أقلام الثورة قبل 3 شهورلا توجد تعليقات
إيران السنية" الحياة الدينية في إيران قبل الصفويين"
إيران السنية" الحياة الدينية في إيران قبل الصفويين"
الكاتب: الشيخ عصام تليمه

لإيران تاريخ – في الماضي والحاضر – يفرض نفسه، سواء على الباحثيين الدينيين، أو السياسيين، فتاريخها حضارة وسياسة غني بالمعلومات، وفيه كثير من الغموض، والمساحات المجهولة التي تحتاج لاكتشاف، بحكم أن العالم العربي منذ القدم له احتكاك كبير بإيران، ما حدا بمؤرخ كالدكتور أحمد شلبي إلى عدِّ إيران مركز الفتن عبر التاريخ الطويل، وأن فكرة الشعوبية، والتشيع، والثورات التي حدثت في عهد العباسيين، ثم الرواندية، والباطنية، والقرامطة، وحركات الزندقة، والخرمية، وبعدهم البابية والبهائية التي لا تزال موجودة إلى الآن تؤكد هذا القول.إيران السنية" الحياة الدينية في إيران قبل الصفويين" إيران

وللأسف نجد في عالمنا السني قصورا في الاطلاع الكامل على المذهب الشيعي، وعلى تاريخه، وتاريخ إيران بوجه عام وتفصيلي، بينما نجد علماء الشيعة وسياسييهم مطلعين على مصادر وأصول المذهب السني، وتاريخه، وكثير من تفاصيله، ويعد كتاب: (إيران السنية: الحياة الدينية في إيران قبل الصفويين) للدكتور ممدوح رمضان أحمد، وهي أطروحته للدكتوراه من كلية دار العلوم بالقاهرة، من مصادر تصحيح النظر لتاريخ إيران الديني والمذهبي، فالشائع العام أنها دولة شيعية، وهذا واقع، لكن سبقه تاريخ آخر مهم، أن إيران كانت دولة سنية حاكما وشعبا وثقافة ومذهبا، حتى تأسست الدولة الصفوية.

ظلت إيران بعد الفتح الإسلامي دولة سنية، تعتنق المذهب السني بشكل رسمي، حتى قيام الدولة الصفوية سنة 906هـ، وتحويل الناس قسرا إلى المذهب الشيعي الإثني عشري، فقد تعاقبت الأسر الحاكمة على إيران ومعظمها أسر سنية، حتى تيمورلنك الذي أشيع عنه أنه كان شيعيا، فلا يثبت ذلك تاريخيا، إلى أسر أخرى سنية حكمت إيران ما قبل الحكم الصفوي لها.

وإشاعة هذه الروح من التسامح المذهبي بين السنة والشيعة، لعله يفسر وجود مرجع مهم في الفقه الشيعي، وهو كتاب: (كتاب الخلاف) لإمام الطائفة الشيعية الطوسي وهو من علماء القرن الخامس الهجري، وهو مرجع فقهي معتمد لدى الشيعة، ولكن كتابه (الخلاف) كان نموذجا مهما في التسامح الفقهي من حيث العرض والتناول، فهو يعرض المسائل الفقهية، ويذكر معظم الآراء السنية في المسألة، ثم يذكر رأي المذهب الشيعي ودليله، وينتصر له بلا شك بحكم انتمائه المذهبي، لكنه أمين جدا في العرض، ومنصف كذلك، وهو نموذج قليل الوجود في التراث الفقهي وبخاصة الشيعي، وجدير بالدراسة في أطروحة مستقلة، وكذلك كتاب: (منتهى المطلب في تحقيق المذهب) للعلامة الحلي أحد أئمة الشيعة في القرن السابع الهجري، وهو يعرض المسألة الفقهية، ويعرض رأي الفقه السني ويركز على المذهب الحنفي أكثر من أي مذهب آخر، ثم يعرض بالتفصيل المسألة في الفقه الشيعي بأدلتها وتفاصيلها، وتركيز هذين العالمين الشيعيين على المذهب الشافعي والحنفي، لأنهما المذهبان الغالبان على أهل إيران في هذه الفترة قبل الحكم الصفوي لإيران.

لقد حاولت الدراسات الإيرانية الحديثة البرهنة على أن عقائد أهل السنة كانت تتحول تدريجيا لتتلاقى مع عقائد الشيعة في إيران، وذلك بما سمي (التسنن الإمامي الإثني عشري)، وبذلك تظهر الدولة الصفوية بعد ذلك ويبدو فرضها للمذهب الشيعي على أهل السنة أمرا حتميا دعت إليه الطبيعة المذهبية في ذلك الوقت، وليس إجبارا من الدولة الصفوية للإيرانيين على ترك المذهب السني واعتناق المذهب الشيعي الإثنى عشري، وهو ما نفاه الباحث في كتابه بشكل علمي تاريخي ومذهبي واضح، مثبتا أن التحول المذهبي كان بإجبار الدولة الصفوية للمسلمين السنة على ذلك.

مقارنا ذلك بكمية التسامح المذهبي الذي كان في إيـران وقت حكم السنة لها، وكيف تركت المذاهب الفقهية والعقدية في تسامح فقهي كبير، بل بلغ التنوع كذلك في مدارس التصوف فلم يتم اعتماد طريقة معينة، وتبنيها من قبل الدولة، بل ترك الناس لاختيارهم.

ومن الظواهر المهمة في هذه الفترة التاريخية: ظهور فرق صوفية شيعية، وهي ظاهرة جديدة على الحياة الدينية في إيـران حيث ظهر فرق صوفية يعتنق مؤسسوها المذهب الشيعي الإثنى عشري، وحققت انتشارا في إيـران، وكان بعض شيوخها يحتلون مكانة كبيرة لدى الحكام في ذلك الوقت؛ وذلك لامتلاكهم قدرا ملحوظا من التسامح الذهبي، فلم يتوقفوا أمام الخلافات العقائدية المعروفة في ذلك الوقت، وكان الصبغة الصوفية وحدها هي ما تميز هذه الفرق.

ولعل هذا الملمح ما يفسر وجود دراسات تبحث عن العلاقة بين الصوفية والتشيع، وهل للصوفية دور في نشر التشيع؟ وهل يستغل الشيعة التصوف كمدخل لنشر مذهبهم؟ وقد عمل على هذا المحور كتاب عرب وغربيون.

لقد كان في عهد الحكم السني لإيـران تنوع سياسي، وفقهي وعقدي وروحي، وهذا التسامح ساعد وساهم في نشر المذهب الشيعي ونموه فقهيا وفكريا، فقد ظل للشيعة وجود ملحوظ في عدد من أقاليم إيأران ومدنها، ولم يؤثر هذا الوجود على التركيبة المذهبية للبلاد حيث ظل المذهب السني المذهب الغالب على كثير من أقاليم إيـران حتى قيام الدولة الصفوية.

الكتاب يغطي مساحة زمنية من تاريخ إيـران السنية مهم جدا وهي الفترة قبل الحكم الصفوي لإيـران مباشرة، والكتاب جال وصال في مصادر ومراجع متعددة تشهد بأصالة البحث، وعمق تناوله، فمن مصادر ومراجع عربية، إلى مصادر ومراجع فارسية كثيرة، وكذلك انجليزية، تدل على سعة اطلاع الدكتور ممدوح رمضان أحمد على موضوعه: (إيأران السنية.. الحياة الدينية في إيـران قبل الصفويين).

* نقلاً عن موقع الجزيرة مباشر

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

شاهد ايضا
تابوت الإسكندرية... من أين طفحت المجاري؟
تابوت الإسكندرية… من أين طفحت المجاري؟
توثقت العلاقة بعد مناقشة حامية حول الوهابية والتصوف، كنا ثلاثة: سلفي وصوفي وأنا، انتصر كل من الآخرين لمذهبه: فيما كنت أرى أن انتصار
الاشتراك في التنبيهات
اشترك في التنبيهات ليصلك كل جديد و متميز من موقع الثورة اليوم