أقلام الثورة قبل شهر واحدلا توجد تعليقات
المظلوميات والكربلائيات (2-2).. مظلومية "الإخوان" وهل تُعيد الثورة..؟!
المظلوميات والكربلائيات (2-2).. مظلومية "الإخوان" وهل تُعيد الثورة..؟!
الكاتب: إسلام سماحة

المظلوميات كأداة سياسية وتغطية دعائية ومبرر لغائية في اطر دينية وسلطوية ليست فكرة مبتكرة في التاريخ الاسلامي بل تمتد بجذورها الى فجر التاريخ البشري كونها تتعامل مع نزعة انسانية لاكتساب التعاطف كتطور اجتماعي للروابط بين المجموعات البشرية في بداية تشكل الحضارة بالارتقاء من التعاطف الغريزي الى التعاطف المعنوي والاجتماعي.

تاريخ المظلوميات قديماً وحديثاً

دخول المظلومية كذريعة سياسية بداء بالتأكيد قبل استخدام “الأسكندر الأكبر” لاغتيال والده بمؤامرة فارسية كما زعم، وهجومهم الغاشم على المدن اليونانية كحافز لجيشه الذي لم يتردد في احتلال تلك المدن وإنهاء استقلالها وديمقراطيتها في طريقه لتحقيق هدفه العالمي وإسقاط امبراطورية الفرس، وهو ما سوقه أيضاً “أغسطس قيصر” في قضية اغتيال سلفه يوليوس قيصر” ضمن مؤامرة هدفت لوئد ديكتاتوريته والحفاظ على النظام الجمهوري في “روما” واستطاع تحويل عواطف العامةمن قضية الصراع السياسي الى المظلومية التي استخدمت لبناء نظام امبراطوري أكثر قمعية، وبديمقراطية شكلية قضت على الجمهورية، وإن أبقت اسمها.المظلوميات والكربلائيات (1_ 2) المظلوم

ونلاحظ تداخل المظلومية السياسية بالدينية في قصة سيدنا  “موسى” التوراتية لتكون عامل مشكل لمفهوم الأمة، من رحم المجموعة القبلية، ولا يخلو تاريخ المسيحية أيضاً من تركيز شديد على رمزية مظلومية “المسيح” الشخص وتحويلها لرافد مهم في تطور البنية السياسية لأوربا الامبراطورية ووصولاً للهوية القومية لأممها المختلفة .

إلا أن الفكرة الاساسية هنا لا تتعلق بالمظلومية في حد ذاتها؛ ولكن في أثر مهم لاستغلال فكرة المظلومية وتوظيفها في صراعات السلطة، وهو مشكلة استهلاك المظلومية وتلاشي أثرها وتأثيرها أولا في الطرف الذي نجح في الوصول للسلطة من خلالها، وثانياً في المجالات الشعبية والاجتماعية التى شكلت حاضن متقبل للمظلومية كفكرة ثورية، وتغير ذلك مع تجسدها كسلطة قائمة بكل تبعاتها السلبية والايجابية .

المظلومية فى التاريخ الاسلامي

قد يكون اغتيال الخليفة الثالث “عثمان بن عفان” وما تبعه من توظيف سياسي، هو أول إقحام للمظلومية في السياسة وبأبعاد دينية أيضا للهروب من استحقاقات سياسية في مراجعة أخطاء وسلبيات المرحلة السابقة، والتي أدت للوصول إلى هذه النهاية المأساوية، بلفت الأنظار للمظلومية كغطاء لمشروع سياسي، وطريق للسلطة الأكثر ديكتاتورية، مستغلاً تعاطف العامة ومصالح الخاصة.

وشاءت تطورات الأحداث أن ينجح هذا المسعى للسلطة، ومع تحوله لسلطة قمع، تم استهلاك المظلومية التي فقدت معناها وبعدها الديني والاجتماعي، فلم تجد أي تعاطف في مرحلة أفول “الدولة الأموية”، وفي العصور اللاحقة لم يكن هناك مذهب ديني مرتكز حول مظلومية “عثمان” ، كونها استهلكت بوصولها الى مرحلة السلطة المطلقة وما بقى من أثر للأمويين في فترة لاحقة لم يكن يرتكز على المظلومية، ولكن بقايا آثار تراكم تقاليد السلطة والنفوذ والعلاقات المصلحية.

وهذا ما أدركه “عبد الرحمن الداخل” في ارتكازه على الإرث السلطوي لشق طريقه في “الأندلس” وليس مظلومية قديمة (عثمان)، أو حديثة (مذابح الأمويين على يد العباسيين)، فمن يظلم الناس لا يتوقع تعاطفهم معه، ولكنه استخدم لغة المصالح التي يجيد الجميع فهمها .

ومظلومية سيدنا “الحسين” عليه السلام ربما تكون الأكثر تأثيراً في التاريخ الاسلامي، وتداخل أبعادها السياسية والدينية وبقائها كمحدد مذهبي وديني إلى الوقت الحاضر، وقدرتها المتجددة على تحريك الواقع السياسي فيه، يعزى ربما لعدم وصولها إلى السلطة المطلقة في العصور الأولى، وبقاء حيويتها كفكرة ثورية هو الذي حماها من استهلاك السلطة لها، فتحايل العباسيين للاستئثار السياسي، ربما قد أكسبهم دولة وسلطة لفترة طويلة، ثم تأثيراً مرتبطاً ببقايا السلطة في مرحلة أخرى (العصر العباسي الثاني والمملوكي ).

 إلا أن “العباسيين” اندثروا في غياهب التاريخية بجوار الأمويين، ولم يبقى لهم أي أثر فكري أو مذهبي أو سياسي مرتبط بالمظلومية الأساسية .

وهذا لا يعني ان المظلومية الحسينية لم تقع في فخ السلطة المطلقة ولو جزئياً وذلك من خلال ملاحظة بسيطة وهي أن أقاليم الإسلام الإفريقية التي تكاد تخلو من المذهب الشيعي هي الأقاليم التي قامت فيها سلطة مطلقة لهذا المذهب، ممثلة بالخلافة الفاطمية التي نشئت في بلاد المغرب العربي قبل تمددها إلى مصر، ككثير من الحركات الشيعية التي استطاعت بغطاء المظلومية أن تقيم عدة كيانات سياسية في بلاد المغرب، ولكنها كانت الأنجح، ومن خلال وصولها إلى مصر وإعلان دولة الخلافة، كتدشين لمرحلة السلطة المطلقة، وأن على جزء ليس بالقليل من العالم الإسلامي، إلا انها لم تختلف عن سابقاتها في استهلاك مشروع السلطة للفكرة والقضية الثورية والمظلومية وكان الناتج الذي يفسر غياب “المذهب الشيعي” في مصر ودول المغرب العربي بعد زوال السلطة مقابل  بقائه في الأقاليم المشرقية .

وهذا التأثير المدمر للسلطة في استهلاك المظلومية، يظهر بتكرارية تاريخية وسياسية وكذلك عملية اجتماعية تحتاج إلى استفاضة في مناقشة سيرها وأسبابها .

اليمن كان لها نصيبها من المظلومية قبل الإسلام، في مظلومية “سيف بن ذي يزن” التي تحولت إلى سلطة، ولكنها سلطة احتلال أجنبي ، وفي العصر الاسلامي، وإن كانت أحد الاقطار الهامشية، إلا أنها دخلت في حلقات مختلفة من صراعات السلطة، وكانت المظلومية لاعباً أساسياً في كثير منها .

وعندما يعود الحوثيون اليوم وتحت غطاء المظلومية (القديمة والجديدة)، وهي وصفة مجربة وناجحة للوصول الى السلطة، ومن ثم التحول للاستبداد، فيجب أن يدركوا أن أسوء عدو للمظلومية ليس الاستبداد الممارس من قبل الآخرين عليها، بل بالعكس يقويها، ولكنه الوصول للسلطة التي تغري مالكها بالتسلط والاستبداد، مما يستهلك المخزون الثوري والتعاطف الاجتماعي مع المظلومية، ليترك أي مجموعة داخل معادلة السلطة بكل تبعاتها وقدرتهم على التعامل معها ومع أدواتها، وتؤثر سلباً حتى على المضامين الدينية والثورية للمظلومية بشكل متناسب عكساً مع ثبات وقوة واستمرار تلك السلطة وميلها نحو التسلط .

توضيح :

قد يعترض البعض أن الاثر المذهبي الباقي الآن، والمترسخ من عهد الأمويين والعباسيين والعثمانيين، ومن بعدهم سلطات الحكم المختلفة، هو أثر تلك المظلومية الأولى التي قامت على أشلائها “الدولة الاموية”، لكنهم وببساطة يتناسون أن هذا ليس إلا فقه السلطة ودين الدولة ومذهب الحاكم في كل زمان ومكان، ويرتبط بعبادة الحاكم والخضوع له، ولذلك تسارع كل سلطة حاكمة لتبنيه، كونه الأنسب للحفاظ على مصالحها، وهذا ما يفسر التحول المذهبي للعباسيين في مرحلة لاحقة عندما أدركوا عدم جدوى البقاء على غطاء المظلومية والثورية التي استهلكتها سلطتهم سريعاً، ومن ثم كان تبني أساليب السلطة الأكثر فعالية وتلقين تراث عبادة الحاكم وواجبات الرعية .

فى تكملة المقال القادم  بإذن الله نتحدث عن مظلومية “الإخوان” وهل تُعيد الثورة  ؟!

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

الاشتراك في التنبيهات
اشترك في التنبيهات ليصلك كل جديد و متميز من موقع الثورة اليوم