العيد في بقعة أخرى “وراء الشمس”.. عيدهم في الزنزانة

تأتي أيام العيد فيتجهّز الأطفال بملابسهم الجديدة، يستعدون للخروج صباحاً إلى صلاة العيد، لينطلقوا مع آبائهم وأمهاتهم بعدها إلى الحدائق أو زيارات الأهل؛ صلةً للرحم، ويعدون العدة لشراء الألعاب بالعيدية المُقدمة لهم من آبائهم الذين ينتظرون تفرغهم في تلك الأيام لقضاء الوقت معهم، فهي أيام خاصة تمتلئ بالبهجة والسعادة. إلا أن هناك عدداً غير بسيط من الأسر الذين تأتيهم أيام العيد بفرحة مشوبة بالحزن والافتقاد للمغيبين خلف الأسوار. 

فبين فرحة اللقاء وقسوة الاعتقال ومنع الزيارة والصعوبات التي تقابلهم في أيام العيد، جاءت كلماتهم المحملة بالألم والشوق لعيد مختلف خارج أسوار السجون.

شعور بالفرحة ممزوج بحالة من الحزن والقلق وألم مستمر حتى الساعات الأولى من يوم العيد من أن يُصادف العيد فترة تعنّت وتضييق من قِبل إدارة السجن على المعتقلين، التي سبق أن أدّى انتهاجها في أعياد سابقة إلى ألم نفسي شديد لدى المعتقلين وأهاليهم.

مأساة العيد بالسجون 

أكد أهالي المعتقلين السياسيين أن ذويهم يعانون في السجون المصرية من أزمات مزدوجة خلال الاحتفال بالأعياد.

حيث أشارت احد زوجات المعتقلين إلى ثلاث مشكلات رئيسية، الأولى عدم السماح لهم بالخروج من زنازينهم، والثانية متعلقة بحديث الذكريات والشوق للأهل والأبناء.

يضاف إلى ما سبق أزمة ثالثة للقيادات منهم، وهي التعنّت الذي يحدث بين الحين والآخر من إدارة السجن تجاههم.

وتروي “إيمان إسماعيل” – زوجة أحد المعتقلين بسجن “العقرب” – مأساتها مع السجن في العيد، موضحةً أن الأصل في زيارات “العقرب” أنها ممنوعة حتى في الأيام العادية، وبالتالي فالزيارة الاستثنائية التي يقررها وزير الداخلية لا تسري على “العقرب”.

وأكدت في تصريحات صحفية أن زوجها مَرَّ عليه ثمانية أعياد بالسجن، ولم تتمكّن من زيارته في أي عيد منها، وحتى المرة التي وافقوا فيها على زيارة استثنائية، سمحوا بدخول 10 أسر فقط، ورفضوا دخول باقي الأهالي، خلاف ما يحدث في باقي السجون، التي تستمر فيها الزيارة الاستثنائية لمدة شهر.

وتضيف “إسماعيل” أنها اعتادت الاحتفال مع باقي أسر المعتقلين بالعيد أمام بوابة السجن الرئيسية، حيث ينظمون صلاة العيد، ويوزعون الحلوى والبالونات على الأطفال، وهي البالونات المكتوب عليها أسماء المعتقلين، مشيرةً إلى أن المعتقلين غالباً لا يعرفون بهذه الاحتفالات إلا بعد مرور عدة أسابيع أو أشهر عليها، عندما يسمحون لهم بالزيارة.

شهادات مأساوية للمعتقلين 

روى عدد من المعتقلين السابقين، معاناتهم في الأعياد التي مرَّت عليهم وهم داخل السجون، وحرمان أهاليهم من زيارتهم والشعور بفرحة العيد معهم.

ووصف المعتقل السابق “عبده الفيومي” أول عيد قضاه بمحبسه، بأنه كان الأكثر قسوة عليه، حيث تذكّر أهله وأبناءه وأصدقاءه، وطقوسه الخاصة في الاحتفال بالعيد، والتي كان أهمها الحرص على صلاة العيد بين أهله في قريته التي تبعد عن القاهرة 120 كيلو متر.

وأشار “الفيومي” في تصريحات صحفية أنه اعتقل قبل عيد الفطر لعام 2016، بعدة أشهر، وعندما اقترب العيد ظنَّ أنه قد اعتاد السجن، ولكن الأمر كان مغايراً عندما تذكّر تفاصيل هذا اليوم، الذي قضاه للمرة الأولى خلف القضبان، وخاصة صلاة العيد، التي حُرم منها لعامين ونصف، قضاهم بسجون الانقلاب العسكري؛ لمعارضته رئيس الانقلاب “عبد الفتاح السيسي”.

وأضاف قائلاً: “العيد يختلف من سجن لآخر، ولكن ما تشترك فيه كل السجون أنها تكون مُغلقة بشكل كامل طوال عطلة العيد، سواء كانت يومين أو ثلاثة؛ بحجة أن الضوابط الأمنية تمنع خروج المعتقلين من الزنازين بالعطلات الرسمية، وهو ما يُشكّل عبئاً إضافياً على المعتقل؛ لحرمانه من الشمس والتهوية لعدة أيام”.

قسوة الانفرادي 

وفي تجربة أخرى يستذكر المعتقل السابق بسجن “العقرب” “أبو مصعب سعيد“، أول عيد له بالسجن، وكان عيد الفطر لعام 2015، مشيراً إلى أنه وصل لسجن “العقرب” بعد مرور عدة أيام من بداية رمضان، وكان السجن مغلقاً وممنوعاً عنه الزيارة، وتم إلحاقه بعنبر الدواعي الأمنية، والذي كان بمثابة سجن آخر داخل السجن.

ويقول “أبو مصعب”: إن زنازين “العقرب” مُخصّصة للانفرادي، ولكن اقتصر ذلك على عنبر 2 الخاص بقيادات “الإخوان”، وجزء من عنبر 4، وهو المخصص للدواعي الأمنية. بينما باقي الزنازين، يمكن أن يكون بها فردان أو ثلاثة، موضحاً أنه ظلَّ انفرادياً في عنبر الدواعي لتسعة أشهر، حتى تم نقله لزنزانة أخرى بها اثنان من المعتقلين.

وأضاف، أن هذا العام تحديداً كان الأكثر قسوة وظلماً على المعتقلين، وخاصة بعد مقتل النائب العام السابق “هشام بركات”، حيث أطلقت مصلحة السجون يد ضباط السجن لتعذيب المعتقلين بمختلف الطرق، سواء بمنع وجبات الكافيتريا، أو تقليل كميات الأكل الميري، والتجريدات المستمرة، والضغط النفسي والانتهاكات الجسدية التي حدثت للعشرات من المعتقلين، ما جعل العيد صعباً على جميع من حضره بهذا السجن.

“لا عيد في العقرب” العيد في بقعة أخرى "وراء الشمس".. عيدهم في الزنزانة العيد

تتعدّد السجون في مصر وتختلف كل زيارة عن الأخرى باختلاف المكان والمعتقلين بداخله، ويأتي سجن “العقرب” (شديد الحراسة) على رأس السجون المصرية ذات الانتهاكات الشديدة ضد المعتقلين.

وعنه تقول إحدى بنات المعتقلين بسجن “العقرب”: “مرَّت 4 سنوات ولم أحضر عيداً مع أبي، لا خارج السجن ولا داخله، فسجن العقرب شديد الحراسة ممنوعة فيه الزيارة، ولا استثناء حتى في المناسبات. ويوم العيد بالنسبة لي هو اليوم الذي سأرى فيه والدي دون حواجز وأطمئن عليه وأستطيع لمسه واحتضانه، لكن هذا لا يحدث أبداً في العقرب”.

وتضيف في تصريحات صحفية “لا يأتي العيد أصلاً، فكل عيد في العقرب لا معنى له. مصر كلها أصبحت سجناً أما العقرب فهو مقبرة”.

وتحكي قائلةً: ”رابع سنة على التوالي ولا تفتح لنا زيارة العيد في العقرب، وخلال الأربع سنوات فتحت مرة واحدة فقط لـ 20 فرداً صادف يوم العيد زيارتهم الشهرية، وللأسف لم أكن منهم، أربع سنوات دون عيد أو زيارة نرتوي فيها من آبائنا في العقرب”.

“العيد هو الزيارة” 

وتقول “سارة أحمد” – زوجة أحد المعتقلين – في تصريحات صحفية: “الوضع أفضل في سجون أخرى، حيث تفتح الزيارة يوم العيد”. وعن العيد وزيارة السجن في أول أيامه تقول: “زوجي في العيد يجتهد لجمع البالونات بألواننا المفضلة أنا والأولاد، ويهدينا إياها حين نذهب لزيارته، ومعه بعض الشيكولاتة يوزعها علينا وعلى الأطفال الموجودين في المكان”.

وتابعت “الزيارة يوم العيد تختلف عن الزيارات العادية، بتفاصيلها الصغيرة التي تُشعرنا بقليل من البهجة حتى لو في السجن”.

وتشاركها الحديث “منى أحمد” قائلةً: “العيد هو الزيارة، وهي مختلفة عن الزيارات الأخرى، حين يحين دورنا وندخل، نفاجئ بأن المساجين قاموا بتزيين المكان وعلقوا البالونات وأعدوا الهدايا البسيطة للأطفال، ويحرصون على إعطائنا العيدية كما لو كانوا معنا بالخارج، وتلك الدقائق البسيطة بينهم هي التي تُهوّن علينا كثيراً وحشة العيد في الخارج من دونهم”.

“انتظار بطعم المرار” 

وأعربت أسرة المعتقل “بدر الجمل” – المحكوم عليه بالإعدام في قضية “108 عسكرية” التي تعود أحداثها إلى عام 2015 – عن حزنها الشديد لغياب نجلهم.

وقالت في تصريحات خاصة لـ “الثورة اليوم“: “كل أفراد الأسرة متأثرة بغيابه، ونخشى في كل يوم تنفيذ حكم الإعدام به، ولا يمكن وصف شعور والدته وإخوته وزوجته الذين يعيشون الخوف والرعب في كل دقيقة وساعة ويوم منذ صدور الحكم بحقه”.

وتضيف أسرته: “في كل يوم ننتظر خروجه، وخروج كل مظلوم من ظلام الحبس والعودة إلى منازلهم، وحضن أسرهم الذين اشتاقوا لهم، فلا الأيام أيام ولا الأعياد أعياد بدونه”.

وأردفت “كل جريمته إنه عمل فرح وحَبّ يفرّح عروسته ويحضر معاها اللحظة دي، اتخطف من جنبها واختفى قسرياً، وبعد كدة اتلفق له قضية عسكرية اتحكم عليه فيها بالإعدام”.

صلاة العيد وتقسيمات المساجين 

وفي تعليقه على العيد بالسجون قال المحامي والحقوقي “أحمد عبد الباقي” في تصريحات صحفية: إن لوائح السجون لا يتم تطبيقها على المعتقلين السياسيين، وخاصة السماح لهم بصلاة العيد بشكل جماعي وبحضور أحد أئمة الأزهر، مثلما يحدث مع المسجونين الجنائيين، خاصة وأن كل سجن به مسجد وملعب كبير يمكن أداء صلاة العيد فيه.

وأضاف “عبد الباقي” هناك فئة ثانية بدأت تظهر في ملف المعتقلين، وهم الفئة التي تم إخلاء سبيلها ولكنها تخضع لإجراءات احترازية تجعلهم متواجدين بأقسام الشرطة 12 ساعة متصلة، ما يجعل العيد لديهم منقوصاً رغم أنهم بالاسم فقط “غير معتقلين”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق