“غوانتانامو” و”أبو غريب” و”جهنم”.. هنا سجن “العزولي”

“ربما تكون تلك الشهادات غير صالحة لذوي القلوب الضعيفة، وأنها تُمثّل جزءًا بسيطًا من واقع آلاف المعتقلين في سجن لا يعرف المصريون عنه سوى أقل القليل”. 

يقول الناجون من سجن “العزولي” بأنهم “العائدون من الموت”، فمن يدخل هذا المعتقل يُخبره السجانون أنه وصل إلى “جهنم” أو “المقبرة”، فيما يُسمّيه آخرون بـ “غوانتنامو” أو “أبو غريب” مصر.

“العزولي” تابع للعسكر 

يقع سجن “العزولي” بقلب معسكر الجلاء العسكري بمحافظة الإسماعيلية، تحت إدارة القوات المسلحة المصرية بالكامل، فهو في الأصل سجن عسكري للمنتسبين للجيش، بالإضافة لاستخدامه كمعتقل للسياسيين.

ويمثل “العزولي” نقطة سوداء في تاريخ القمع بمصر، فالمعتقلون الناجون منه يُعبّرون عن سوء الوضع فيه قائلين الجملة الشهيرة: “الخارج منه مولود، والداخل فيه مفقود”، بينما يشير حقوقيون إلى أن ما يُمارَس فيه من انتهاكات خارج حدود القانون والعقل.

رحلة من الموت للحياة 

نقل لنا “ع. ج” ما أسماه برحلته من “الموت للحياة”، واصفًا لعامين قضاهم داخل “العزولي” عقب اختطافه من مطار القاهرة دون تهمة أو سبب واضح، على حد قوله، مشيرًا إلى أنه بمجرد وصوله لمعسكر “الجلاء” خاطبه سجانوه قائلين: “أهلًا بك في جهنم”.

وصل “ع. ج” لـ “العزولي” بعد قضاء أيام قليلة في مبنى أمن الدولة الشهير بـ “لاظوغلي” في القاهرة، وعلى الرغم من سُمعة “لاظوغلي” السيئة إلا أنه يصف اعتقاله بمقر أمن الدولة بالنعيم مقارنة بما عايشه في “العزولي”.

“التشريفة” في جحيم “العزولي” 

بدأت رحلة التعذيب بمجرد الوصول لمعسكر “الجلاء”، حيث توقّفت السيارات التي تقلّ “ع. ج” في المعسكر أولًا من أجل وصلة من التعذيب أو ما يُسمّى “التشريفة”، وهي عبارة عن حفلة من الضرب والسّباب بمختلف الوسائل سواء باليد أو بالأحذية “البيادات” العسكرية أو بأطراف الأسلحة.

وتكرَّرت “التشريفة” ثلاث مرات أخرى في “العزولي” تحوَّل على إثرها “ع. ج” إلى جثة، على حد وصفه، مشيرًا إلى أن طبيب السجن اعتقد أنه توفّى من شدة الضرب، وطلب نقله للمشفى عقب اكتشافه أنه ما زال على قيد الحياة، مضيفًا أن ذلك الطلب قُوبل بالضحك من المُرافقين له من الضباط، وقولهم: “ما يموت”، مُرفقين ذلك بوصلةٍ من السّباب والضرب.

“العزولي” من الداخل 

يتكوّن “العزولي” من مبنيين، مبنى إدارة، ومبنى السجناء، ويتكوّن مبنى السجناء من ثلاثة طوابق، تم تخصيص الدور الأرضي للعسكريين المحبوسين على ذمة قضايا عسكرية، فيما تخصّص باقي الطوابق للمدنيين.

ووصف “ع. ج” الأدوار قائلًا: إن الدور الأول علوي به جزء يُسمَّى “المربع”، وهو يتكوّن من أربع غرف “زنازين” تم تقسيمهم بشكل مُربّع، حيث يتكوّن من زنزانتين تقابلهم زنزانتين، وبينهما “منور”، كما يوجد جزء آخر يُسمّى “الأتوبيس”، وهو عبارة عن 4 غرف بمستوى واحد والخامسة أو الرابعة بابها نهاية الطرقة.

وتابع أن بقية الزنازين زنازين انفرادية، مشيرًا إلى أن كل دور من الأدوار الثلاث به مجمع حمامات، إلا أنه غير مسموح للمعتقلين باستخدامه على الإطلاق.

وتابع: يضمّ السجن حوالي 24 زنزانة عادية، و12 زنزانة انفرادية، الزنزانة الواحدة تضم ما لا يقل عن 25 معتقلاً، ترتفع وفقًا للضغط، وأوضاع السجون، وحجم الزنزانة تقريبًا 4 × 6″.

أما الزنازين الانفرادية فلا تزيد عن متر في مترين، لافتًا إلى أنه كان لا يستطيع فَردَ قدمه فيها سواء بالطول أو بالعرض، مضيفًا أنه في بعض الأحيان كان يتم وضع ثلاثة أو أربعة معتقلين بداخلها.

وأشار “ع. ج” إلى أن “العزولي” في الأصل سجن عسكري مُخصَّص للعسكريين إلا أنه يتم تخصيص الدور الأرضي للعسكريين ووضع المدنيين في الدورين الباقيين.

التصفية في “العزولي” "غوانتانامو" و"أبو غريب" و"جهنم".. هنا سجن "العزولي" سجن

وأضاف “ع. ج” إلى انتهاكات داخل “العزولي” تمثَّلت في جريمة التصفية والقتل خارج إطار القانون، قائلًا: “المعتقلون داخل العزولي غير معترف بوجودهم في الأصل، وليسوا على قوة أي جهة في مصر، مما يجعل قتلهم والتخلص منهم أمر سهل”.

ونقل عدداً من حوادث التصفية للمعتقلين التي عاصرها قائلًا: “كنت معتقلاً مع 4 أشخاص أخدوهم في يوم من بيننا، وقتلوهم وقالوا: إنهم إرهابيين تم قتلهم؛ بسبب تبادل النيران”.

ولفت لحالة أخرى شاهدها بنفسه، حيث تم قتل أحد المعتقلين أمام عيني أثناء التحقيق معه بطلقة في رأسه، وقال: “إحنا أصفار منسواش شيء في هذا المعتقل”.

سجون سرية في “العزولي” 

تحدّثنا مع “ع. س” أيضًا والذي قضى عام وشهران بـ “العزولي”، فنقل لنا ما لقاه من “أهوال” – على حد وصفه – داخل السجن قائلًا: “كان يتم معاملتنا على أننا إرهابيين، وكنا نتمنَّى أن نُعامَل معاملة الحيوانات فحسب”.

وتابع “ع. س” أن “هناك داخل سجن العزولي مبانٍ مُخبّأة “سرية”، لا يعرف أحد مكانها تحديدًا، والذي يضم زنازين العسكريين”، لافتًا إلى أن تلك السجون تضم عدداً كبيراً من المختفين قسرًا.

وتابع “إحنا عرفنا إن فيه 3 سجون مخبأة داخل المعسكر، لا يستطيع أحد تحديد مكانها؛ لأن المعسكر كبير جداً، حوالي 10 كم طول و10 كم عرض، وإحنا كنا بنطلع من المكان ده متغمّيين ومتكلبشين، وبنرجع متغمّيين”.

المحاكمة فرصة وحيدة للخروج من المقبرة 

وأشار “س. ج” إلى أن المعتقلين بـ “العزولي” تُقابلهم فرصة في بعض الأحيان للخروج لساعات من “المقبرة” على حد وصفه، وذلك حال نزولهم محاكمات قائلًا: “اليوم ده بالنسبة لنا رحلة ترفيهية حتى موعد العودة للقبر الذي تم حبسنا فيه”.

وأضاف “كان بيتم نقلنا الساعة 10 الصبح للمحكمة، ونحضر الجلسات، وفي بعض الأحيان نرى أسرنا لو تمكّنوا من الدخول لحضور المحاكمة، ويا سلام لو حد منهم غامر وتمكَّن من إدخال أي أكل بيكون عمل إنجاز خارق”.

القتل البطيء 

وعلى الرغم من تأكيد “ع. س” وجود تصفيات كثيرة في “العزولي” إلا أنه أكَّد أن الأمر لا يقتصر على القتل المباشر، ولكن يُعدّ الموت البطيء – نتيجة المنع من العلاج – أحد أبرز الجرائم هناك.

حيث قال: هناك حالات قتل بسبب التعذيب، وأيضًا بسبب منع الدواء عن المرضى، من تلك الحالات الحاج “فرج السباعي” الذي كان أصدقاؤه يحملونه لقضاء حاجته لسوء حالته الصحية، وانتهت حياته بين أيدي أصدقائه؛ بسبب الإهمال وعدم العلاج”.

أساليب التعذيب 

نقل “ع. م” أيضاً شهادته عن “العزولي”، والتي ركز فيها على التعذيب وما تعرّض له خلال ثلاثة أشهر قضاها فيه، والتي بدأت مع وصوله لمعسكر “الجلاء”، حيث أمر الضابط المسؤول عن التحقيق معه بنزع ملابسه بأكملها عنه ونقله لغرفة التعذيب، واستخدام العصي الكهربائية في الاعتداء عليه والسَّبّ بالأب والأم، والضرب بحزام جلدي أو “جِلْدة” مخصصة لهذا الغرض، واستمر التعذيب بهذا الشكل لمدة تصل 6 ساعات هي مدة التحقيق معه.

بعد التحقيق سُمِح لـ “م. ع” بارتداء ملابسه، ونُقل من معسكر “الجلاء” لـ “العزولي”، وتعرَّض هناك للضرب مرة أخرى، حيث قال: “قام 5 عساكر على الأقل بضربي بـ “الخرزانة والكهربا”، وأنا ف النص قعدوا حوالي نصف ساعة متواصلة، ثم قاموا بإدخالي للمبنى وتسكيني بعد وصلة تعذيب أخرى في الزنزانة رقم ١٤”.

وَاصَلَ “م. ع”: عقب ساعات من تسكيني تم استدعائي للتحقيق مرة أخرى، وتعرَّضت خلالها لأشكال أخرى من التعذيب، حيث تم استخدام “الشواية”، وبعدها التعليق على الباب، وطبعًا إيدي بتكون مربوطة خلفي”.

وأشار إلى أن تلك المرحلة كانت تتكرَّر مرتين في اليوم على مدار 5 أيام، مضيفًا “وآخر مرحلة في التعذيب داخل مبنى (س 11) كان الضابط بيخرجني وأنا من غير هدوم بره المبنى ويرمي عليّا جردل ماية مغليّة، وبعدها علطول ماية ساقعة، ويدخّلني المبنى بعدها ويبدأ يكهربني”.

للقتل صور أخرى 

وأشار إلى أن التعذيب كان أحد وسائل القتل العديدة في “العزولي”، مشيراً لحادثة وفاة الرجل الستيني “العم شتيوي“، والذي كان معتقلاً من شمال سيناء، ووصل لـ “الكتيبة ١٠١” مُغطَّى بالدماء؛ نتيجة للتعذيب.

تابع “ع. م” أن “العم شتيوي” أخبره أن الضابط “كان بيسخّن سيخ حديد على النار، وكان بيطفيه في ظهره، وكان تحت عينه أثر ضرب مُبرح جدًا، لدرجة إن عينه من كتر الورم مكنتش ظاهرة”، وتوفي “عم شتيوي” بعد ٩ أيام من وصوله للكتيبة؛ نتيجة لعدم توفر العلاج والإهمال والتعذيب.

غياب الحقوق الأساسية 

أما عن الحقوق الأساسية داخل “العزولي” فيقول “م. ع”: “لم يُسمَح لنا بالذهاب للحمامات، كنا نقضي حاجاتنا في جردل داخل الزنزانة بيتم تفريغه ثلاث مرات في اليوم، وكان بيتم توفير جركن مياه شرب للزنزانة كلها، وبيتملي 3 مرات في اليوم فقط، أما الطعام فبيكون طبق واحد لـ 25 فرداً، وبيكون في الغالب حامض أو محروق”.

ولفت إلى أن الخروج الوحيد المسموح من الزنازين للمعتقلين كان للمسؤول عن تفريغ جردل قضاء الحاجة، أو ملء جركن المياه أو إحضار الطعام.

حقوقيون: لا حدود للانتهاكات بـ “العزولي” 

وفي السياق ذاته، نقل حقوقيون ما عاصروه من شهادات ووقائع عن سجن “العزولي” من خلال عملهم الحقوقي، حيث وصف الحقوقي “خلف بيومي” – مدير مركز الشهاب لحقوق الإنسان – سجن “العزولي” بأنه يتساوى مع سجن “جوانتنامو” من حيث الوحشية، وفقًا للروايات التي وصلت ممن خرجوا منه.

وتابع أن “العزولي” تابع للقوات المسلحة، وكان من المفترض أن يكون خاصًا للعسكريين الذين ارتكبوا جرائم أثناء وبعد عملهم، مضيفًا أنه في الفترة الأخيرة تحوَّل لمخزن للمختفين قسرًا، حيث قبع فيه مئات المختفين منذ سنوات دون سبب معلوم.

وعن الانتهاكات بـ “العزولي”، قال “بيومي” في تصريح خاص: إنه لا حدود للانتهاكات التي تُمارَس فيه، ويكفي لوصف الوضع نقل كلمات مَن يخرج منه بـ “أن الداخل للعزولي مفقود والخارج منه مولود”.

وأكد أنه لم تتمكّن أي مؤسسة حقوقية من زيارة “العزولي”، ولا حتى المجلس القومي لحقوق الإنسان، رغم مطالبة رئيسه بذلك.

الوضع بـ “العزولي” خالف العقل والقانون 

فيما اعتبرت الحقوقية “هبة حسن” – المدير التنفيذي للتنسيقية المصرية للحقوق والحريات – أن سجن “العزولي” يُعدّ المثال الأكبر على السجون السرية الموجودة في مصر، مضيفةً أن السجن ذاع صيته منذ يوليو ٢٠١٣ كأحد السجون المستخدمة لاعتقال المدنيين بالمخالفة للقانون.

وأضافت “حسن” في تصريح خاص لها أن: “العزولي” غير خاضع لأي رقابة، وغير متاح معلومات دقيقة عنه أو عن المعتقلين بداخله، مشيرةً إلى أن شهادات المعتقلين السابقين تُشير إلى أن ما يحدث به من تعذيب وتعامل مع المعتقلين ربما فاق كل السجون، “ومخالف لكل عقل أو قانون”، على حد وصفها.

وأكدت أنه لم يُتَح لأي حقوقيين زيارة “العزولي”، مضيفةً أن المعلومات المتاحة عنه تخيُّلية، تم جمعها من شهادات لبعض المعتقلين وما نقلوه عن الزنازين والأوضاع القاسية داخله.

وأشارت إلى أن السجن في الأصل مكان لمعتقلي سيناء المشتعلة بالمعارك العسكرية بين الجيش وبعض الجماعات المسلحة والأهالي، مضيفةً أن “ذلك يرفع أعداد المعتقلين بالآلاف، يُمثّلون – كما نعتقد – أغلبية في “العزولي”، بالإضافة لبعض معلومات عن معتقلين منذ فض رابعة وما بعدها، ومعتقلي عدد من القضايا بالشرقية والمنصورة”.

وتابعت أنه “حتى الآن لا يستطيع الحقوقيون تحديد نوعية للقضايا أو المعتقلين المحتجزين داخله، ولكن نستطيع من خلال ما رواه بعض المُفرَج عنهم أو الذين تم نقلهم لسجون أخرى اعتبار أن السجن تُمارَس فيه أقصى درجات الانتهاكات من تعذيب بدني بأبشع الوسائل ومنع من الطعام إلا بكميات قليلة، ومنع حتى من دورات المياه إلا مرة واحدة باليوم، ومنع من التريُّض ورؤية الشمس لشهور”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق