بعد حملة “باطل”.. هل يتغير وضع المعتقلين السياسيين بمصر؟

تصاعدت وتيرة الانتهاكات الممارسة ضد المعتقلين على خلفية سياسية خلال احتجازهم داخل السجون دون مساءلة عادلة لأي من الضالعين في تلك الانتهاكات، التي تُمارَس بشكلٍ شبه يومي في مختلف السجون المصرية، وتزيد وطأتها وحدّتها على المعتقلين في سجن “العقرب” الموجود بمجمع سجون “طرة” – سيئ السمعة -، حيث إن عدداً كبيراً من الموجودين داخل السجن مصابون بأمراض مزمنة تستوجب إجراء جراحات وعمليات عاجلة ومتابعة طبية خاصة إلا أن إدارة السجن تتعنّت في إجراء تلك العمليات. 

ومن هنا شهدت مصر إطلاق حملة “باطل” الجديدة، التي تطالب بالإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين، وإنهاء العمل بالقوانين المقيدة للحريات، خاصة قانوني “الطوارئ” و“التظاهر”.

وطالبت حملة “باطل” بوضع رقابة حقوقية فورية ومستمرة على السجون ومقار الاحتجاز في مصر التابعة للشرطة والجيش.

وتطالب الحملة على موقعها الإلكتروني الجديد، والمتوقع حجبه مثل سابقيه: “بالإفراج عن 100 مليون مصري مسجونين من قِبل النظام العسكري المستبدّ في مصر، والإفراج عن المعتقلين السياسيين والمختفين قسرياً”.

ودعت إلى: “المطالبة بالرقابة الدولية الفورية والمستمرة على كل سجون مصر ومراكز الاعتقال والتعذيب التابعة للشرطة والجيش”.

وحثّ ناشطون وروّاد مواقع التواصل الاجتماعي، على التدوين على وسم #باطل؛ للتضامن مع الحملة، وقد جاء على حساب الحملة على “تويتر”: “‏‏شاركونا التصويت وقولوا معانا سجن مصر ‎#باطل“.

كما طالبت بالرقابة الدولية الفورية والمستمرة على كل سجون مصر ومراكز الاعتقال والتعذيب التابعة للشرطة والجيش.

وأطلقت الحملة، عريضة تحت شعار “باطل سجن مصر”، دعت فيها لإنهاء معاناة نحو 60 ألف معتقل سياسي، بينهم فتيات وقُصّر ومختفين قسرياً، مؤكدةً أن المعاناة لم تعد تقتصر على السجناء بل باتت تشمل كافة المصريين.

توقعات بتزايد “وفيات” المعتقلين مع استمرار الإهمال الطبي

وفي هذا السياق، أعربت العديد من أسر المعتقلين عن خشيتهم على حياة ذويهم مع انتهاج سلطات السجون المصرية سياسة الإهمال الطبي المتعمد مع المعارضين المعتقلين، خاصة قيادات جماعة “الإخوان”.

وكان عدد من أسر أعضاء مكتب الإرشاد وقيادات جماعة “الإخوان المسلمين” وحقوقيون، قد تحدثوا عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن خشيتهم على حياة ذويهم، خاصة مع دخول أغلب المعتقلين في سجن “طرة” بإضراب عن الطعام عقب وفاة الرئيس الراحل “محمد مرسي”.

وتستخدم سلطات السجون طريقة إهمال المطالب الطبية للمعتقلين المرضى وعلاجهم من الأمراض المزمنة أو الأمراض الخطيرة والمستعصية التي أُصيبوا بها داخل السجون، وذلك رغم صدور قرارات عدة من المحكمة بإخضاعهم للفحص الطبي، مما يؤدّي إلى تدهور صحتهم ووفاتهم.

كذلك تمنع السلطات إدخال العلاجات والأدوية التي يطلبها المعتقلون من ذويهم، حيث إن سلطات السجن لا توفر أي رعاية طبية لهم ما يضطرهم لطلبها من ذويهم، ورغم ذلك يتم منع إدخالها ما يؤثر على صحة المعتقلين ويُكبّد أسر ذويهم تكاليف العلاج المهدور.

ورغم إعلان العديد من أسر المعتقلين عن استعدادهم لدفع كافة تكاليف ونقل ذويهم إلى المستشفيات الخارجية لتلقّي العلاج اللازم، إلا أن سلطات السجن أيضاً ترفض ذلك.

هل يطلق انتحار المعتقلين جرس إنذار عن كوارث السجون المصرية؟

وحذّرت مراكز حقوقية واستشاريون نفسيون من تزايد حالات الانتحار بين المعتقلين السياسيين بمصر، خلال الأشهر الماضية، التي كان آخرها، المعتقل السياسي “خالد حسن” – الذي يحمل الجنسية الأمريكية – نتيجة الضغوط الأمنية والنفسية التي تعرَّض لها مؤخراً.

وكان من بينها رفض السلطات المصرية منح زوجته وابنته تأشيرة دخول بمطار القاهرة؛ لزيارته في محبسه.

وسبقت حالة “حسن”، حالة أخرى للمعيد بجامعة طنطا “أسامة مراد”، الذي استطاع زملاؤه المعتقلون بسجن “طرة تحقيق” إنقاذه في اللحظات الأخيرة، بعد أن قام بقطع شرايين يده؛ اعتراضاً على المعاملة المهينة التي يتعرّض لها من إدارة السجن، والضغوط النفسية التي تمّت ممارستها ضده قبل عملية الانتحار التي جرت في إبريل الماضي.

وكان مركز النديم لمناهضة العنف والتعذيب أكد أن “خالد حسن” (41 عاماً)، استغلَّ انشغال زملائه المعتقلين في الزنزانة نفسها بسجن “طرة تحقيق”، وحاول الانتحار يوم الإثنين الموافق 29 من يوليو الماضي، بقطع في معصمه الأيسر، وقد تم إسعافه بمستشفى السجن، بعد استغاثات أطلقها زملاؤه.بعد حملة "باطل".. هل يتغير وضع المعتقلين السياسيين بمصر؟ المعتقلين

ووفق بيان للمركز، فإن “حسن”، يعاني من ضغوط نفسية عنيفة خلال الأشهر الماضية، وكان يتناول أدوية مضادة للاكتئاب قبل اعتقاله، وقد زادت الضغوط النفسية بعد منع الزيارة عنه منذ شهرين.

كما قامت السلطات المصرية باحتجاز زوجته (أمريكية)، وابنته بمطار القاهرة أكثر من مرة، ومنعتهم من دخول مصر لزيارته في محبسه.

ويواجه “حسن” اتهامات بالانتماء لـ “تنظيم الدولة”، والتخابر مع دولة أجنبية، وتمويل جماعات إرهابية، والتخطيط لعمليات عسكرية، كما تعرَّض للتعذيب بمقر الأمن الوطني في أثناء اختفائه القسري لمدة 5 أشهر، بعد اعتقاله في يناير 2018.

شهادة من الداخل

وفي شهادة خاصة يؤكد المعتقل السابق “أحمد جمعة”، أن الانتحار أصبح وسيلة تعبير صامتة في المعتقلات؛ نتيجة الضغوط التي يتعرّض لها المعتقلون، سواء المعاملة السيئة من مسؤولي السجون، أو الأحكام القاسية، أو بسبب الإهمال الطبي، فضلاً عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تتعرّض لها أسرته خارج السجن.

وحسب “جمعة” الذي قضى فترة من اعتقاله بسجن “طرة تحقيق”، فإن عيادة النفسية والعصبية بالسجن، هي الأكثر من حيث الإقبال بالنسبة للمعتقلين، ولكنها عيادة عقيمة تزيد من سوء الحالة النفسية للمعتقل، ولا تساعد في علاجها.

حيث لا يستخدم الطبيب المعالج سوى نوعين أو ثلاثة من المهدئات العصبية والنفسية، ولا يُوفّر وقتاً للاستماع للمعتقلين؛ نظراً لكونه طبيباً واحداً يُعالج كل المعتقلين بمجمع سجون “طرة”، الذي يصل عددهم لبضعة آلاف.

وعن الضغوط التي يُمكن أن تدفع المعتقل للانتحار، يوضح المعتقل السابق، أن أخطرها منع الزيارة وعزل المعتقل عن العالم الخارجي.

بالإضافة للعقوبات القاسية التي تفرضها إدارة السجن على المعتقلين بسبب أو دون سبب، ومعاملة المعتقلين باعتبارهم رهائن أو أسرى حرب، ليس لهم حقوق لدى السجن.

وطالب “جمعة” بضرورة التحرك الحقوقي لإنقاذ زملائه المعتقلين الذين يعيشون في ظروف أمنية ومعيشية وطبية واجتماعية واقتصادية سيئة ومميتة.

قتل بطيء

ووفق رأي الاستشاري النفسي “عمر الواحاتي” فإن الإجراءات القمعية التي يتعرّض لها المعتقلون في السجون، تساعد على تدنّي الحالة النفسية، ولذلك لا يجب التعامل مع الحالات التي أقدمت على الانتحار، باعتبارها شخصيات ضعيفة لم تتحمّل الضغوط النفسية والعصبية التي تفرضها أوضاع السجون، وإنما يجب التعامل معهم باعتبارهم النموذج الذي يريد نظام الانقلاب العسكري برئاسة “عبد الفتاح السيسي” الوصول إليه.

ويشير “الواحاتي” الذي يقوم بالتأهيل النفسي لعدد من المعتقلين السابقين وأسرهم، إلى أن الإجراءات التي تنفذها سلطات الاحتجاز مع المعتقلين داخل السجن، والإجراءات التي تقوم بها السلطات الأمنية مع أهاليهم خارج السجن، لابد أن تؤدّي في النهاية لأزمات نفسية تحتاج لسنوات عديدة لعلاجها، وهو ما يعني في النهاية أنها إجراءات مقصودة لتحطيم المعتقلين داخل السجن وخارجه.

وعن الإجراءات الطبية النفسية المتبعة في السجون، يوضح الاستشاري النفسي، أنها لا تختلف عن الإجراءات الطبية الأخرى، التي بسببها توفي الرئيس “محمد مرسي” وغيره من المعتقلين.

وهي تُترجم في النهاية هدف النظام العسكري بالقتل البطيء للمعتقلين، سواء بالإهمال الطبي المتعمد في الأمراض العضوية، أو بزيادة الضغوط النفسية وغياب العلاج المناسب للأمراض النفسية والعصبية.

الإهمال الطبي قتل عمد

وتوقَّع الصحفي “حسام الوكيل” في حديث خاص لـ الثورة اليوم “استمرار ظاهرة الإهمال الطبي مع استمرار حبس المعتقلين منذ 6 سنوات بدون أي رعاية طبية وظروف حبس قاسية ممرضه للغاية”.

وأضاف “الوكيل” أن: “أمن الدولة يتعمّد الإيذاء الصحي للمعتقلين بمنعهم من التريّض والطلوع في الشمس”، موضحاً “وبالتالي أتوقّع وبشدة تزايد وتيرة الوفاة بالإهمال الطبي، وهذه أنا أُصنفها حالة من حالات “القتل العمد””.

وفي حديثه عن حالات الانتحار داخل السجون قال “الوكيل”: “دي حاجة مانقدرش نتوقعها، والفيصل فيها هو قدرة الثوار والعاملين خارج السجون على التعبير عن الناس المعتقلة والدفاع عن حقوقهم”.

وأردف: “حالات الانتحار ناتجة عن حالات اليأس؛ لأنه خلاص هيقضي عمره داخل السجن، فبيحاول يتخلّص من حياته حتى يستطيع التخلص من السجن”.

وتابع: “اللى يقدر يقول حالات الانتحار هتزيد أو تقل هما السياسيين والنشطاء، إنهم يقدروا يتجمّعوا لهدف واحد وهو “تحرير المعتقلين” أو يعملوا حملات قوية زي “باطل” وغيرها، ويقدروا ينزلوا بيها على أرض الواقع”.

الحملات تجدد الأمل

وتصوَّر “الوكيل” لحملة “باطل” أنها سيكون لها أثر كبير جداً سواء على المعتقلين أو على النظام العسكري.

ولفت “بالنسبة للمعتقلين أنا كنت معتقلاً وأعرف جيداً الحالة التي يعيشها المعتقلون ومدى تأثير الحملات عليهم”، مضيفاً “المعتقلون يشعرون بحالة من الانتصار وتجدّد الأمل أنه لا زالت هناك مساحة من مساحات الكر والفر، وأنه ما زال هناك من يطالب بحقوقهم”.

أما بالنسبة للنظام العسكري فقال: “أي شيء يفضح العسكر أمام النظام الدولي يؤثر عليه بالطبع، خاصة أنه يعاني من معضلة عدم شرعية، وبالتالي أي انتهاكات يتم تسليط الضوء عليها تُمثّل له إحراجاً شديداً وضغطاً”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق