أقلام الثورة قبل أسبوعينلا توجد تعليقات
استمرارا لانتهاكات بالسعودية.. جلسة محاكمة سرية ثانية لـ"العودة" مطلع أكتوبر
استمرارا لانتهاكات بالسعودية.. جلسة محاكمة سرية ثانية لـ"العودة" مطلع أكتوبر
الكاتب: عمر الحداد

لماذا اعتقل الشيخ سلمان العودة.. ؟؟! يا أخي إنها إرادة الله, ونحن نلتزم بطاعة ولي الأمر لأن الله أمرنا بهذا

لماذا يستسلم الناس هكذا؟

يعني, لا يوجد شخص سعودي مثقف لا يعرف مكانة المشايخ العظام أمثال سفر الحوالي وناصر العمر… وطبعا الأشهر على ساحة الأخبار والتواصل الاجتماعي حالياً الشيخ سلمان العودة.

ورغم يقين أغلب السعوديين بل العرب أن هؤلاء جميعا أبرياء من كل ما ينسب لهم, ورغم قناعة الجميع أن ما يحدث ضد هؤلاء المشايخ العظام جريمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى … رغم كل هذا لا يتحرك أحد ولا يبالي أحد …

والسؤال.. لماذا؟

لماذا نقبل كمسلمين كل هذا الإجرام في حقنا، خاصة إن أتى من جانب الحاكم، أو من جانب شخص ذي سلطة؟

هذه المشكلة لها سببان كبيران, سبب تاريخي, وآخر نفسي.

لنبدأ بالحديث تاريخيا

كانت أول بلدان يفتحها المسلمون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم هي العراق والشام, وكان في كليهما مجموعات ومعتقدات مختلفة من النصارى.

وطبعا بدأ التعامل والجدالات والنقاشات بين علماء المسلمين والقساوسة, وكان من أهم وأخطر المسائل المستفزة بالنسبة للمسلمين مسألة أن النصارى, وعموم المسيحيين, يتعاملون مع الله كشخص, فالمسيح (ابن الله في معتقدهم) يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وبالتالي فالتعامل مع عظمة الله وعزته لا يختلف عندهم عن التعامل مع شخص عادي، ومن حضر مجالس المسيحيين حتى الآن يجد هذا الكلام واضحا جدا في معتقدهم، فأسئلة مثل “اذكر مرة ربنا استجاب دعائك” أو مثل “لماذا أراد الله (للفتى/الفتاة) الفلانية ألا (يحبني/تحبني)”… مثل هذه الأسئلة عادي جدا تسمعها بين مسيحيين متدينين, لكنهم لا يرون الأمر مشكلة.

طبعا بالنسبة للمسلمين، هذا أمر من المستحيل القبول به تحت أي صورة، قد يكون مسلم لا يصلي ولا يصوم، لكنه لا يقبل أبداً أن يتحدث شخص عن الله سبحانه وتعالى بتلك الطريقة.

وبالطبع، وكرد فعل طبيعي، بدأت الأجيال الجديدة من العرب والمسلمين في تلك البلاد (ولاحقا في العالم) تتربى على قاعدة أن الله عز وجل أجل من أن تناقش حكمته, أو أن يتساءل الناس “لماذا أراد الله كذا”..

ورغم كون مثل تلك الأسئلة طبيعية جدا خاصة في أوقات النجاح الكبير أو الفشل الشديد، إلا أن عامة المسلمين يخشون طرح تلك الأسئلة من الأساس..

وبالتالي، حكمة الله لا تناقش، ولا سؤال عن الأسباب.

“قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ  مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ  مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”.

من بين كافة الناس, من هو الشخص الذي يمثل أو يقوم بدور الإرادة الإلهية على الأرض؟

المؤكد.. أنه الحاكم، الذي كان يلقب “خليفة رسول الله” فربط منصب الحاكم بالله تعالى.

وطبعا، الحاكم لا يتصرف بقراره وإرادته, فالحاكم في النهاية محكوم بعوامل كثيرة أهمها قدر الله وإرادته, فالحاكم لا يتولى إلا بإرادة الله, وهو تفسير مأخوذ من قوله تعالى: “قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء”..

ورغم أن سياق الآيات لا يشير إلى “الملك” بالمعنى المتوارد للذهن هنا, إلا أن هذه الآية صارت تمثل فعليا, في ذهن عامة المسلمين, إرادة الله.

فالحاكم لا يتولى إلا بإرادة الله، ووظيفة العبد هي الرضا بأمر سيده.. فأي عبد له حق أن يعترض على أمر السيد؟ وما دام الأمر من الله فهو أولى بالاتباع …

منذ تحول الحكم الإسلامي إلى ملك وراثي، وهذه الطريقة في التفكير سائدة تماماً بين المسلمين.

وهذه الطريقة بالمناسبة لا زالت موجودة حتى الآن، ولم حضرتك لا تصدق، يمكنك الرجوع إلى فيديوهات الأيام الأولى في ثورة 25 يناير 2011، حيث سترى جموع المتظاهرين وهم يقولون أنهم لا يعترضون على مبارك، بل يطالبون فقط بتغيير وزير الداخلية.

ربما خطابات مبارك المستفزة وقتها حركت الأمور في اتجاه آخر, لكن الفكرة المسيطرة كانت، ولا زالت، هي أن الحاكم تولى بإرادة الله، وبالتالي فالاعتراض على الحاكم هو بالضرورة اعتراض على إرادة الله.

سعى حكام المسلمين، تاريخياً، لتثبيت فكر الجبرية، وإن لم يقولوا به صراحة، فالإنسان هو في الغالب مسير لا مخير، مما يعني بالضرورة أن كل شخص، بما فيهم الحاكم، إنما يتصرفون وفق إرادة الله لا وفق إرادتهم الشخصية، فالإنسان لا يريد إمراً إلا إذا أراد الله له أولاً أن يريد هذا الأمر، ولا يسعى لأمر إلا إن أراد الله أن يسعى لهذا الأمر، ولا ينجح في أمر إلا بإرادة الله، وهنا يصبح الإنسان ريشة في مهب الريح، تأخذه إرادة الله حيثما شاءت، بغير إرادة منه أو قدرة على الرفض، أو حتى قدرة على التفكير في الرفض, فكل قراراتك الصحيح منها والسقيم، ما سعدت به وما ندمت عليه، إنما هي إرادة الله في الحقيقة..

وهكذا.. فالحاكم غير مسؤول عن أي قرار أخذه أو لم يأخذه، والشرطي غير مسؤول عن تنفيذه لأمر الحاكم، فهو في طاعته للحاكم إنما يسعى لطاعة الله، على غير إرادة منه.

ورغم كثرة ما كتبه كثير من العلماء في نقد ونقض هذه الفكرة المخيفة، إلا أنها تظل فكرة مترسخة تماما في أذهان كثير من المسلمين. فكل شيء قسمة ونصيب..

وهكذا.. أدى انتشار هذه  الفكرة بين عامة المسلمين إلى نتيجة في غاية الخطورة وهي موت السببية.

ما هي السببية؟لماذا اعتقل الشيخ "سلمان العودة"..؟؟َ! لماذا

قام العلم عبر تاريخه على فلسفة السببية, وهي الإجابة عن سؤال “لماذا؟”، فالأشياء تسقط لأسفل بسبب الجاذبية، والسفن تدور حول الأرض كونها كروية، والحاكم يتولى لأن الظروف دفعت به لتولي السلطة، سواء كانت هذه الظروف أصوات الناخبين، أو اختيار الملك السابق، أو انقلابا عسكرياً..

لكن المسلم غالباً لا يطرح الأمر بهذه الصورة، فإذا كان عامة المسلمين يتقبلون طرح القضايا العلمية بصورة عامة (كون أن هناك أسبابا مرئية واضحة لا تنكر في تلك القضايا)، إلا أنهم في الأمور الإنسانية عامة ينكرون النظرة السببية.

محتاج مثال..؟ موجود.. سيادتك بس تشاور

كم عدد الإسلاميين الذين نبغوا في المجالات العلمية؟ د. محمد بديع أستاذ في الجيولوجيا، نائبه خيرت الشاطر مهندس، أسامة بن لادن مهندس، أيمن الظواهري طبيب، ياسر برهامي طبيب.. وهكذا.

على الجانب المقابل، كم عدد الإسلاميين الذين نبغوا في مجال الإعلام مثلاً..؟

يا أخي هل تريد أن تختلط بالوسط الفني الفاجر الفاسق الداعر؟

كم عدد الإسلاميين الذين نبغوا في مجال الاقتصاد..؟

يا أخي هل تريدنا أن نبذل جهدا في مجال قائم على الربا وكله حرام؟

كم عدد الإسلاميين الذين نبغوا في مجال العلوم السياسة..؟

السياسة كلها كذب وخداع والمسلم ينأى بنفسه عن هذا…

وكنتيجة طبيعية، أصبح هناك ملايين الإسلاميين من الفنيين، من يقومون بالأمور الفنية كالطب والهندسة والزراعة والتجارة، لكن بينهم قليلون جداً جداً من المفكرين وأهل البحث في العلوم الإنسانية.

الاستثناء الوحيد هو بين المحامين، والسبب واضح، فكون أن الإسلاميين في عمومهم يميلون لقضاء بعض الوقت في السجن، هناك حاجة ماسة لمحامين كثيرين كي يتولوا الدفاع هن هؤلاء الناس ومعاونتهم على حل تلك المشاكل..

المشكلة الحقيقة أنه بدون فكر، وفلسفة، و”سببية”.. لن نتمكن من حل أي مشكلة، فحل أي مشكلة يبدأ أولاً بتحديد المشكلة، ثم معرفة أسبابها، وبدون سؤال “لماذا” واعتبار كل “لماذا” هي اعتراض على إرادة الله، تموت السببية، وتصبح إرادة الله هي السبب الوحيد لكل شيء، وحيث أن الله أعلى وأجل من أن نناقش إرادته، فليس أمام المسلم إلا أن يعتصم في رابعة فيقتل، أو يظل في بيته فيقتل، أو يذهب إلى تركيا فيسبح ليل نهار بحمد حاكمها…

هذا هو السبب التاريخي، فما هو السبب النفسي الذي يدعو الناس لعدم الرغبة في الاعتراض على الظلم؟

مع ترسخ فكرة أن الإنسان بلا إرادة، وأن كل شيء قسمة ونصيب، وأنها إرادة الله، يصبح الاعتراض على الظلم، أو رفض أي شيء، متمثلاً في الذهن بالاعتراض على إرادة الله.

وهنا يصبح القبول بالحاكم الظالم من طاعة الله، وتصبح “طاعة ولي الأمر” هي الركن السادس من أركان الإسلام.

وبالتالي، تصبح أي دعوة لفهم الأمور بمنطقية، عن طريق دراسة العلوم الإنسانية كالفلسفة والمنطق وغيرها، هي دعوة للكفر والإلحاد، وتقريباً لا يوجد شخص في صفحات التواصل الاجتماعي لم يعرف شخصاً درس الفلسفة وانتهى به الحال ملحداً، أو دخل مجال الإعلام وانتهى به الحال فاسقاً فاجراً، أو درس الاقتصاد وانتهى به الحال عاملا في البنوك الربوية آكلا من مال حرام.

وهكذا.. يجب أن نظل جميعاً، وحتى إشعار آخر، ملتزمين بطاعة الحاكم، وراضين بقضاء الله وقدره، فالرضا كله خير.

جزء كبير من الفكرة الإسلامية نفسها، بل هو جزء من المعتقد الذي هو أساس الفكرة ومصدرها، مبني على مسألة الرضا بالحاكم، وطاعة ولي الأمر.

لهذا وجدنا داخل التيارات الإسلامية نفسها، حين أراد البعض الاعتراض على قرارات القيادة، رفضوا وطردوا وشردوا فكرياً.

ماذا كان رد فعل أعضاء حزب النور على قرارات قياداتهم بدعم الانقلاب؟

أيدت نسبة منهم قرارات القيادة كجزء من طاعتها لولي الأمر، ومن اعترض انطرد.

ماذا كان رد فعل أعضاء الإخوان على من طالبوا بالتحقيق مع القادة في الأسباب التي أوصلت الجماعة للوضع الحالي؟

أيدت نسبة كبيرة القيادة الحالية للجماعة رافضة مجرد مناقشة الفكرة, ومن اعترض انطرد.. كالعادة.

وهكذا.. أثبتت تجربة الإسلاميين أنفسهم، حتى داخل تياراتهم وجماعاتهم، صعوبة بل استحالة أن تكون تلك التيارات مصدراً ملهماً للتغيير.

فكيف يكون دعاة التغيير هم أنفسهم أول الرافضين له..؟ ففاقد الشيء لا يعطيه.

ومن هنا، يتضح لنا مثلاً لماذا تنتشر نظريات المؤامرة بين الإسلاميين والمسلمين عموماً، فالسببية مرفوضة، ولا بد من وجود قوة خفية تحرك كل شيء من وراء ستار.

فكل مبادرة لتغيير الأوضاع في مصر هي مخطط من قبل العسكر, وكل تفجير يقوم به مسلمون في بلد غربي هو مؤامرة دنيئة لتشويه صورة الإسلام، بل حتى مسلسلات رمضان، التي كان يعرضها التلفزيون أثناء الإفطار وبعده حيث يكون أغلب الناس في بيوتهم وحيث ترتفع نسبة المشاهدة، وبالتالي عائد الإعلانات إلى أعلى معدلاتها.. حتى مسلسلات رمضان أصبحت وسيلة لإلهاء الناس عن الذهاب للمسجد والحصول على الثواب.

وكيف يؤذي الثواب الحكومة؟ لا أدري..

لكن منذ متى نسأل أسئلة تبدأ بـ”لماذا”… ؟؟!

وعودة لنقطة البداية … لماذا اعتقل الشيخ سلمان العودة؟ يا أخي إنها إرادة الله، ونحن نلتزم بطاعة ولي الأمر لأن الله أمرنا بهذا.

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

الاشتراك في التنبيهات
اشترك في التنبيهات ليصلك كل جديد و متميز من موقع الثورة اليوم