أقلام الثورة قبل 5 شهورلا توجد تعليقات
"رمضان" بعد ليلة واحدة بالزنزانة: تجربة صعبة أشبه بـ "القبر"
الكاتب: سليم عزوز

جمهورية الخوف.. عندما نعرف السبب الحقيقي لعملية «قرصة أذن» الإعلامي المصري خيري رمضان، فسيكون هذا هو «المانشيت» بلغة أهل الصحافة!

جمهورية الخوف خوف

جمهورية الخوف

فدائما في عمليات تنكيل الأنظمة بالعاملين في بلاطها، يكون السبب المعلن، غير السبب الحقيقي، وعندما ألقت أجهزة الأمن القبض على الدكتور سعد الدين إبراهيم، في عهد مبارك، قال نقيب الصحفيين الراحل، «كامل زهيري»، إنه لابد وأن يكون قد «داس على سلك مكشوف». فلم يكن أحد يصدق أن السبب في ذلك يرجع إلى أنه يتلقى تمويلات من الخارج، أو أنه قام بالنصب على الاتحاد الأوربي، صحيح أن النظام يدخل في شد وجذب مع المؤسسات الغربية بخصوص تمويل منظمات المجتمع المدني، لكنه لا يرفض التمويل من حيث المبدأ، لأن هذا من شروط تلقيه مساعدات من هذه المؤسسات، لكنه يريد أن يتحكم في عملية التوزيع!

وقد قام نظام مبارك أيضاً بإلقاء القبض على «حافظ أبو سعدة» بتهمة تبديد مساعدات تلقتها المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، وصرف شيك من وراء ظهر مجلس أمناء المنظمة، قبل إخلاء سبيله بعد ضغوط دولية، ولم يكن مرده إلى خوف النظام على أموال الجهات المانحة، ولكن لأن المنظمة، أصدرت تقريراً عن أحداث الكشح الطائفية، أدانت فيه أجهزة الأمن، وقبل أن تدخل المنظمة في «بيت الطاعة» الأمني، بواسطة «حافظ أبو سعده» أيضا!

المذكور لم يكن عندما وقعت الواقعة، قريباً من أهل الحكم، على العكس من سعد الدين إبراهيم، القريب من نظام مبارك، إلى درجة أنه كان يعهد إليه بكتابة افتتاحيات الصحف القومية الثلاث، باعتباره أفضل من يعبر عن السلطة الحاكمة، وإلى درجة أن مبارك لم يخذله أو يسلمه عندما ذهبت إليه الشاعرة سعاد الصباح شاكية من قيامه بالاستيلاء على أموال مؤسسة حملت اسمها، وبدأت بالعمل في مصر بعد غزو الكويت، فلم يشأ مبارك أن يحقق في الموضوع، وإنما قال لها أمامك القضاء، والرسالة التي وصلتها هي تجاوزي الأمر، فالقضاء «حباله طويلة»، وقد لا تملك الأدلة القانونية لإثبات الاتهام!

والحال كذلك، فعندما علمنا بخبر القبض على المذكور، لم نصدق الاتهام المعلن، وانشغلنا بالبحث عن السبب الحقيقي، واحتجنا لفترة طويلة قبل أن نتوصل إليه، فالأمر يرجع إلى نزاع جرى بينه وبين سوزان مبارك على «سبوبة» خاصة بقضايا المرأة، وكان هو قد أنشأ مركز «دعم الناخبات» قبل ذلك، فلما علمت المذكورة بحجم التمويل فتح شهيتها على الاستيلاء عليه كاملاً، ويبدو أنها كانت تملك نفس شهيته المفتوحة للمال، وأمامه يفقد أي مقاومة، واللافت أن مبدأ القسمة لم يكن مطروحاً على جدول أعمال أي منهما، فقد تشاجرا في الخارج كما لو كانا في منافسة لشراء ناقة من سوق الجِمال بإمبابة.

وعادا من هناك ليتم القبض على سعد الدين إبراهيم وتقوم سوزان مبارك بإنشاء المجلس القومي للمرأة، واستعانت بعدد ممن كان يستعين بهم «إبراهيم» في مركزه الذي توقف نشاطه بطبيعة الحال، مثل الصحفية اليسارية أمينة شفيق!

وكما كان المعلن في أزمة سعد الدين إبراهيم ليس ما ذكرته جهات التحقيق، أو حتى ما قاله هو بعد ذلك بأنه بسبب كتابته مقالاً ضد التوريث، فإنه لا يمكن لنا نقر بأن القبض على «خيري رمضان» إنما يعود إلى إهانته لوزارة الداخلية، فقد اجتهد فأخطأ، وليس من يريد الخير فأخطأه كمن كان يريد الإساءة مع سبق الإصرار والترصد!

لقد أراد «خيري» أن يؤكد للرأي العام في مصر أن الشرطة تعاني كما يعاني عموم المصريين، فزوجة ضابط برتبة عقيد أخبرته أنهم لا يأكلون اللحوم، وأنها تتمنى أن تعمل خادمة في البيوت، لتوفر لأبنائها معيشة كريمة، وهو ما كان دافعًا معلنًا لتقدم وزارة الداخلية ضده بلاغا للنائب العام تتهمه بإهانة الشرطة، ورغم ما نشر من أن النيابة قامت فقط بتوجيه طلب استدعاء له، فإن جهة التنفيذ تعاملت على أنه قرار ضبط وإحضار، وقامت بإلقاء القبض عليه من منزله، بطريقة نسب إليه وصفها بأنها مهينة!

وكان واضحاً أنه يتم تعمد التنكيل به، عندما تحفظت عليه النيابة لمدة (24 ساعة) إلى حين ورود تحريات الأمن الوطني حول الواقعة، قبل أن تقرر حسبه أربعة أيام على ذمة التحقيق، بتهمة بث أخبار كاذبة، ولعل حملة الشماتة التي انطلقت كان لها أبلغ الأثر في الإفراج عنه في اليوم التالي بقرار من «غرفة المشورة» مع إلزامه بدفع كفالة قدرها عشرة آلاف جنيه، بما يؤكد أن هناك قضية سينظرها القضاء عندما تحيلها النيابة إليه!

من الناحية القانونية، فإن طلب الاستدعاء للنيابة كان لابد أن تخطر به نقابة الصحفيين، حيث إن المتهم عضو فيها، وقانون النقابة ينص على ذلك، بدلاً من أن تتحول وزارة الداخلية إلى خصم وحكم، فهى التي تقدمت بالبلاغ، وهي التي تنفذ قرار النيابة بالاستدعاء، ولا يجوز هنا القول بأن القرار كان بالضبط والإحضار، لأنه لا ضبط ولا إحضار في جرائم النشر والعلانية!

ومن الناحية القانونية أيضاً، لا يجوز للنيابة أن تتحفظ عليه ولو لدقيقة، أو تحبسه احتياطيًا، لأن الدستور الذي وضعه الانقلاب العسكري ينص على عدم جواز الحبس في قضايا النشر، كما أن التعديل الذي أدخله الرئيس محمد مرسي على قانون الصحافة ألغى الحبس الاحتياطي تماماً في هذا النوع من القضايا، وبالتالي فلا معنى للإفراج عنه بكفالة، لأن الكفالة تكون في الجرائم الذي ينص القانون على الحبس الاحتياطي فيها!

ومن الناحية السياسية، فقد كان المطلوب من وزارة الداخلية ومن جهات التحقيق، أن تعلن الحقيقة، ليتأكد الرأي العام من أن «خيري رمضان» قد نشر أخباراً كاذبة، وذلك بالإفصاح عن رواتب ضباط الشرطة، لاسيما من هم في رتبة العقيد، الذي نقل «خيري رمضان» شكوى من قال إنها زوجته، فهل يجرؤون على إعلان الرواتب، ولو من باب رد الاعتبار في مواجهة ما قالت وزارة الداخلية إنه إهانة لجهاز الشرطة؟!

المؤكد أنه لا يمكن إعلان الحقيقة وهي تكفي للرد، لأن هذا من شأنه أن يثير الفئات المطحونة في المجتمع وما أكثرها، وهي وإن كانت تدرك أن مثلث الحكم: القضاء وضباط الشرطة والجيش يتقاضون أعلى الرواتب في مصر، فإنهم لا يعرفون القيمة الحقيقية، فضلاً عن أن الإعلان سيولد الأحقاد الداخلية بين عناصر هذا المثلث، فالقضاة هم الأعلى، حتى من الجيش، وتأتي الشرطة في المرتبة الثالثة، مع أنها تعمل في نفس الظروف، بعد أن غادر الجيش ثكناته لمساعدة الشرطة في مواجهة الإرهاب، والتصدي للمظاهرات!

بل سيكتشف الجميع أن التمييز قائم بين الفئة الواحدة، فالضابط الذي يعمل في الأمن الوطني، مرتبه أعلى من زميله من نفس الرتبة لمن يعمل في الأمن المركزي، ومن يعمل في قطاع السياحة أو المواصلات، هو الأوفر حظاً ممن يعملون في الأمن العام!

ويبدو الاتهام بإهانة الشرطة، هو المبرر القانوني المعلن للتنكيل بخيري رمضان، ولو بمجرد «جرجرته» للنيابة وهو من أهل البيت ومن العاملين في البلاط، فلا يجوز أن يعامل كما لو كان معارضاً، لكن الحقيقة غير هذا!

ليس هناك عزيز على الحكم العسكري، وقد كان «إحسان عبد القدوس» هو الأب الروحي لجمال عبد الناصر، وحملته على الأسلحة الفاسدة استخدمت للقيام بانقلاب الجيش في سنة 1952، وقد كان ينادي عبد الناصر باسم الدلال «جيمي» ومع ذلك سجنه، وعندما خرج من السجن خاطبه بسيادة الرئيس، فشعر ناصر بالشموخ وهو يقول له: «دا السجن غيرك يا إحسان»، وقد كان يخاطبه من قبل بـ «الأستاذ»، فأصبح «إحسان»! فهل صحيح أنه تم التسجيل لخيري رمضان في جلسة خاصة ضيقة بالحكم، تماماً كما نقل أحمد موسى في جلسة خاصة قوله إنه لو خاض الانتخابات ضد السيسي فسوف يكتسحه؟ لكن موسى يوجد جهاز أمني يحميه بينما خيري رمضان ظهره للترعة؟!

إنها جمهورية الخوف!

* نقلاً عن جريدة الراية القطرية

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

شاهد ايضا
عمر الحداد يكتب: الالتزام.. ومذبحة رابعة
الالتزام.. ومذبحة رابعة
مع الذكرى الخامسة لمذبحة رابعة ... يزداد لدينا كثيراً هذا السؤال.. كيف رضي كثيرون بذبح الناس هكذا؟ كي نستطيع الإجابة على هذا السؤال, يجب أن
الاشتراك في التنبيهات
اشترك في التنبيهات ليصلك كل جديد و متميز من موقع الثورة اليوم