ولا يجوز أن يقوم دليلاً .. ولا لأن السلطة الحالية، وهى نفس سلطة يناير، لم تُحرك هذا الاتهام مطلقاً ضد جماعة الإخوان ولو ساورها شكٌ ما ترددت  كما فعلت فى اتهاماتٍ أخرى أقل شأناً .. ولكن لأن الإخوان بالفعل كانوا يتعرضون للقتل معنا فى ميادين التحرير.

نحن هنا  لا نتحدث عن صراعٍ سياسىٍ ولكن عن دماء لها حُرمةٌ وقدسية .. فليتعاطف من يشاء مع مبارك أو مع الثائرين على استبداده وفساده  .. وليقارنه بعضنا كسئٍ بأسوأ ..

ولكن الدماء شئٌ آخر يجب أن يعلو على اختلافات الآراء وصراعات السياسة .. أكثر من ثمانمائة روحٍ مصريةٍ أُزهِقت .. خاض فى شرفها وتراقص على دمائها إعلامُ مَنْ عادت دولتُهُم .. ودولة الظلم ساعة .. أفلت القتلةُ بعد أن سَتَّفوا أوراقهم ..

الأوراق قد تُجدى مع قاضى الأرض ولكن قاضى السماء لا يحكم بالأوراق .. ولا يخدعنكم أنكم لا تسمعون  صوت الضحايا  في إعلام الدولة الظالمة .. دماء الضحايا لها ألسنةٌ تستمطر اللعنات .. وربٌ يسمع ويستجيب.

فى نفس السياق وبنفس المعيار، اختلِف أو اتفق مع ما سُمِّى اعتصام رابعة .. ولكن الدماء شئٌ آخر .. إن هناك ما يربو على سبعمائةٍ روحٍ مصريةٍ  أُزهِقت وفقاً للبيان الرسمى  ..

سأُصّدِّق أن الشرطة ما كانت تقصد أن يسقط هذا العددُ من الضحايا فليس ذلك من مصلحتها (إعلامياً على الأقل) .. لكن هل يُعقلُ ألا يُحاسَبَ أحدٌ من قيادات الفض على أى شئٍ ..

حتى على الإهمال أو الفشل أو سوء التخطيط  الذى أفضى إلى هذه المجزرة؟ لم يُحاسَب أحدٌ حتى على القتل الخطأ .. فى الوقت الذى نتابع فيه أحداث محاكمةٍ أسماها الإعلام (فض رابعة) يُحاكَم فيها ضحايا الفض ومن بينهم محمد البلتاجى الذى لم يُحاكَم إلى الآن قاتلُ ابنته !!!…

للأسف أشعر أن لعنة هذه الدماء ستظل تطارد وطناً بأكمله .. مخطئه وبريئه .. من يأثمُ بالفعل ومن يأثم بالصمت .. ما لم تُنصَبُ راية عدلٍ حقيقية تُطببُ جراح كل المكلومين .. لا فريقاً دون فريق .. أتكلم عن عدلٍ لا عن صفقاتٍ ولا عن تصفية حسابات.

في نهاية الأربعينات أشرف وزير الداخلية العراقى نورى السعيد على قتل المتظاهرين المنادين بجلاء المحتل البريطاني فيما عُرِف بمعركة الجسر .. كان من بينهم جعفر شقيق شاعر العراق الراحل العظيم محمد مهدى الجواهرى .. فكتب الجواهرى رائعته (أخى جعفر) ومن أبياتها:

أَتَعلَـــــــــمُ أمْ أنتَ لا تعلَــــــمُ؟

بأنَّ جِــــــرَاحَ الضحايــــــا فمُ

فمٌ ليــــس كالمُدَّعِى قوْلَـــــةً

وليـــــس كـآخَرَ يستــــــــرحِمُ

أَتَعلَــــمُ أنَّ جِــــــراحَ الشهيدِ

تظلُّ عن الثـــــأرِ تستـــفهمُ

أتعلــــــَمُ أن جــــراحَ الشهيدِ

مِن الجوعِ تَهضِمُ ما تَلْهِمُ

تَمُصُ دماً ثم تبغى دمـــــاً

وتبـــقى تُلِّحُ وتستــــــــطعمُ

وقد طاردت لعنة الدم نورى السعيد بالفعل فقُتِل مسحولاً متنكراً فى زى امرأةٍ بعد ذلك بعشر سنوات  في ثورة عبد الكريم قاسم .. ثم استمر سلسال الدم  ولعنته فقُتِل عبد الكريم قاسم بعده بثلاث سنوات .. استر يا رب.

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير