أقلام الثورة قبل 5 شهورلا توجد تعليقات
لذة اشتهاء العنف (1- المترليوز)
لذة اشتهاء العنف (1- المترليوز)
الكاتب: جمال الجمل

لذة اشتهاء العنف.. هل تعرفون جوردون كريج.. إدوارد جوردون كريج؟.. الإجابة ليست مهمة؛ لأن كريج لم يكن يهتم بذلك، حتى إن برناردشو كتب عنه ذات مرة قائلا: “لقد جعل جوردون كريج نفسه أشهر مخرج مسرحي في أوروبا كلها، بأسلوب بسيط جدا، وهو أنه لم يُخرِج شيئا على المسرح أبدا!”..!

لا تصدقوا دعابات شو بحذافيرها؛ لأن كريج في رأيي قدم الكثير “للحياة خارج المسرح” في سنواته الأربع والتسعين، كما قدم الكثير للمسرح، ولكن بدون قائمة الإنجازات التي يحلو للفاشلين تصديرها للآخرين كحيلة لتغطية عجزهم وتجميل جهلهم بالحياة.لذة اشتهاء العنف (1- المترليوز) العنف

مقالي ليس عن كريج وليس عن المسرح، لكنه عن الحياة.. عن الفعل وعدم الفعل، فأنا لم ألتق كريج الذي مات في منتصف الستينات، لكن الحياة قدمت لي نسخة عربية منه..

إنه صديقي المخرج المسرحي ناصر كامل، وأعرف أنكم لا تعرفونه، لأنه لم يسع إلى ذلك، ربما لأنه يحمل نفس السمتين اللتين حرضتا كريج على عدم العمل، الأولى: الهوس بالكمال، والثانية فسرها كريج نفسه في رسالة إلى زوجته الراقصة الأسطورية إيزادورا دنكان، قال فيها: “ليس لدى آفة الطموح على الإطلاق، وأنا أعرف أن تطهري من هذه الخطيئة (السوقية) هو الذي يجعلني لا أفعل شيئا”.

صديقي الكامل مثقف رفيع المستوى، لكن ثقافته لا تلائم كل ما في المرحلة، وبرغم وداعته أحيانا ما يفكر في مواجهة القبح بالقوة، لأن الجمال لم يعد يكفي، وقد كان موقفه في منتصف ليلة 25 كانون الثاني/ يناير 2011 مفاجئا ومذهلا بالنسبة لي، فقد رفض مغادرة الاعتصام أمام مجمع التحرير مع قلة من المتظاهرين الذين صمموا على المبيت.

ويحكي الأصدقاء أن جسده تحول إلى مخزن لمئات الكرات الصغيرة من الرصاص المطاطي، قبل أن يتم اعتقاله في أحد معسكرات الأمن المركزي على طريق السويس، وهذا يعني أن ناصر تفوق على كريج بصفة ثالثة، وهي أنه برغم دماثته وسماحته ورغبته في عدم الفعل إذا كان مسايرا لشروط السوق وخاضعا لتعليمات السلطات القامعة، فإنه يتحول في لحظات المواجهة إلى “ثائر عنيف”، لكن نظرته للعنف لا تخلو من جماليات ترتقي على أساليب ذئاب القوة الغاشمة.

هذا الاستدراج الطويل الذي بدأ بالحديث عن كريج وكامل، مجرد تمهيد مسرحي لموضوع المقال، وهو كما فهمتم “قضية العنف”. وإذا لم تعترضنا أحداث عنيفة خلال الأسابيع المقبلة، فسوف أخصص عدة مقالات لمناقشة هذه القضية بالأسلوب الجمالي الذي لا يغضب الأخوين كاف (كريج/ كامل).

فقبل ثورة يناير كان صديقي ناصر يفاجئني بعد كل سلوك سخيف يراه في الشارع أو في المسرح أو في المقهى، ويحدثني عن أمنية قديمة يكررها بنفس العبارة والإيقاع: “تعرف أنا نِفْسى في إيه؟.. نِفسي في مترليوز”.

وطبعا، في أول الأمر لم أكن أعرف ما هو “المترليوز”، وكنت أعترض على طريقة وصفه بأنه مجرد سلاح كالمدفع الرشاش لديه قدرة على قتل أكبر عدد من الناس بأقل مجهود وأسرع وقت، حتى سهرنا ذات ليلة نكسر الملل بمشاهدة التلفزيون، فإذا بناصر يصرخ: أهوه.. هو دا المترليوز.

ورأيت آلة القتل المشتهاة في مشهد من فيلم “مدافع نافارون”، لكن لماذا ظل هذا المثقف الحالم يتمسك بأمنيته الغريبة أن يمتلك المترليوز؟

تلك هي القصة التي يصعب أن أحكيها لكم في مقال واحد، لأنها “قصة القتل” التي لا أعرف متى بدأت؟ ولا أعرف هل كان الحجر (أو عظمة الحمار) الذي قتل به قابيل شقيقه هابيل هو بداية “تاريخ القتل” أم موعد التنفيذ فقط، فيما بدأ القتل قبل ذلك، في روح، ثم عقل قابيل، قبل أن يصل الأمر ليديه، ولا أعرف حقا هل قُتل (بضم القاف) قابيل قبل أن يَقتل؟!..

لدى استنتاج خاص توصلت إليه بعد قراءتي دراسة تيودور نادلسون التي ترجمتها للعربية الدكتورة الرائعة فاطمة نصر، وهو أن الإنسان لا يستطيع أن يَقتل قبل أن يموت أو تموت داخله أشياء وأشياء، ومع الوقت تتحول هذه المساحات المقتولة بداخله إلى حقول سوداء تنبت فيها أزهار القتل، إذا استعرنا عنوان بودلير “أزهار الشر”.

أثناء انتخابات مجلس الشعب التي سبقت ثورة يناير، كنت أتبادل مع ناصر “لعبة القتل” في الركن نفسه من المقهى الهادئ الذي نجلس عليه منذ سنوات؛ نلعب الشطرنج بالساعات في صمت تام، إلا من ألفاظ “مات الحصان، ماتت الطابية، مات الملك”..

فجأة، دخل المكان شاب سكير وتصرف بجلافة انتهت بوصلة توبيخ من “المثقف الحالم بالمترليوز”، لكنه لم يشعر بالرضى وطوح الشيشة بيده بعيدا، وكاد أن يفتك بالولد لولا وقار الثقافة الذي حل سريعا، ليكتفي المخرج بخروج احتجاجي من ساحة المعركة دون أن يفعل “اللي في نفسه”.

في اليوم التالي، كنت أزور أخي وشاهدت ثلاثة شباب ينزلون من سيارتهم في غضب ويوجهون وصلة شتائم لسيدة أغلقت عليها زجاج سيارتها في هلع، اتجهت نحوهم وتحدثت بكلمات هادئة: “عيب، دا…”، لم يسمعني الشباب وواصلوا “التشويح” والصراخ.. كان مظهر العنف أعلى من كل عبارات الأخلاق والتعقل التي أتحدث بها، وسط هذه اللوثة، نزل شاب بدين بملامح أنثوية من سيارته، واتجه ناحيتي ثم دفعني بيده وهو يصرخ: ما تسيبهم يضربوها ولا يحرقوها.. عايزين نعدي..!

دفعة الشاب “الملظلظ” وكلماته الموجهة لي، كانت عنيفة ومشحونة بغيظ حقيقي، شعرت على إثرها بالإهانة وشعرت بالدم يغلي في نافوخي، وشعرت برغبة شديدة في رد فوري للإهانة، وآه لو كان معي المترليوز! لكنت فعلت ما فعله هيمير..

وفي المقال المقبل أحكي لكم عن هيمير.

* نقلاً عن موقع عربي 21

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

شاهد ايضا
"خاشقجي" إذ يرسم بدمه خريطة العالم
“خاشقجي” إذ يرسم بدمه خريطة العالم
"خاشقجي".. إذن، بان القتلة أكثر سفالةً من تصوراتنا عنهم، عذّبوه وقتلوه ونشروه، ثم لجأوا إلى أحط أنواع المحامين على وجه الأرض، ليخرجهم
الاشتراك في التنبيهات
اشترك في التنبيهات ليصلك كل جديد و متميز من موقع الثورة اليوم