تسليم السلطة.. حراك جزائري سوداني بمطلب واحد ضد جيشين مختلفين

مع تزايد الحراك في الشارعين السوداني والجزائري ضد الهيمنة العسكرية التي تحكم البلدين منذ عقود ورفع سقف المطالب, وتوسيع قائمة المستهدفين, بدخول قائمة جديدة من القادة العسكريين ومسئولين كبار, سواء المتهمين بقضايا فساد في الجزائر, أو المتهمين بقتل المتظاهرين في السودان, وكلما زاد الوقت زاد معه الانسداد السياسي بين كافة الأطياف في البلدين. 

وتسعى السلطة العسكرية بالسودان للانقلاب على الثورة, حيث يمضي نائب رئيس المجلس العسكري “محمد حمدان دقلو” المعروف بـ “حميدتي”، والمسنود بالثقل العسكري من خلال قوات “الدعم السريع” وأيضاً بالحلف السعودي الإماراتي، بالعمل على خلق سند سياسي شعبي موازٍ داعم للمجلس العسكري، أو بالأحرى داعم له شخصياً.

بينما يتمسّك قائد الجيش الجزائري, الفريق “أحمد قايد صالح“, برفض أي حل سياسي يخرج عن الإطار الدستوري، ويدفع رفضه تطوير أو تغيير موقفه بشأن عدم القبول بمناقشة مقترح المعارضة بشأن المرحلة الانتقالية أو تنازلات متبادلة إلى مزيد من الانسداد السياسي في البلاد، خاصة وأنه يقوم بالتخلص من جميع خصومة السياسين بحبسهم بتهم فساد.

موقف الجيش الجزائري من الحراك 

وأيّدت قيادة الجيش الجزائري، مطالب الشارع بمحاكمة رموز نظام الرئيس المستقيل “عبد العزيز بوتفليقة“, وأكد تأييده التام لمطالب الشعب المشروعة، وتمسكه بالشرعية الدستورية.

وأوضح الجيش أن موقفه حيال التطورات التي تشهدها البلاد سيبقى ثابتاً، بما أنه يندرج ضمن إطار الشرعية الدستورية، ويضع مصالح الشعب الجزائري فوق كل اعتبار.

ونفى قائد أركان الجيش الجزائري، الفريق “أحمد قايد صالح”، وجود أية طموحات سياسية له لتولّي السلطة، وأنه لا ينوي السطو على السلطة والهيمنة على القرار في البلاد.

لكن رئيس المركز الأطلسي للدراسات الاستراتيجية والتحليل الأمني، “عبد الرحيم المنار اسليمي”، اعتبر أن السيناريو المصري يتم استنساخه بالجزائر، محذراً من حزام عسكري على نمط الحكم المصري يمتد من مصر إلى ليبيا والجزائر وموريتانيا.

وسجل: “لكن هذا الاعتقاد ليس صحيحاً؛ لأن قايد صالح هو الحاكم الفعلي للجزائر منذ 2014، ويقوم اليوم بممارسة لعبة وتنفيذ الأجندة المنسوبة لبوتفليقة تحت غطاء دستوري يحافظ فيه على استمرارية محيط بوتفليقة وقيادة فترة انتقالية قد تصل إلى ستة أشهر”.

موقف الجيش السوداني 

الوضع في السودان مختلف كثيرًا عن الجزائر، فبعد إعلان الجيش الوقوف مع مطالب المتظاهرين, إلا أنه أخلف وعده وهاجم جموع المعتصمين أمام مقر قيادة الجيش بالخرطوم, في محاولة لفض الاعتصام بالقوة, ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى.

وتوقَّف الحوار الذي كان قد قطع شوطاً كبيراً بين قيادة المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير منذ سقوط نظام الرئيس السابق “عمر حسن البشير”، ورغم أن المجلس عاد وأبدى استعداده للحوار مع كافة القوى السياسية بدون استثناء، وإجراء انتخابات رئاسية خلال تسعة شهور، فإن ذلك لم يحل دون استمرار الأزمة المرشحة لمزيد من التصعيد.

وتعهَّد رئيس المجلس العسكري الانتقالي في السودان الفريق أول “عبد الفتاح البرهان”، السبت الماضي، بالتوصل مع قوى المعارضة “سريعاً” إلى اتفاق لنقل السلطة إلى “الشعب”.

وقال “البرهان” في خطاب أمام حشد من أهالي مدينة “أم درمان”: “نعدكم بأننا مع الإخوة في قوى الحرية والتغيير والأحزاب السياسية الثانية سنصل لاتفاق سريع يحقق طموحاتكم”.

وأضاف أن السودانيبن “قد تعبوا من الكلام والوعود الكاذبة ونحن معهم وإلى جانبهم”.

ولفت إلى أن السلطة يجب أن تعود إلى الشعب عبر حكومة منتخبة ليقرر مستقبله بيده، قائلاً: إنه “لا مزيد من الإقصاء في السودان ونحن واقفون مع الشعب الذي خاض الثورة”.

الجيش الجزائري والدعم الخارجي تسليم السلطة.. حراك جزائري سوداني بمطلب واحد ضد جيشين مختلفين جزائر

ولقائد الجيش “صالح” علقات قوية مع “أبو ظبي”، خاصة بعد زيارته السرية إلى الإمارات في 2 ديسمبر 2018؛ لحضور احتفال دولة الإمارات بالعيد الوطني السابع والأربعين.

ويقال: إن “صالح” التقى مسؤولين في دولة الإمارات؛ لمناقشة التعاون العسكري الثنائي. وبعد 3 أشهر، وبعد استمرار المظاهرات واسعة النطاق، زار “صالح” الإمارات مرة أخرى بدعوة من الشيخ “محمد بن زايد آل نهيان” ولي عهد أبو ظبي.

وأكدت جريدة “موند أفريك” الفرنسية أن الإمارات تلجأ إلى “دبلوماسية عدوانية” خلف الأبواب المغلقة؛ لتعزيز الحكم الاستبدادي في الجزائر. وقبل 6 أعوام، عملت الإمارات على نحو مماثل في مصر، عندما دعّمت إطاحة الجنرال “عبد الفتاح السيسي” بـ “محمد مرسي” أول رئيس منتخب ديمقراطياً للبلاد.

وعلى الرغم من أن الإمارات لم تُعبّر رسمياً عن موقفها من الاحتجاجات حتى الآن، فقد أشادت وسائل الإعلام الإماراتية المملوكة للدولة، ومنها “سكاي نيوز العربية”، بـ “صالح”، بصفته “رجل الساعة” في الجزائر.

ومع ذلك، قام الجزائريون برفع لافتات في الشوارع تندد علانيةً بالتدخل الإماراتي، كما انتقدوا ذلك في وسائل التواصل الاجتماعي.

وقال “محمد العربي زيتوت” – الدبلوماسي الجزائري السابق والعضو المؤسس لحركة “رشاد” الجزائرية المعارضة – في منتصف مارس: إن أبوظبي والرياض يستعدان لإحباط الاحتجاجات الشعبية، كما فعلا مع العديد من الانتفاضات العربية في المنطقة.

وأكد أن ملوك الخليج لديهم “رهاب” من الثورات؛ لأنهم يتوقعون أن انتقال أي نظام في المنطقة إلى الديمقراطية يُمثّل خطراً عليهم.

وفي هذه الأثناء، يبدو أن الإمارات لا تتزعزع في دعمها السري لـ “صالح” في الجزائر.

الجيش السوداني والدعم الخارجي

وكانت السعودية والإمارات أولى الدول التي اتخذت مواقف داعمة للسودان في ظل المجلس العسكري الجديد، حيث أعلنت الدولتان عقب الإطاحة بـ “البشير”, تأييدهما لإجراءات المجلس العسكري الانتقالي في السودان.

لكن النشطاء ودعاة الاحتجاجات لا يخفون مخاوفهم من الدعم السعودي والإماراتي، ويرون أنه يُبقي السودان ضمن لعبة المحاور الخليجية.

وغرّد الإعلامي السوداني المقيم في لندن “خالد الأعيسر” عبر “تويتر” قائلاً: “بدأ التدخل (العربي) والدولي في شؤون السودان ولن نترك المتآمرين ليكملوا أجنداتهم ومشاريعهم خصماً على استقرار السودان”.

وأضاف “الثورة ثورة شعب لن يقبل التدخل وفرض الأجندات وفق نظرية الاستقطاب والمصلحة. يبقى الفائدة إيه لو أننا أبدلنا مستعمر محلي بآخر خارجي؟”.

وحذّر المتحدث باسم إعلان قوى الحرية والتغيير “شهاب إبراهيم”, من أن السعودية والإمارات يُخطّطان لتمكين المجلس العسكري بقيادة “البرهان” عبر تقديم دعم اقتصادي لحلحلة أزمات البلاد وبالتالي يكسب المجلس ثقة السودانيين، محاولة لإعادة إنتاج النظام بشكل آخر.

توقيفات الجزائر

وتشهد الجزائر تطورات متسارعة في قضايا مكافحة الفساد وملاحقة رموز النظام السابق، شملت

القبض على “السعيد”، شقيق الرئيس السابق “بوتفليقة”؛ لاتهامه بالسطو على صلاحيات شقيقه في سنوات حكمه الأخيرة.

كما تم إيداع, رئيس الوزراء الجزائري السابق “أحمد أويحيى” السجن، بعد مثوله أمام المحكمة العليا؛ للتحقيق معه في قضايا “فساد”.

و”أويحيى” يُعدّ أبرز رموز نظام الحكم في البلاد منذ تسعينيات القرن الماضي، وسبق حتى “بوتفليقة” إلى مفاصل السلطة، كما أنه يشغل، منذ ذلك الوقت، منصب أمين عام حزب “التجمع الوطني الديمقراطي”، ثاني أكبر الأحزاب تمثيلاً في البرلمان والمجالس المحلية.

وبعد يوم واحد من سجن “أويحيى“، أودع قاضي التحقيق بالمحكمة العليا رئيس الوزراء الجزائري الأسبق “عبد المالك سلال” الحبس المؤقت، على خلفية نفس التهم.

وتولَّى “سلال” منصب رئيس الوزراء بين مايو/ أيار 2012 حتى الشهر نفسه من 2017، وقبلها شغل عدة حقائب وزارية، كما تولى منصب مدير حملة “بوتفليقة” في رئاسيات 2004 و2009 و2014.

كما طال سهم القضاء أيضاً وزراء من المعروفين بقربهم من دوائر الحكم في عهد “بوتفليقة”، وتولوا خلال فترة حكمه عدة حقائب وزارية أو مناصب سامية لسنوات طويلة.

وحالياً، توجد أمام قاضي التحقيق بالمحكمة العليا قائمة تضم ثمانية وزراء سابقين ومحافظين اثنين، يتم استدعاؤهم تباعاً للتحقيق معهم في قضايا “فساد”، إلى جانب قضية الوزير الأسبق للطاقة “شكيب خليل”، والتي أُعيد فتحها مجدداً على خلفية شبهات “فساد” في شركة المحروقات الحكومية “سوناطراك”.

وجرى، حتى الآن، استدعاء وزير التجارة الأسبق “عمارة بن يونس”، وهو الأمين العام الحالي للحركة الشعبية الجزائرية (حزب علماني).

ومن القائمة نفسها، وضع ثلاثة وزراء سابقين تحت الرقابة القضائية؛ وهم: “كريم جودي” وزير المالية بين 2007 و2011، و”عبد الغني زعلان” مدير حملة “بوتفليقة” ووزير النقل والأشغال العامة السابق بين مايو/ أيار 2017 ومارس/ آذار 2019، إلى جانب “عمار تو” وزير النقل بين 2008 و2013.

اعتقال أبرز رموز النظام السوداني السابق

وشنَّ المجلس العسكري الانتقالي في السودان، حملة اعتقالات طالت شخصيات عدة كانت تُعدّ من رموز النظام السابق، في إطار سعيه لمحاسبة الفساد، وفق ما زعم مرارًا.

وبالإضافة إلى اعتقال الرئيس المعزول “عمر البشير“، الذي نُقل إلى سجن “كوبر”، وشقيقيه، ألقت السلطات القبض على عدد من قيادات حزب المؤتمر الوطني.

فتم القبض على “عوض أحمد الجاز“, مساعد “البشير”، أدار وزارة التجارة والتموين في حكومة الإنقاذ، وتولَّى في 1999 وزارة الطاقة والتعدين، كما تولَّى وزارتي الصناعة والمالية.

– “عطا المنان“, شغل مناصب عدة، منها والي الولاية الشمالية، ووُضع اسمه على لائحة المطلوبين لدى المحكمة الجنائية الدولية بقضية “دارفور”.

– “علي عثمان محمد طه“, النائب الأول للرئيس سابقاً، والرجل الثاني في الحركة الإسلامية، كما أنه متورط بالتخطيط لاغتيال الرئيس المصري السابق “حسني مبارك”.

– “عبد الرحيم محمد حسين“, وزير الدفاع الأسبق ووالي الخرطوم الأسبق، وقد تولى وزارة الداخلية، وأُدرج اسمه على لائحة المحكمة الجنائية الدولية بقضية “دارفور”.

– “إبراهيم أحمد عمر“, رئيس المجلس الوطني والرئيس السابق لمجلس شورى الحركة الإسلامية، وكان نائب رئيس حزب المؤتمر الوطني بين عامي 2000 و2010، واعتقلته السلطات بعد عزل “البشير” عقب عودته من “الدوحة”.

– “محمد طاهر إيلا“, رئيس المكتب السياسي للحركة الإسلامية في البحر الأحمر، وفي فبراير الماضي عيّنه “البشير” رئيساً للوزراء.

– “صلاح عبد الله قوش“, مدير جهاز الأمن السابق، وعام 2012 حُكم عليه بالسجن؛ لإدانته بالتخطيط لانقلاب، لكن أُفرج عنه بعفو رئاسي قبل أن يعيد “البشير” في فبراير الماضي تعيينه مديراً للمخابرات. ويرد اسم “قوش” على لائحة المحكمة الجنائية الدولية بقضية “دارفور”.

– “نافع علي نافع“, قيادي في الحركة الإسلامية ومدير جهاز الأمن الأسبق وجهاز الأمن الخارجي الأسبق، ويعتقد أنه مخترع “بيوت الأشباح” لاعتقال وتعذيب المعارضين.

– “أمين حسن عمر“, قيادي في الحركة الإسلامية ووزير الإعلام السابق، وقد ترأس الوفد الحكومي لمفاوضات “دارفور” في “الدوحة”.

– “مطرف صديق“, قيادي في الحركة الإسلامية، جمعته علاقات بزعيم تنظيم “القاعدة” “أسامة بن لادن”، وهو أحد المسؤولين عن “بيوت الأشباح” لاعتقال وتعذيب المعارضين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق