أقلام الثورة قبل 3 شهورلا توجد تعليقات
بالأرقام.. التخبط يحكم المؤشرات الاقتصادية الرئيسية
بالأرقام.. التخبط يحكم المؤشرات الاقتصادية الرئيسية
الكاتب: عمر الحداد

كيف وصل الاقتصاد المصري لحالته المزرية الحالية؟ وهل هذا طبيعي في بلد كمصر؟ ، قام الاقتصاد المصري منذ عهد محمد علي أساساً على الزراعة، فبلد النيل لا بد أن تكون حضارتها وتطورها زراعيين بالأساس.

فمصر منذ العهد الفرعوني كانت أحد أهم الدول المنتجة للمحاصيل الزراعية، لاعتدال مناخها، وتوفر المياه فيها طوال العام، لهذا فقد ظلت مصدر الغذاء الأساسي للرومان، ثم المسلمين في الشام والجزيرة العربية.

وزادت قوة الاقتصاد المصري بشدة في ظل عهد الكشوف الجغرافية، فالبضائع الهندية التي كانت تصدر لأوروبا كانت تمر كلها عبر البحر الأحمر، وهو ما مثل مصدر ثراء كبير للدولة المملوكية، وجعل مصر حتى حين فقدت استقلالها وأصبحت مجرد ولاية عثمانية، إحدى أهم الولايات العثمانية من الناحية الاقتصادية، وكان هذا في الوقت الذي اتسمت فيه الإدارة العثمانية بالتخلف والجمود، ورغم هذا فلم تفقد مصر وزنها الاقتصادي.

مع وصول محمد علي للحكم، ثم استقلال مصر فعليا عن الدولة العثمانية، أصبحت الزراعة مصدر الدخل الأساسي في مصر، واعتمد محمد علي على محصول القطن طويل التيلة، الذي احتاج إلى تحويل الدورة الزراعية المصرية، مما أدى لتحول مصر إلى أساليب الري الحديثة التي نقلها محمد علي من فرنسا.

وكنتيجة لهذا، أصبحت مصر غنية اقتصادياً إلى حد كبير، مما دفع محمد علي للدخول في مغامرات عسكرية فاشلة، صحيح أنها أرهقت الاقتصاد المصري؛ لكنها لم تؤدي للقضاء عليه تماماً كما في وضعنا الحالي.

وفي عهد الخديوي إسماعيل دخلت مصر دوامة الديون الخارجية، ومع خضوع مصر اقتصادياً ثم عسكرياً لبريطانيا، أصرت الحكومة البريطانية على أن تظل مصر بلداً زراعياً بالأساس، وذلك بأن وضعت جمارك ضخمة على أي منتج صناعي مصري يصدر لانجلترا، وفق اتفاقية 1838.

مع الحربين العالميتين, وكساد عام 1929 العالميوالذي عرف بالكساد العالمي الكبير، ارتفعت أسعار كثير من المنتجات الزراعية بما فيها القطن، مما مكن مصر من تسديد كافة ديونها لانجلترا، بل وفرضت مصر على صانع القرار البريطاني أن يعدل اتفاقية 1838 ، وبدأت مصر الدخول إلى مجال التصنيع الكبير بغرض التصدير لأول مرة، وأصبح هناك لأول مرة رجال أعمال مصريون كبار يديرون الاقتصاد المصري ولهم سطوة اقتصادية عالمية.

ظل الاقتصاد المصري قويا جدا حتى حدثت -ثورة- “1952” وهنا تحول الاقتصاد المصري (الذي كان يديره في الأساس رجال أعمال وطنيون غرضهم الارتقاء بالاقتصاد القومي) إلى سلطة الدولة.

ولم يكن هذا أمراً سيئاً في حد ذاته، فالاقتصاد الصيني (ثاني أقوى اقتصاد في العالم الآن) يخضع عملياً لسلطة الدولة.

لكن المشكلة كانت في أن الاقتصاد أصبح يدار عن طريق القرارات الفوقية، فصدرت قرارات التأميم، وأصبحت الشركات والمصانع مملوكة للدولة، وهنا أصبح “تقفيل الدفاتر” وإظهار الشركة بمظهر الرابح هو الهدف الحقيقي لأغلب الشركات القومية، ولم يعد الإنتاج وتحقيق الربح والتصدير من مستهدفات الصناعة المصرية، وبالتالي بدأ الاقتصاد المصري في تحقيق خسائر، بعد أن كانت مصر مقرضة لانجلترا.

الأخطر من هذا، هو أن العسكر أغلقوا الاقتصاد المصري داخلياً، وفصلوه عن الاقتصاد العالمي، فلم تعد الصناعة المصرية على نفس الاتصال الذي كانت عليه بالصناعة العالمية، وهنا دخل الإنتاج المصري (زراعيا وصناعيا) مرحلة التجمد والخمول.

الأخطر من هذا هو أن المواطن المصري المتوسط ظل في حالة انفصال عن العالم، يشعر أن بلده تتطور كما تتطور البلاد الأوروبية أو حتى تلك المستقلة حديثاً، غير مدرك أن العالم يتقدم ومصر تتخلف ، علمياً واقتصادياً، مع شديد الأسف.

– ثورة 1952- مثلت عملياً انهياراً للاقتصاد المصري، وكان الحكام يدركون حقيقة الأمر، لهذا بدأت سياسات الدعم في الظهور.

كانت مصر قد ورثت ثروة كبيرة من الحكومات التي أدارت الدولة في ظل الاحتلال البريطاني، مما مكن الحكومة من توفير الدعم للناس في كثير من السلع التي يحتاجونها.

لاحظ فارقاً خطيراً هنا… وهو أن مصر التي كان شعبها يعيش في وضع جيد نسبياً في ظل إدارة “الملك الفاسد”، أصبح هذا الشعب نفسه يعتمد على الدولة للحصول على احتياجاته الأساسية التي لم تعد في متناول المواطن بدون دعم حكومي…

لم يكن المواطن يشعر بخطورة الأمر في البداية، لكن مع دخول عقدي الثمانينات والتسعينات، وبدء ظاهرة توجه المصريين للخليج.. (لاحظ أن مصر كانت دائما هي المنقذ الاقتصادي للحجاز ونجد لأكثر من ألف عام)، بدأ المواطن يرى الأمر بوضوح.

فالإنفاق الحكومي المصري كله لم يعد يوفر للمواطن حياة كريمة كالتي يعيشها المواطن الخليجي.

لاحظ أن مصادر الدخل المصري كانت تضعف تدريجياً، فالزراعة والصناعة ضعفاً جداً بسبب الإدارة الاقتصادية الفاشلة للحكم العسكري، وأصبح اقتصاد مصر ريعياً بالأساس، يعتمد على الأموال القادمة من قناة السويس، وتحويلات العاملين بالخارج، والسياحة، والأرز الآتي من الخليج، وكلها أمور لا تخضع لسيطرة الحكومة المصرية.

وهكذا.. أصبح الدعم (الذي كان في البداية فضلاً ومنة من الحكومة المصرية)، مسألة ثقيلة جداً على الاقتصاد المصري، فبدون اقتصاد إنتاجي حقيقي، تحتاج الدولة للمعونات والقروض فقط كي يظل المواطن المصري يعيش فوق خط الفقر… وظل الوضع هكذا لثلاثة عقود، بدون أي محاولة من الحكم العسكري المصري كي يتدخل لإصلاح الاقتصاد وإعادة تأسيسه على أساس سليم.

ظل الاقتصاد يدار هكذا في ظل حالة استقرار متوهم، حتى حدثت ثورة 25 يناير 2011، ومع الثورة بدأ أحد أهم مصادر دخل الحكومة المصرية (الأرز الخليجي) في النضوب.

وبعد انقلاب 3 يوليو 2013 تغير الوضع وبدأت الأموال تأتي من الخليج مرة أخرى، لكن هذه الفترة شهدت حالة من إساءة الإنفاق بصورة مأساوية، فالأموال القادمة من الخليج لم تستغل في مشاريع اقتصادية، بل أنفقت بالأساس لأهداف سياسية.

ومع توتر اقتصاد الخليج بسبب انخفاض أسعار البترول في خريف 2014، كما هو موضح بالرسم البياني رقم 1،  قلت بالضرورة مصادر الدخل الآتية إلى مصر.

الا

رسم بياني رقم 1 أسعار البترول الخام وانخفاضها الشديد في خريف 2014

وكنتيجة طبيعية لهذا، اضطرت حكومة الانقلاب العسكري للاستزادة من الاقتراض، وتقليل الإنفاق المحلي, فلم يعد هناك مصدر دخل خارجي يغطي تكلفة الإنفاق المحلي. وكنتيجة لهذا ازدادت الديون بصورة خطيرة كما هو موضح بالرسم البياني رقم 2.

الا

رسم بياني رقم 2 الارتفاع الكبير في ديون مصر منذ انقلاب 2013

وهكذا.. يتضح لك أخي القارئ، أن قرارات السيسي برفع الدعم كانت آتية لا محالة، فهي نتيجة طبيعية لسوء إدارة الاقتصاد لعقود منذ بدايات الحكم العسكري لمصر، سوء إدارة السيسي للاقتصاد سرع فقط هذه النهاية، لكنها كانت آتية لا ريب، فإساءة إدارة الاقتصاد هي وضع كارثي بكل المقاييس،  وليست عند العسكر حتى الآن أية خطة طويلة المدى للارتقاء بالاقتصاد, بل يدار دائما على طريقة اليوم بيومه. لهذا, فالوصول للوضع الحالي نتيجة طبيعية جدا.

وأخيراً،  هل يتحمل السيسي وحده مسؤولية الوضع الحالي؟ طبعا السيسي وحكومته وداعموه عليهم مسؤولية كبيرة وخطيرة في الأمر، وسيحاسبون عليها عاجلاً أم آجلاً، لكن إذا كنت أخي القارئ ممن شاركوا في -ثورة يونيو المجيدة-، أو وقعوا استمارة تمرد، أو نزلوا لتفويض السيسي، فكي تعرف المسؤول الحقيقي عن الوضع الاقتصادي الحالي … عليك فقط أن تنظر في المرآة …

* دكتور مهندس، متخصص في الهندسة الكيميائية ومعالجة المياه  عمر الحداد الا

للتواصل مع الكاتب على صفحته عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك من هنا

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

الاشتراك في التنبيهات
اشترك في التنبيهات ليصلك كل جديد و متميز من موقع الثورة اليوم