رغم الهزائم والتفريط والعار.. كيف خدع “عبد الناصر” الشعب؟

تجلّت مأساوية وكارثية هزائم الرئيس الراحل “جمال عبد الناصر“, التي نالها في كل حروبه: 56 في السويس، و62 في اليمن، و67 في سيناء، في أنه خسر فيها مساحات شاسعة ظلّت تابعة لمصر لعشرات السنين مثل غزة وسيناء والسودان، فالرجل الذي كان قد تسلّم السلطة في مصر ومَلكها يُطلَق عليه “صاحب مصر والسودان”، مات وهو لا يمكل من أمره إلا الخسارة والفشل والخيبة. 

واستغلّ “عبد الناصر” الشاشات ووسائل الإعلام؛ لتضليل المصريين, فبينما كان الصهاينة يُذيقون العرب أسوأ هزائمهم الحربية في التاريخ الحديث، وعلى أكثر من جبهة، في مصر وسوريا وفلسطين، وصلت إلى وضع يدهم على القدس، كان مذيع «صوت العرب» “أحمد سعيد” ينقل البيانات العسكرية التي تتحدث عن الانتصارات العربية الساحقة والماحقة!.

خدعة التضليل الكبرى للشعب المصري، من بيانات عسكرية ومذيعين وإعلاميين وصحفيين وكُتّاب وصحف غيّبوا الحقائق عن ملايين المصريين ليوهموهم بالنصر وهم مهزومون، بل وهم يفقدون أجزاء من أراضيهم.

الهزيمة العسكرية في 56 

وتلقّى “عبد الناصر” هزيمة عسكرية في 56، وكان تدخل الاتحاد السوفيتي والضغط العالمي الشعبي على الدول المعتدية هو الذي أنقذ مصر بعد تأميمها لقناة السويس في 26 يوليو 1956 من الاحتلال، وأنقذ نظام “جمال عبد الناصر” من السقوط، فخرجت آلته الإعلامية لتردد الانتصارات الزائفة لجيشه المهزوم.

خسائر مصر في حرب اليمن 62 

مغامرة” مصر العسكرية في اليمن كانت كارثة، لدرجة أنه “يمكن مقارنتها بحرب فيتنام”, وبحلول عام 1967، كان هناك 55,000 جندي مصري مرابط في اليمن، من ضمنهم الوحدات الأكثر خبرة وتدريبًا وتجهيزًا في كل القوات المسلحة المصرية.

وبالرغم من قتالهم العنيد ضد الفصائل الملكية، إلا أن غيابهم عن أرض الوطن خلّف فجوة في الدفاعات المصرية, وأثَّر ذلك كثيرًا على مصر خلال حرب يونيو 1967.

وليس هناك اتفاق رسمي على عدد الذين سقطوا من الجنود المصريين في تلك الحرب، ففي حين يرى “وجيه أبو ذكري” – الذي كان يشغل منصب رئيس قسم الشؤون العربية بمجلة “آخر ساعة” – في كتابه “الزهور تدفن في اليمن”، أنهم كانوا عشرين ألف شهيد، ترى مصادر أخرى أنها بين 10000 إلى 15000 جندي، ومصدر ثالث يقول: إنهم 5000 شهيد فقط.

هزيمة 67 

قامت “إسرائيل” في الساعة 8 و45 دقيقة صباح الإثنين 5 يونيو, ولمدة ثلاث ساعات, بغارات جوية على مصر في سيناء والدلتا والقاهرة ووادي النيل والصعيد.

وتوزّعت الغارات على ثلاث موجات، نفذت الأولى 174 طائرة، والثانية 161، والثالثة 157، بإجمالي 492 غارة، ودُمّر فيها 25 مطاراً حربياً، وما لا يقل عن 85% من طائرات مصر وهي جاثمة على الأرض!.

وطبقاً للبيانات “الإسرائيلية” فإنه تم تدمير 209 طائرات من أصل 340 طائرة مصرية منها: رغم الهزائم والتفريط والعار.. كيف خدع "عبد الناصر" الشعب؟ عبد الناصر

30 طائرة تي يو-16. 

27 طائرة اليوشن قاذفة. 

12 طائرة سوخوي-في. 

90 طائرة مقاتلة ونقل وهليكوبتر. 

6 أيام ضاعت فيها سيناء 

وجرت أحداث 67 العسكرية والدبلوماسية خلال أيام الحرب الستة كالآتي: 

– اليوم الأول: انطلقت في أعقاب الضربة الجوية “الإسرائيلية” مباشرة، وفي الساعة 9.15، تشكيلات القوات البرية “الإسرائيلية”؛ لتخترق الحد الأمامي للجبهة المصرية في سيناء بثلاث مجموعات عمليات.

وفي ساعة متأخرة من المساء استطاعت – بهجومها على المحاور الثلاثة الشمالي والأوسط والجنوبي – تدمير فرقتيْ مشاة النسق الأول السابعة والثانية، اللتين كان يرتكز عليهما النظام الدفاعي المصري.

– اليوم الثاني: صباح يوم 6 يونيو سقطت “العريش” وانفتح المحور الشمالي أمام القوات “الإسرائيلية” المدرعة.

وكانت مهمة الطيران “الإسرائيلي” طوال اليوم هي تثبيت الوحدات المدرعة في الممرات الجبلية، وفي مساء اليوم نفسه أذاعت “إسرائيل” أن عناصر قواتها وصلت إلى قناة السويس، مما أصاب جنود الجيش المصري بالذعر، فيما أطلق عليه الغرب “الحرب الخاطفة”.

وفي مساء هذا اليوم أيضاً تمكّن “الإسرائيليون” من الاستيلاء على مدينتيْ “غزة” و”خان يونس” في قطاع غزة الذي كان يخضع آنذاك للسيادة المصرية.

وكان نائب القائد الأعلى للقوات المصرية “عبد الحكيم عامر” قد أصدر في الساعة الخامسة من بعد الظهر أمراً بالانسحاب العام لجميع قوات سيناء إلى غرب قناة السويس، على أن يُنفّذ على مراحل وخلال الأيام التالية، وهو القرار الذي أثَّر سلباً على أداء الجيش المصري وعلى مسار الحرب بالنسبة له.

أما على الصعيد الدبلوماسي الدولي فقد صدر ذلك اليوم قرار مجلس الأمن رقم 233 بوقف إطلاق النار، وهو ما كان يعني حينها إقراراً دولياً باحتلال “إسرائيل” أراضي مصرية وحرمان مصر من حقها في استعادتها.

– اليوم الثالث: كان على القوات المصرية صباحاً وفي وسط سيناء مواجهة ثلاث مجموعات عمليات، وظهرت في هذا اليوم – الذي تركّزت فيه العمليات على الجبهة المصرية مع وقف إطلاق النار على الجبهة الأردنية – بوادر الانهيار التام للقوات المصرية مع قرب وصول القوات “الإسرائيلية” إلى قناة السويس. رغم الهزائم والتفريط والعار.. كيف خدع "عبد الناصر" الشعب؟ عبد الناصر

– اليوم الرابع: مع قرب وصول القوات “الإسرائيلية” إلى قناة السويس بدأت في هذا اليوم الاستعدادات للدفاع عن القاهرة من مدخليْ السويس والإسماعيلية.

وجرى حديث بين السوفييت والرئيس “عبد الناصر” عن وقف القتال على الجبهة المصرية، في الوقت الذي شكّلت فيه الوحدات المصرية المدرعة الباقية سداً دفاعياً وسط سيناء، ولكن مع قبول مصر وقف إطلاق النار كانت قد انهارت الدفاعات المصرية الباقية شرق القناة، وبدأ الارتداد العام والانسحاب من سيناء.

– اليوم الخامس: قامت القوات “الإسرائيلية” في هدوء باحتلال سيناء كلها حتى “شرم الشيخ”، باستثناء الخط من “رأس العش” شمالاً وحتى شرق “بور فؤاد”، الذي ظلّ تحت سيطرة القوات المصرية.

وعلى الصعيد الدبلوماسي الدولي صدر في هذا اليوم قرار مجلس الأمن رقم 235؛ لتأكيد وقف إطلاق النار، بينما أعلن “عبد الناصر” في أعقاب هذه الخسارة تنحّيه عن السلطة.

– اليوم السادس: إثر تنحّي الرئيس “عبد الناصر”؛ استقال “عبد الحكيم عامر” ووزير الحربية “شمس بدران”، وخرجت مظاهرات شعبية (قيل إنها كانت مُستأجرة) ترفض قبول تنحي الرئيس وطالبت بعودته، فوافق “عبد الناصر” على ذلك وعاد إلى الحكم.

التفريط في السودان 

عندما حاول “جمال عبد الناصر” إعادة العلاقات التي تدهورت بسبب عزل “نجيب” وبسبب السياسة الفاشلة التي اتبعها “صلاح سالم” مع السودانيين بالسَّبّ والرشوة والاحتقار، فقد سأل “عبد الناصر” السودانيين عن سبب التعنت وكأنه لم يكن يعرف، فأجابوه: “نجيب! ولما قال لهم جمال عبد الناصر: إن نجيب فرد، والفرد زائل، والعلاقة المتينة بين البلدين خالدة، كرّروا: نجيب، وفقد عبد الناصر أعصابه وقال: ليس معقولاً أن نضع فرداً في كفّة وعلاقة بين شعبين في كفة أخرى. قالوا له: إننا جعلنا من نجيب رمزا لوحدة الوادي شماله وجنوبه وأنتم حطّمتم هذا الرمز”.

حتى لحظة عزل “نجيب” لم يقبل أن يُعلن الاستقالة بسبب السودان، يقول “نجيب”: “عندما دخل عبد الحكيم عامر وحسن إبراهيم ليُبلغاني يوم 14 نوفمبر 1954م بقرار إعفائي من رئاسة الجمهورية قلت لهما في وضوح: بصراحة أنا لن أستقيل.

فسأل عبد الحكيم عامر: لماذا؟ قلتُ: حتى لا يُنسب إليّ يوماً أنني كنتُ السبب في انفصال مصر عن السودان، وفي الحقيقة أنا تحمّلت كل ما جرى لي بعد تمكّن عبد الناصر من السلطة بعد أزمة مارس 54 حتى لا تؤثّر استقالتي على نتيجة الاستفتاء حول الوحدة مع مصر في السودان، خاصة أن الحزب الوطني الاتحادي الذي كان يؤيد الاتحاد والوحدة مع مصر قد فاز في الانتخابات، لكن عبد الناصر ورجاله في مجلس الثورة لم يكن يشغلهم في ذلك الوقت موضوع السودان، كان كل ما يهمهم هو كيف يمكن إزاحتي والتخلّص مني”.

ولم يكن “نجيب” مبالغاً حين قال: “إن استقالتي كانت تعني انفصال السودان عن مصر”، فقد هبّت صحف السودان وسياسيّوها مؤيدهم ومعارضهم في وجه الموقف المخزي لعزل “نجيب”، وإلقائه في الإقامة الجبرية بصورة مهينة، وراحت الصحف السودانية تصف كلاً من “صلاح سالم” ومجلس قيادة الثورة بأنهم “فاشيون”، بل قالوا: “نفرض أن وحدة تمّت بشكل ما بين وادي النيل، فما الضمانات التي تكون لدى زعمائنا وأي فرص لهم مع هؤلاء المتنمرين المتعطشين للسلطة”.

كان “صلاح سالم” مع تقلّده لملف السودان يتولّى زمام وزارة الإرشاد القومي، أي وزارة الإعلام في وقتنا هذا، وكانت استراتيجيته أمام اشمئزاز السودانيين من سياسة “عبد الناصر” ومجلس قيادة الثورة تقوم على شراء الذمم بالمال، وعلى التهديد والشتم من خلال الإذاعات والإعلام المصري الذي كان يديرهم، وكلتا السياستين ساهمت في تعميق الأزمة، وزادت الشّروخ، للدرجة التي اضطر فيها “إسماعيل الأزهري” الرجل الذي طالما تحمّس للوحدة، وجاء به السودانيون رئيساً للوزراء، اضطر ألا يتكلّم عن ملف الوحدة من جديد خوفاً من أن يشهّر به، أو يظن به أنه يُشترى بأموال “صلاح سالم”.

وهكذا، ضاعت السودان بفعل جهل “صلاح سالم” بالتعامل مع السودانيين، حتى اضطر المتحمسون للوحدة – وكانوا أغلبية – إلى أن يتواروا إلى الظل خجلاً من هذه الأفعال المُشينة، وانفصلت السودان في النهاية، وكان من الغرائب بعد ذلك أن تسعى مصر “عبد الناصر” و”عبد الحكيم عامر” إلى الوحدة مع سورية، القُطر الأبعد جغرافياً، وفي هذا الملف فقد فشلت فشلاً ذريعاً!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق