دوائر التأثير قبل أسبوعينلا توجد تعليقات
كيف أفلت "أبو صلاح" من حبل مشنقة السلطة للرياضة المصرية ؟
كيف أفلت "أبو صلاح" من حبل مشنقة السلطة للرياضة المصرية ؟
الكاتب: الثورة اليوم

حبل مشنقة طويلاً جداً، يبدو غليظاً ومحكماً لدرجة تمكنه من إعدام الرياضة المصرية كاملة، لفته السلطة حول أعناق اللاعبين والأندية والجماهير وكل عناصر لعبة كرة القدم، تمسك به الأجهزة الأمنية وتشنق به الجميع بلا تردد أو تفكير، على الرغم من الانسحاق الكامل لها من أبناء ذلك المجال.. لم يفلت منه سوى معشوق الجماهير “محمد صلاح“.

ففي الوقت الذي أنهت الدولة أساطير امتدت لسنوات وعقود لأندية ونجوم وتجمعات كروية وجماهيرية، بدا لاعب ليفربول الإنجليزي عصي على الكسر أمام الآلة القمعية الغشيمة.كيف أفلت "أبو صلاح" من حبل مشنقة السلطة للرياضة المصرية ؟ صلاح

محمد صلاح لاعب وفنان في الوقت نفسه، فلا توحي هيئته النحيلة بلياقة بدنية عالية، وبقدر ما توحي بتكوين فنى ظاهر، يبدو في طريقة إطلاق لحيته، وفي تسريحة شعره المهوشة، وفي ابتسامته الطفولية الطيبة، وكأنه خارج لتوه من مرسمه المنعزل، وربما كانت بساطته اللافتة، التي يبدو فيها كأي شاب مصري تصادفه في الشوارع وعلى النواصي، هي التي فتحت طريقه السريع الممهد إلى قلوب الناس، فلا عجرفة ولا تكبر، ولا زهو منتفخ الأوداج، بل موهبة فطرية تلقائية، قد يكون صقلها التدريب المتصل، وحافظت عليها الاستقامة الخلقية، لكن التدريب وحده، ومهما بلغت براعة أساليبه، لا يصنع لاعب كرة قدم بحجم محمد صلاح، واستقامة الأخلاق جمعته مع محمود الخطيب ومحمد أبو تريكة، وقد صنع الخطيب وأبو تريكة مجداً كروياً لا ينسى، لكن محمد صلاح جاء عنواناً لطفرة صاروخية، وارتقى قمماً لم يبلغها من قبله لاعب مصري، ولا لاعب آخر من أرجاء المعمورة العربية، بل صار منافسا على القمة الدولية، واختارته الفيفا واحداً من ثلاثة مرشحين فقط لجائزة أفضل لاعب في العالم.

يقول “عبدالحليم قنديل“، الكاتب السياسي الذي كان معارضا للمخلوع حسني مبارك ثم أصبح أحد داعمي قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي ، إن محمد صلاح، لا يملك سوى تعليمه المتوسط المتاح على علاته، وسوى تاريخ من مباريات «الكرة الشراب» في أزقة قريته المتواضعة، وهدته أقداره إلى فريق أنشأته شركة «المقاولون العرب»، ولم يكن فريق «المقاولون» من المنافسين في العادة على القمة الكروية المصرية، فهو ليس كالأهلي ولا الزمالك، اللذين يتشاركان أغلب جمهور الكرة المصرية تاريخياً، ولديهم فوائض شهرة ومال كافية لاجتذاب الموهوبين، ولم يدخل محمد صلاح باب الزمالك ولا باب الأهلي نادي القرن العشرين، الذي دخله الخطيب وأبو تريكة، لكنه دخل الباب الأوسع بامتياز، وقادته حظوظه السعيدة إلى الاحتراف الخارجي في أندية أوروبا، وصولا إلى التألق غير المسبوق في نادي «ليفربول» الإنجليزى، وحيث تحول إلى أسطورة، وإلى نجم لا يبارى على مستطيل الكرة الأخضر، كما في قلوب البريطانيين قبل المصريين والعرب، وتحولت «سجدته» الشهيرة عقب كل هدف يحرزه إلى «أيقونة»، وإلى مثال فريد نافذ إلى وجدان غير المسلمين في الدنيا كلها، وإلى علامة حضارية مسجلة باسمه، تفتح مغاليق العقول، وتبرز تفوق وعظمة وثراء إنسانية الإسلام المفترى عليه.كيف أفلت "أبو صلاح" من حبل مشنقة السلطة للرياضة المصرية ؟ صلاح

وأضاف: محمد صلاح تعرض لعناد بيروقراطي غشوم من اتحاد كرة القدم المصري التابع للسلطة، وبمجرد ظهوره في فيديو قصير لمدة دقيقتين، شرح فيه حقيقة مطالبه الاحترافية، وكونها لصالح كل لاعبي المنتخب المصري، من نوع توفير الحراسة ومنع التطفل وإهدار الوقت، ومنح اللاعبين فرصة التركيز في التدريب والاستعداد، وتلك أبسط مقتضيات وقواعد العمل، التى ماطل فيها، بل وسفهها بارونات اتحاد الكرة، وكان انحياز الناس لمحمد صلاح، وتصديقهم الجارف على كلامه، هو ما جعل اتحاد الكرة يزحف على بطنه، وينفذ كل مطالب «مو» صلاح، بل ويغالي في التنفيذ إلى ما لم يطلبه محمد صلاح أصلا، وكانت تلك المعركة التى حسم فيها الفوز لمحمد صلاح بالضربة القاضية، ما يؤكد قوة شعبية اللاعب النحيل القصير، المعجون بطيبة وفطرية وذكاء المصريين، الصادق في غير تقعر ولا التواء، المكتسح لفساد وعجز بيروقراطي، يقتل حيوية المصريين، وكأن صلاح بما فعل في نزاع خاطف، كان يبشر المصريين بإمكانية النصر، وتفكيك القيود التي تشل حركتهم، وتمنع انطلاق طاقاتهم الحبيسة، وهذه واحدة من روابط «العروة الوثقى» النفسية عند المصريين تجاه محمد صلاح، بعد أن تحول الأخير من لاعب إلى رمز كودي، وإلى قدوة تنير الطريق لشباب مصر الحقيقي الموهوب، وليس «شباب البلاستيك» المفروضين قسرا على الشاشات وفي المؤتمرات الرسمية.

 وتابع: محمد صلاح ليس سلطة ولا كرباجاً، ولا إنجازاً يملك أحد أن يدعيه لنفسه، بل صنع نفسه بنفسه، وبعبقريته الفطرية لا بالمصادفة، وببساطته الآخاذة لا بالاصطناع ولا بالتزويق، وبدأب الجهد والتعب لا بالمظهرية الكذابة، وبفنية وجمال وسلاسة لعبه الاحترافي، وبإيمانه الديني المصري البليغ، الخالي من كل صور التنطع والغلو، فهو مثال للمصري الحقيقي، حين تزيح عنه أكوام التراب وأدران اللحظة، وتجلو معدنه أصيلاً صافياً، وتصله بإيقاع عصره وضرورات العيش فيه، وقتها يصل إلى المكانة التي يستحقها تحت شمس الله، وتستحقها مصر لها المجد في العالمين، وهكذا فعل محمد صلاح، ونال في الغربة، ما يحلم به أقرانه من المصريين، الذين يعيشون الغربة وهم في ديارهم الأصلية، ويحجزهم عن بلوغ النجاح ألف قيد وقيد، وتدفن مواهبهم تحت ركام المظالم، ويكبت طموحهم، وتختنق أنفاسهم بتلوث السحب السوداء، ولا يكادون يرون لون السماء من فرط ثقل وظلمة «طائر الرخ».

وأردف قائلا: محمد صلاح قطعة من قلب مصر، والمصريون إذا أحبوا فلا راد لعواطفهم، ولا حدود للولع، فما بالك إذا أحبوا أنفسهم في شخص محمد صلاح هذه المرة، فهم يرون فيه حقيقة المصري حين يعاد اكتشافه، وتنزاح العوائق من طريقه، خصوصاً أن لعبة كرة القدم لها الشعبية الأولى عالمياً، وفي مصر أكثر، ربما لأنها مباراة تحكمها قواعد، والمشاهد له عين الرقيب الحسيب على كل ما يجري، وله فرصة تقييم اللاعبين والحكام ونجيل الملاعب، وبلا فروق تكاد تذكر في الحقوق بين المتعلم ونصف المتعلم وحتى الجاهل، ونصف محنة مصر الحالية، في غياب القواعد وتواري الشفافية وقهر العدالة وانعدام تكافؤ الفرص، وهو ما لا يتوافر نقيضه بمصر سوى في ملاعب الكرة، وفي صراع الأقدام بعد حصار الأقلام، مما يجعل محمد صلاح، بحكم المهنة، عنواناً مفضلاً لمحبة سواد المصريين، وملكاً متوجاً على عرش القلوب، وبشغف الانعتاق من ضيق الحال إلى سعة الحلم، فالمصريون يحلمون بالعدالة والحرية والكرامة والعلم والتصنيع، ووصل ما انقطع مع سيرة النهوض الذي كان.

محمد صلاح بأصوله الريفية، وبتواضعه الجم وتفوقه الباهر، يقدم دليلا حيا للمصريين على إمكانية بلوغ الأحلام، وصناعة نهوض جديد يحتاج إلى معجزة خلق.

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

شاهد ايضا
"التكنولوجيا" تستهدف أكل عيشك.. تعرف
“التكنولوجيا” تستهدف أكل عيشك.. تعرف
على المخاطر كشف تقرير حديث أن القوى العاملة العالمية غير قادرة على مواكبة معدل التغيير الحالى الذى تجلبه التكنولوجيات الناشئة إلى مكان
الاشتراك في التنبيهات
اشترك في التنبيهات ليصلك كل جديد و متميز من موقع الثورة اليوم