أقلام الثورة قبل 4 أسابيعلا توجد تعليقات
المظلوميات والكربلائيات (2-2).. مظلومية "الإخوان" وهل تُعيد الثورة..؟!
المظلوميات والكربلائيات (2-2).. مظلومية "الإخوان" وهل تُعيد الثورة..؟!
الكاتب: إسلام سماحة

طالما اُستخدِمت المظلومية كما ذكرت فى المقال الأول كأداة سياسية، وتغطية دعائية، ومبرر في أطر دينية وسلطوية أدت ولا تزال إلى المشاحنات والمشاجرات وحتى للحروب الأهلية .

يتعرض الإنسان  للتأثيرات المتنوعة إيجابية كانت أم سلبية، ويعتمد مقدار تأثره بمدى وعيه، وكمية الضخ الموجه إليه، وقد يعتقد بفكرة أو مبدأ، معتمدًا على مستمدات بيئية وثقافية تحيط به لا يعلم هو نفسه جذورها أحيانًا، لكنه يؤمن بها تمام الإيمان، حتى إذا ما آنت لحظة المواجهة مع الفكرة مال إلى التمسك بها، وأمعن في الانحياز تجاهها مخافة خسارات محتملة، خاصةً إذا كانت تلك الفكرة مغروسة لديه منذ الطفولة، ومرتبطة بمشاعر عاطفية ومكاسب مادية .المظلوميات والكربلائيات (2-2).. مظلومية "الإخوان" وهل تُعيد الثورة..؟! مظلومية

ومن هذه الأفكار تلك التي تلعب على وتر العاطفة الدينية أو العرقية، لا سيما إن كانت الأوضاع سلبية في مرحلة ما لتُستغل في بناء منظومات توهم الفرد والجماعة وتبني عُقداً “بارنويا”…

يمكن أن يُصاب الفرد بعقدة الشعور بالاضطهاد “البارنويا”؛  لكن..! حين تصاب جماعة أو فئة أو شريحة من المجتمع، أو ربما شعب كامل فهنا تكمن الخطورة الاجتماعية والسياسية؛ حيث يخضع لضخ وعمليات غسل أدمغة، وغذاء ثقافي وعاطفي يومي متواصل من فوق كل المنابر حتى تترسّخ هذه العقدة “المظلومية” .

المظلومية: تبدأ بالشعور باغتصاب حق ما، وبأن موازين القوى لا تخدم المظلوم ولا تناصره؛ فيكتفي بالشكوى والشعور بالاضطهاد الذي قد يتحول إلى عقدة، إذا ما استمر الشعور بالظلم، ولم تتغير العلاقات القائمة .

وفكرة المظلومية موجودة تاريخيًا كما ذكرنا منذ مظلومية “عبيد أثينا”، مرورًا بفكرة المظلومية عند “الشيعة” المسلمين ، وصولاً إلى مظلومية “الإخوان المسلمين” في القرن العشرين .

فقد شكلت عقود النصف الثاني من القرن الماضي مسرحاً لمظلومية التيار الإسلامي الأكثر انتشارًا و تنظيماً.

تلك المظلومية المملوءة بذكريات معتقلات الضباط الأحرار وسجونهم، وأحزان “سيد  قطب” في زنزانته، مع مصفوفة طويلة من أدبيات الاضطهاد والإقصاء والمنع والتشويه الذي مارسه عهد عبدالناصر ضد الإخوان .

ويبدو المشهد اليوم وقد اكتمل للدخول في حلقة أخرى في إنتاج مظلومية جديدة، وأهم ملامحها الانقلاب العسكري .

والأهم في ذلك اغتصاب شرعية الحكم التي جاءت بها الصناديق، وحرق مقار الإخوان، و مطاردتهم وزجّهم في السجون مجددًا, … إلخ .

لا يكفي أن تكون مظلومًا لتنجح، لا يكفي أن تكون مظلومًا لتنتصر، بل إن هلاك الظالمين لا يعني تمكين المظلومين، فقد أهلك الله فرعون وجنوده ، فسقطت منظومة الطغيان كاملة، ولم يعن ذلك تمكين بني إسرائيل مع موسى عليه السلام، حتى يكتمل إعدادهم، وتنصلح قلوبُهم، ويأخذوا بأسباب النصر والتمكين .

فبعد أن  رأوا بأعينهم إغراق فرعون وجنوده، وانفلاق البحر لهم، سرعان ما طلبوا أن يكون لهم إلاهاً  كما للأقوام آلهة..!! ثم سرعان ما صنعوا من حليهم عجلًا وعبدوه، وظلوا في نكرانهم يعمهون، حتى كتب الله عليهم التيه أربعين سنة يتيهون في الأرض؛ ليُخرِج الله من التيه جيلًا أعد للنصر عدته، وتملك أدوات التمكين، ففتح الله لهم، ورزقهم الملك والحكم .

فإخواننا الذين يكتفون بالمظلومية سلاحًا لا يدركون سنن الله في خلقه، بل إن الله تعالى يحاسب المقصرين المفرطين  الذين لم يأخذوا بالأسباب، كما يحاسب  المعتدين الظالمين.. !!

فالحقيقة.. النصر لا يُوهب للمخذولين، والتمكين لا يُمنح للمتواكلين، وإنما النصر لمن تأهل للاستخلاف، وتأهب للاستعمال، واستشرف مستقبله، وأعد مما يستطيع عدته، واستثمر جهود المخلصين من حوله.

وذراع المدد من الله مضمون، ولكنه مشروط ببذل شبره، وباع المدد موقوف كذلك على بذل الذراع، وفق سنن لا تحابي أحداً، ولا تستثني أحداً، { فلن تجد لسنة الله تبديلًا؛ ولن تجد لسنة الله تحويلًا } (فاطر-٤٣) .

هذا هو الطريق وهذه هي الاستقامة التي أمر الله بها، وحقيقة الإيمان الذي تكفل الله بنصرة أهله، فمن لم يدخل من بابه فالحرمان مآله، والخذلان عقابه، والاستبدال عقوبته .

لذا فلست من أنصار الحديث الدائم ليل نهار عن جرائم المجرمين، وظلم الظالمين، دون السعي الجاد في التخلص من إجرامهم، أو تجنب طغيانهم، ناهيك عن بذل كل جهد لحماية الأمة من إجرامهم، وتخليصها من استبدادهم .

فالله لن ينصر المجاهدين بصبرهم على المظالم فحسب؛ ولكن سينصرهم بما بذلوه لدفع الظلم، وبما أعدوه لتجنب تكرار هذه المظالم .

أما التمترس بالمظلومية فحسب فهو من أفعال النساء، وحيل الضعفاء، وأسلحة البلهاء..!! وعبادة الأوقات تختلف كما أن أسلحة الأزمان تختلف .

ومن زعم أن المظلومية بطولة، وذهب تيهًا يسوّقها، ويتغنى بتحملها، ويتفنن في ذكر تفاصيلها، وعظيم ألمها، ويُربّي الأجيال على التعايش مع آلامها، والتماهي مع لهيبها، فإنه شرعًا يجب الحجر عليه، لأنه يُفسد العقول، ويُضيع الأجيال، بل هو أشد خطرًا ممن يُحجر عليه لتضييع الأموال..!!

لا تنس قراءة الجزء الأول من المقال عبر الرابط من هنا:

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

الاشتراك في التنبيهات
اشترك في التنبيهات ليصلك كل جديد و متميز من موقع الثورة اليوم