رفع أسعار البنزين.. كيف يكون معاناة جديدة لأسر المعتقلين؟

يُواجه المصريون بشكل عام، وأسر المعتقلين بشكل خاص، صعوبةً في مواكبة ارتفاع الأسعار بعد القرار الذي تضمّن أكبر زيادة في سعر أسطوانات غاز الطهي والوقود. 

وأثارت الزيادات الجديدة لأسعار الوقود في مصر موجات غضب وسخرية، فيما حاولت وسائل الإعلام المصرية تبرير الزيادة الخامسة لأسعار الوقود بعمل مقارنات بين أسعار الوقود في مصر وفي الدول الغربية، دون الإشارة إلى فروق الدخل الهائلة بين المصريين وشعوب تلك الدول.رفع أسعار البنزين.. كيف يكون معاناة جديدة لأسر المعتقلين؟ المعتقلين

وتنتهج الحكومة سياسةً لتخفيض دعم الوقود منذ 3 سنوات، تزامناً مع تلقّيها شريحة من قرض صندوق النقد الدولي.

ومنذ ذلك الحين، رفعت حكومة الانقلاب أسعار الوقود والكهرباء عدة مرات، جاء أغلبها بعد قرار تحرير سعر صرف الجنيه المصري، في نوفمبر عام 2016.

وأشار الباحث السياسي المصري “خيري طلعت” إلى أن الوقود هو عصب حياة المواطن المصري، سواء في التنقل أو الشحن أو نقل البضائع، وأن زيادة أسعاره ستنعكس سلباً على كل شيء.

وأضاف “طلعت” في تصريحات خاصة أن “زيادة الحكومة المصرية أسعار الوقود سينعكس على أسعار السلع، التي سترتفع بدورها بشكل مطرد ومتوازٍ مع أسعار الوقود، كنتيجة طبيعية لزيادة أسعار النقل”.

وتضمّن القرار أكبر زيادة في سعر اسطوانات الغاز المخصصة للاستهلاك المنزلي، بحيث زادت بنوعيها من 50 جنيهاً إلى 65 جنيهاً، و130 جنيهاً بدلاً من 100 جنيه.

أسر المعتقلين.. مشوار من العذاب

وينعكس العبء المادي على فئات بعينها تكتوي بنار البنزين وارتفاع الأسعار أيضاً مثلها مثل باقي فئات الشعب ولكن بشكل أكثر إيلاماً؛ لمعاناتهم الأصلية ألا وهي كونهم أهالي المعتقلين السياسيين.

وتُمثّل الزيارات أحد أصعب ما يواجهه أسر المعتقلين، وذلك بعد الارتفاع الجنوني للأسعار، وسط ارتفاعات تكلفة المعيشة، في ظل غياب رب المنزل، وهو مصدر الدخل الأساسي لهم، ورفض بعض السجون صرف إعاشة للمعتقلين السياسيين.

وتعاني أسر المعتقلين لكون الزوج هو المعيل الرئيسي للأسرة، إذ إن 82% من الأسر المصرية قائمة على عمل الزوج، الذي يُعدّ مصدر الدخل الرئيسي للأسرة، وفق إحصاء صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.رفع أسعار البنزين.. كيف يكون معاناة جديدة لأسر المعتقلين؟ المعتقلين

المصاريف وأعباء الحياة

وفي ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة في مصر وتزايد غلاء الأسعار، فإن مصاريف تجهيز الزيارات هي الأخرى عبء كبير على الزوجات، خاصة في ظل حالة الإرهاق المادي لأسر المعتقلين، خصوصاً وأن أغلب المعتقلين إما أنهم أزواج يعيلون أسرهم، أو شباب كانوا يساعدون بشكل كبير في مصاريف الحياة اليومية مع أسرهم.

وإلى جانب مصاريف الزيارات، فهناك مصاريف الكَفَالة، ومصاريف المحاماة، ومصاريف الأولاد الخاصة، واحتياجات الأسرة من مصاريف حيايتة أساسية، فضلاً عن أن عدداً كبيراً من المعتقلين انقطعت مصادر رزقهم بعد الاعتقال، إما بالفصل من العمل الحكومي، أو بسبب التوقف عن العمل في القطاع الخاص.

وتتباين تكاليف الزيارة الواحدة للمعتقل بحسب بُعْد مكان الاعتقال عن مكان إقامة الأسرة، ومدى تسهيل الإجراءات، حيث تضطر العديد من الأسر لدفع مبالغ مالية مرغمة لأمناء الشرطة؛ كي يسُهّلوا لهم زيارات لا تستغرق ربما دقائق.

وبحسب بعض الأسر، فإن الحد الأدنى للزيارة لا يقل عن 1000 جنيه، بينما في كثير من الأحيان تزيد تكلفة الزيارة الواحدة عن ذلك.

وتجد زوجة المعتقل نفسها في مواجهة الحياة بمفردها؛ عقب اعتقال الزوج، إذ يصبح العبء الأكبر في تدبير أمر المعيشة منوطاً بها.

وتواجه أسر المعتقلين الأزمة المالية عبر عدّة إجراءات: منها عمل الزوجة، وخفض الاستهلاك، ومساعدات الأهل والمقربين.

الزيارة والإعاشة.. تكلفة فتح بيت آخر

وتُشكّل نفقات إعاشة المعتقلين وتكلفة الزيارات بنداً هاماً في ميزانية أسر المعتقل كما تقول “هاجر” – زوجة أحد المعتقلين – التي تصف “نفقات الزيارة والإعاشة” بأنها تعادل “تكلفة فتح بيت آخر”، إذ يحتاج المعتقل إلى كلّ شيء كان يستخدمه في حياته من مأكل ومشرب ودواء وملابس وغير ذلك من ضروريات الحياة.

وبحسب ما ذكرته “هاجر” فإن على أسرة كل معتقل إعداد طعام لجميع زملائه في الزنزانة في يوم زيارته، وهو ما يُعدّ محاولة لتخفيف وطأة الاعتقال من جهة، “غير أنه يزيد العبء المالي على الأسرة من جهة أخرى”.

وهو ما شرحته “هاجر” بالقول: “عشرون سجيناً سياسياً محبوسون مع زوجي في الزنزانة، عليّ أن أعدّ لهم جميعًا طعام يوم واحد، ما يُكلّف كثيرًا”.

وأوضحت “كانت تُكلفني الزيارة الواحدة ما لا يقلّ عن ألف جنيه، أي 4 آلاف جنيه في كل شهر”، وتُدبّر “هاجر” هذا المال عبر والدها ووالدتها اللذين يساعدانها كثيرًا، وكذلك إخوة زوجها الذين يتحمّلون أكثر من نصف تكاليف الزيارة والإعاشة شهريًّا.

زيارات “العقرب” أعلى تكلفةً

وتتكلّف “هاجر” مبالغ أكبر لدى تجهيز زيارة زوجها؛ نظراً لتوقيفه في سجن “العقرب” سيئ السمعة، والذي تزيد أسعار المأكولات والمشروبات فيه عن غيره من السجون.

وأشارت إلى أنه في بداية فترة السجن، مطلع عام 2015 كانت الزيارة الواحدة تتكلّف ألفي جنيه، وحين تُمنع الزيارة عن سجن العقرب كما يحدث كثيراً تضطر “هاجر” إلى أن تضع في الأمانات مبلغاً يناهز أو يقل عن 3 آلاف جنيه، تكفي زوجها لشراء الوجبات الأساسية فقط.

ولفتت إلى أن هناك بنداً إضافياً غير الزيارة والإعاشة، وهو بند الأدوية لزوجها المريض، والذي يُعدّ أهم بند توفره أوّلاً ثم تدبر بقية تكاليف المعيشة كما تقول، وهو ما تُوفّره عبر الاستدانة من أصدقاء زوجها المقربين.

وأكدت “هاجر” أن هذه التكاليف كانت قبل زيادة الوقود وإسطوانات الغاز تعد المصدر الأساسي للمعيشة.

وتوقّعت “هاجر” ألا تقل تكلفة الزيارة الواحدة بعد ذلك عن 2500 جنيه، أي ما يعادل عشرة آلاف جنيه في الشهر إذا تمت الزياره 4 مرات شهرياً، هذا خلاف مصاريف المواصلات المدفوعة للانتقال الى السجن، وهو ما وصفته بالمستحيل تدبيره في ظل الأعباء المادية التي تواكبها بعد اعتقال عائل الأسرة.

زيادة في “الإتاوة” داخل السجون

وأردفت “مريم” – ابنة أحد المعتقلين بأحد السجون المصرية – بأنه زيادة على العبء المادي في الزيارات والمواصلات تفرض إدارة السجن رسوماً على راغبي زيارة ذويهم، وهي الرسوم التي اختلفت من سجن لآخر، حيث تترواح بين الثلاثة جنيهات إلى العشر جنيهات على كل فرد، متوقعةً زيادتها كما حدث من قبل في زيادة الوقود الماضية.

وتشير “مريم” إلى أن الأهالي اعترضوا على ما وصفته بـ “الإتاوة” التي فرضتها عليهم إدارة السجن، ولكنهم في النهاية أُجبروا على الدفع؛ لتمكينهم من الزيارة، التي جاؤوا لها من محافظة أخرى تبعد عن مقر السجن بأكثر من 150 كم، وقد دفعت هي وأسرتها خمسين جنيهاً.

وتحكي عن مأساة أسر أخرى اضطرت لجمع المبلغ من باقي الأسر الموجودة؛ لظروفهم المادية الصعبة، وهو ما كان سبباً في جدل واسع مع الضباط الذين قالوا للأهالي: “مَن يُريد الزيارة عليه الدفع ومَن لا يدفع عليه الانصراف”.

وعندما سألوا عن قانونية ذلك، أخبرهم الضباط أنها “أوامر من الإدارة؛ لتحسين الخدمة”، ورفضوا إعطاءهم إيصالات رسمية بقيمة الرسوم.

5 آلاف جنيه شهرياً

وأكدت “سناء محمد” أن زيارة أخيها الذي نقلته داخلية الانقلاب من سجن بني سويف إلى سجن قنا، تُكلّف أكثر من 5 آلاف جنيه؛ وذلك لأنها تقوم بها شهرياً؛ لأنها لا تستطيع أن تزوره أسبوعياً؛ لبُعد المسافة وعدم وجود موارد مالية تكفي لذلك.
وخلال تصريحات خاصة لـ “الثورة اليوم” أضافت “سناء” بأن ارتفاع أسعار السلع يؤثر عليها بالسلب؛ لأنها لا تستطيع جلب ما يكفي أخيها لمدة شهر كما سبق، وأنها لا تستطيع أن تترك له مبالغ بكانتين السجن.

800 جنيه مواصلات و10 دقائق زيارة!

وبسؤال “هدى” – زوجة احد المعتقلين – عن مصاريف المواصلات التي تنتقل بها إلى مقر احتجاز زوجها قالت: “العربية اللي كنت بروح بيها كانت بتكلفني 800 جنيه كل زيارة؛ لأني بسافر من محافظة لمحافظة تانية”.

وأضافت “بعد ما كنت يا دوب بعرف أجمع الـ 800 جنيه علشان أروح اشوف زوجي دلوقتي على الأقل تكلفة هدفع ما لا يقل عن 1000 جنيه للسواق علشان يواكب زيادة البنزين”.

ولفتت “هدى” “ماحدش حاسس بالمعاناه بتاعتنا غيرنا إحنا، بندفع من قوت عيالنا علشان بس نقدر نشوف أزاوجنا، وكمان ممكن مانقدرش نقعد معاهم ونشوفهم 10 دقايق، والزيارة كده خلصت”.

ضغوط وانتقام من المعتقلين

وفي تحليل لمدير منظمة السلام الدولية لحماية حقوق الإنسان “علاء عبد المنصف” عن معاناة الأسر في الزيارات بعد رفع الأسعار قال:

“بالتأكيد شريحة المعتقلين وما يتم رصده من مسألة تعنت دخول الأطعمة والمشروبات الصحية للمعتقلين في حين يجبرون على فتح سداد في الكانتين الخاص بالسجن بأسعار ثلاثة أضعاف الأسعار العادية فهذا أمر في غاية الصعوبة ع الأهالي لتوفير تلك الاحتياجات البسيطة التي تقابل بالتأكيد على رفع الأسعار في منافذ البيع لدى السجون، وهذا الأمر في مسلسل المعاناة وليس بجديد”.

وأضاف “عبد المنصف” في تصريحات خاصة لـ “الثورة اليوم” عن تعنت النظام في إبعاد المعتقلين عن مكان سكنهم قال: “الأمر غير متعلق بالأسر فقط في مسألة الإبعاد، ولكن هو ضغط سياسي، حيث لديه استراتيجية للضغط على المعتقلين والرافضيين السياسيين أينما كانت تياراتهم؛ للحصول على تنازلات تصل إلى حد الانسحاب أو ترك العمل السياسي”.

وأشار إلى أنه “هناك آليات قمعية يتم التنفيذ من خلالها سواء بالاعتقال أو التفتيش أو معايير المحاكمة أو القتل أو التعنت داخل السجون أو الإبعاد أو التغريب، كل هذه أدوات لدى النظام للضغط كنوع من أنواع الانتقام السياسي، فهذه أمور متوقعة”.

أسوأ انتهاك بحق المعتقلينرفع أسعار البنزين.. كيف يكون معاناة جديدة لأسر المعتقلين؟ المعتقلين

بينما أكد المحامي “خلف بيومي” – مدير مركز الشهاب لحقوق الإنسان – أن معاناة أسر المعتقلين أكبر من أن تحصى؛ لأنهم يتحملون كل الضرر والتعب من أجل الوصول لزيارة ذويهم، موضحاً أن أبرز أنواع الضرر هو الضرر المادي لتجهيز الزيارة، والتي تفاقمت بصورة واضحة في الفترة الأخيرة.

وأضاف “بيومي” في تصريحات لـ “الثورة اليوم” أن ارتفاع أسعار السلع أكثر من خمسة أضعاف ساهم في زيادة معاناة الأسرة وترتب عليه تقليص لعدد الزيارات، وأحياناً كثيرة تقليص في كمية الزيارة.

وأشار إلى أن النظام ساهم في زيادة المعاناة بالإسهاب في تغريب عدد كبير من المعتقلين لسجون بعيدة، كان آخرها تغريب عدد من السجناء من سجن “برج العرب” بالإسكندرية لسجن “الوادي الجديد” جنوب مصر، وهو يبعد 850 كيلو متر.

ولفت “بيومي” إلى أنه رغم تكبّد الأسر لكل هذه التكاليف رغبة في الاطمئنان على ذويهم فإن إدارة السجن قد ترفض الزيارة أو حتى السماح بتمكينهم من إدخال بعض محتويات الزيارة، مؤكداً أن ذلك يعتبر من أسوأ الانتهاكات التي نرصدها بحق المعتقلين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق