6 أعوام لمجزرة سيارة ترحيلات “أبو زعبل”..37 نفساً والقاتل لا يزال حراً

في الذكرى السادسة لمجزرة عربة ترحيلات سجن “أبو زعبل” والتي اعتبرها كثيرون الأبشع بعد مجزرة فض “رابعة” و”النهضة”، يتجدّد الحزن والقهر على ضحابا المحرقة والظروف اللاإنسانية التي لاقوا حتفهم فيها، وسط إفلات الضباط المتهمين من العقاب. 

وأجرت صحيفة “الجارديان” البريطانية تحقيقًا حول القضية، في 23 فبراير 2014، وأظهرت فيه للمرة الأولى، شهادات الناجين من سيارة الموت “ترحيلات أبو زعبل”، وقامت صحيفة “الشروق” المصرية وقتها بترجمة التقرير نذكر بعضاً منه.

صبي قهوة وبائع خيار وليبرالي داخل عربة “أبو زعبل”

“شكري سعد” كان من سكان مدينة نصر، وكان قد اشترى لتوّه علاجاً لمرض السكري يكفيه لمدة شهر عندما أوقفته الشرطة واشتبهوا في شرائه الدواء لجرحى “رابعة”.

ويقال: إن “سعد” ظلّ يصرخ أثناء الدفع به إلى داخل سيارة الشرطة «لست من الإخوان المسلمين، أنا من الحزب الوطني».

وفي مكان ليس ببعيد، كان «طلعت عليّ» يُقدّم الشاي للجنود والضباط أثناء استراحتهم من فض الاعتصام، وقرَّر صاحب المقهى الإغلاق مبكرًا؛ لأن الضباط رفضوا دفع ثمن المشروبات، لذلك انطلق عليّ في طريقه إلى منزله. وقال: إن الضباط الذين ألقوا القبض عليه هم الذين قام على خدمتهم. يقال: إنه ذكر لهم أثناء القبض عليه: «أنا صبي القهوة، أنا من قدّمت لكم الشاي».

في وقت لاحق، انضمّ إليه بائع الخضر “محمد رمزي”، الذي جاء من غرب القاهرة إلى مدينة نصر لبيع الخيار. ثم كان هناك “أحمد حمراوي” الذي كان في طريقه لبيع ملابسه في وسط البلد.

وأُوقف “رفيق عبد الغني” أثناء طريقه للعمل، وصدر لاحقاً قرار بإطلاق سراحه بكفالة مالية، لكنه نُقل إلى “أبو زعبل” قبل دفع الكفالة. وكان هناك أيضًا عضو يحمل كارنيه حزب «غد الثورة» الليبرالي.

تفاصيل المجزرة وقتل ٣٧ معتقلاً

في السادسة والنصف صباحًا من يوم الأحد 18 أغسطس، تم تكبيل 45 سجينًا بـ “أبو زعبل” . رُبط كل اثنين معاً.

يقول “سيد جبل”: «قلتُ للضابط: كيف يمكننا الركوب هناك؟ فأجاب أن السيارة تتسع لـ 70 شخصًا، ودفعنا للداخل»، إلا أن تقريراً فنياً أمرت به النيابة فيما بعد قال: إن سعة الشاحنة لا تزيد عن 24 شخصًا.

كانت درجة حرارة الجو في ذلك اليوم من أيام أغسطس نحو 31 درجة مئوية. وأُجبر السجناء على البقاء حتى ينتهي تسليم 600 من معتقلي “رابعة” لسجن “أبو زعبل”. وكان الانتظار طويلاً.

يقول الناجون: إن الحرارة أصبحت لا تُطَاق. كانوا يقفون على قدم واحد، وبدأ الأكسجين يقلّ، والناس تصرخ من أجل المساعدة.

يقول “عبد المعبود”: «بدأنا في الطرق على جدران السيارة، وبدأنا في الصراخ، ولكن دون مجيب».

6 أعوام لمجزرة سيارة ترحيلات "أبو زعبل"..37 نفساً والقاتل لا يزال حراً أبو زعبل

شهادات الناجين من المحرقة

وداخل سيارة ترحيلات “أبو زعبل” بدأ العديد من السجناء في التساقط مع ارتفاع درجة الحرارة.

الكثير كان يَهذي بينما كان البعض الآخر يُسلّم بعضه بعضاً رسائل إلى عائلاتهم. يقول “سيد جبل”: «بالطبع كان الأكبر سنًا أول من سقط.. وبدأ الآخرون في إحداث ضجيج أعلى وأعلى، بينما كنا نسمع من الخارج المزيد من الضحك ومن الشتائم لمرسي».

ولفت “عبد العزيز” إلى أنه كان من الواضح «أن الأوضاع في السيارة قد تُؤدّي إلى اختناق السجناء، ولكن الضباط الأربعة كانوا لا يزالون يرفضون فتح الباب». ساد الصمت في السيارة. وانهار أغلب المحتجزين بداخلها.

وفي وقت ما بعد الواحدة ظهرًا، سمع مَن بقى متيقظًا من السجناء أصواتاً في الخارج. جاء دورهم في النزول. كانت الأصوات تطلب منهم ذلك كما كانت تطلب منهم تسليم أي متعلقات ثمينة لموظفي السجون. ولكن كان القليل منهم فقط قادرًا على الوقوف على قدميه.

وأثناء الضجة، وفي محاولة للسيطرة على «الشغب»، أطلق ضابط مجهول من الشرطة أسطوانة غاز يحملها الضباط عادة للدفاع عن أنفسهم، وذلك من إحدى نوافذ السيارة.

مشاهد تخلع القلوب في مشرحة زينهم

وفي اليوم التالي لمجزرة عربة ترحيلات “أبو زعبل”، ظهرت لقطات للجثث أثناء وصولها إلى مشرحة “زينهم”، مع تحذير مصاحب مما قد تُثيره رؤيتها. كانت معظمها منتفخة وقد تلوّنت الوجوه إما باللون الأحمر أو الأسود. وكان وجه الفنان والمُخرج “محمد الديب” من الوجوه القليلة التي لم تتشوّه، غير أنه كان منتفخًا وأسود لدرجة قد يصعب معها التعرف عليه.

وسرعان ما أُلقي باللوم على السجناء أنفسهم فيما حدث. فوفقًا لضباط الشرطة فإن السجناء اختطفوا شرطياً، عندما فتح باب السيارة لإخراجهم. وهو ما دفع زملاء الضابط «المختطف» إلى إطلاق الغاز المُسيل للدموع داخل العربة؛ للسيطرة عليهم.

تسريب “عباس كامل” و”ممدوح شاهين”

ونشرت قناة “الشرق” الفضائية بعد عام من الحادثة تسريباً من مكتب وزير الدفاع وقتها قائد الانقلاب “عبد الفتاح السيسي”، عن تدخل مكتب المشير حينها في قضية سيارة ترحيلات سجن “أبو زعبل”؛ لتبرئة أحد الضباط المتهمين ويدعى “إسلام عبد الفتاح حلمي السيد”؛ لأن والده أحد قيادات الجيش.

ووفقاً للتسريب، فإن مدير مكتب “السيسي” وقتها اللواء “عباس كامل” – مدير جهاز المخابرات العامة حالياً – طلب من مسؤول الشؤون القانونية في المجلس العسكري وقتها اللواء “ممدوح شاهين”، التدخل لدى القاضي الذي يبحث القضية لفتحها مرة أخرى والسماح بدخول شهود جدد؛ لتبرئة الضباط المتهمين ومن بينهم الضابط المذكور.

الأحكام الهزلية على الضباط المتهمين

تم محاكمة 4 من أصل 15 رجل شرطة رافقوا عربة ترحيلات “أبو زعبل” بتهمة الإهمال، ولكن المحاكمة تأجّلت في يناير الماضي دون تحديد موعد جديد لها. ولا يزال المسئولون قادرين على الادّعاء بأن ما حدث كان نتيجة لتصرف السجناء، متجاهلين شهادة 8 من الناجين: 4 لا يزالون قيد الحبس وأربعة من الضباط الذين كانوا يرافقون السجناء.

وكانت محكمة جنح مستأنف الخانكة قد قضت بمعاقبة ضابط الشرطة المقدم “عمرو فاروق” نائب مأمور قسم شرطة مصر الجديدة بالحبس مع الشغل لمده 5 سنوات ومعاقبه 3 ضباط شرطة آخرين بالحبس لمدة سنة واحدة مع إيقاف التنفيذ.

مطالب حقوقية بتوجيه تهمة القتل للصباط المتهمين

وفي الذكري السادسة للمحرقة طالبت “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” النيابة العامة بتوجيه تهمة القتل لضباط الشرطة والسجن المسئولين عن وفاة 37 من المحتجزين في واقعة سجن “أبو زعبل” شمال القاهرة، وتشكيل لجنة خماسية مستقلة من خبراء الطب الشرعي؛ لإعادة تشريح الجثث والوقوف على أسباب الوفاة الحقيقية بعد تضارب روايات وزارة الداخلية عن الواقعة، وفي ظل الشكوك التي تُحيط بظروف وفاة المحبوسين احتياطياً أثناء عملية ترحيلهم للسجن يوم الأحد 18 أغسطس.

وقال “كريم عمارة” – الباحث بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية -: “رغم تضارب الروايات الرسمية بشأن سبب مقتل 37 متهماً وهم في حوزة الشرطة، إلا أن الرواية المُرجّحة الآن هي أن الضباط المسئولين عن ترحيلهم قاموا بإلقاء قنبلة غاز داخل سيارة الترحيلات الضيقة التي تعاني أصلاً من الاكتظاظ وسوء التهوية، وهو ما يجعلنا أمام جريمة قتل أسفرت عن هذا العدد الكبير من الضحايا تستوجب إنزال العقاب بالمسئولين عنها”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق