الخبز والحرية.. أيهما يبني المجتمعات؟ تجارب دولية تجيب

“هل يحلم الفقراء بالحرية، أم هم ينامون ويحلمون برغيف العيش، وبسماء تمطر عليهم “أرغفة وفراخ مكتفة” كما يردد الفواعلية في فولكلورهم؟ الفقراء يحلمون بالخبز”.. قالها الخبير السياسي الدكتور “ابراهيم نوار” في إشارة إلى طرق بناء المجتمعات.

وأضاف: هذه حقيقة، من يتجاهلها، يجرى وحيدا وراء سراب التغني بالحرية والدعوة إلى الديمقراطية وسط فقراء، همّهم الأول هو البحث عمن “يطعمهم من جوع، ويوفر لهم الأمان من الخوف”.

ليس هناك أخطر على الشعوب من الجوع والخوف، وليس لدى شعب فقير خائف أهم من الخبر والأمان. توفير الخبز والأمان سيوفر للناس شروط البقاء، لكنه ابدا لن يمنحهم فرص التقدم وتحقيق الرفاهية، والانطلاق في عالم يقوم على المنافسة.

وتابع: تحقيق التقدم والرفاهية والانطلاق في عالم يقوم على المنافسة، لا يتجسد إلا بتحرير الإرادة، وإطلاق قوى العمل والتعليم والخلق والإبداع. هذه الشروط لا يوفرها حصرا نظام سياسي بعينه، وإنما يمكن أن تتحقق، خصوصا في مراحل الانتقال، من خلال مسارات مختلفة وأنظمة مختلفة، تتراوح بين نظام لي كوان يو في سنغافورة، والنظام الشيوعي في كل من الصين وفيتنام، والنظام الليبرالي في تشيلي، أو الهند أو رواندا. لم يعد تحقيق الانتقال من التخلف إلى التنمية المستدامة، حكرا على نظام سياسي بعينه.

وواصل: هذا لا يعني إطلاق عملية تجريبية دائمة، تتجاهل المعايير الاقتصادية والسياسية لتحقيق التنمية، مثل الأهمية المركزية للتعليم والتكنولوجيا، لأن التعليم المتقدم يمثل أهم رافعة من روافع تحقيق التنمية والانطلاق وكسب معركة المنافسة.

وتنبع هذه الأهمية للتعليم من حقيقة أن (المعرفة) هي المحرك الأساسي للإنتاجية وللتنمية، ومن ثم فإن الحديث عن (اقتصاد المعرفة) لا يستقيم مع تدهور التعليم.

وأردف قائلاً: الاستثمار يمثل رافعة أساسية من روافع التنمية، والأساس في الاستثمار هو الادخار المحلي، فإن كان قاصراً عن تحقيق الغرض، يتم تعويضه بواسطة الاستثمار الأجنبي المباشر.

التنمية لا تتحقق مع استهلاك يتجاوز الإنتاج، ولا مع عجز في المدخرات عن تمويل الاستثمار، ولا مع ديون تستهلك نسبة كبيرة من الناتج المحلي، على حساب الإستثمار.

وهناك فرق كبير بين الاستثمارات الحقيقية في الجهاز الإنتاجي العيني، وبين الاستثمارات المالية، خصوصا تلك التي تميل إلى المضاربة واللعب على هامش اسعار الفائدة.

كذلك تكون الاستثمارات في القطاعات الريعية، مثل العقارات، واستخراج النفط والغاز، وأنشطة التجارة، عقيمة مالم تزود الاقتصاد بقيمة مضافة عالية، أو توفر فرص عمل كثيرة، أو تضيف إلى جهاز الإنتاج السلعي منتجات تحد من الاستيراد وتزيد الصادرات.

وقال “نوار”: يعتبر التصدير أيضا أحد الروافع الرئيسية لتحقيق التنمية المستدامة، والانطلاق في الأسواق الخارجية، بهدف كسب معركة المنافسة الشرسة في أسواق مفتوحة على مستوى العالم ككل. ولم تعد القدرة على التصدير مرتبطة بتقديم منتج نهائي تام الصنع للأسواق الخارجية، مثل سيارة كاملة، أو كمبيوتر كامل، أو حتى حذاء مكتمل الصنع.

وتابع: فلسفة التصدير تجاوزت هذا المفهوم التقليدي، وتقوم الآن على القدرة على التشابك في حلقات الإنتاج الصناعي المختلفة على مستوى العالم، فصناعة السيارات في جمهورية التشيك مثلا تعتمد على التشابك الحلقي من خلال سلاسل صنع القيمة العالمية، مع صناعات السيارات في بلدان أخرى مثل كوريا وألمانيا والبرازيل والصين واليابان وغيرها. إنتهى عصر إنتاج ما كنا نسميه (سيارة وطنية).

وأضاف أن المحركات الرئيسية للتنمية التي أشارت إليها، التعليم المتطور، والانتاجية القائمة على المعرفة، والادخار، والاستثمار المحلي والأجنبي، والتصدير من خلال التشابك مع الصناعات الخارجية من خلال سلاسل صنع القيمة، تمثل وغيرها شروطا أولية لتحقيق التنمية.الخبز والحرية.. أيهما يبني المجتمعات؟ تجارب دولية تجيب الحرية

بمعنى آخر فإن توفرها يستلزم أن تعمل الدولة بسياسة تستهدف تحقيق ما هو ابعد من مجرد توفير الخبز والأمان.

وتابع: ليس من المصادفة أن يرتبط ارتفاع معدل الفقر بزيادة الأمية، وأن تنخفض إنتاجية الفرد عندما يتراجع التعليم، وأن يقل الابتكار التكنولوجي عندما ينشغل الجهاز الإنتاج بتوفير سلع الحاجات الأساسية، والسلع الرديئة، وأن تكون السلع الرديئة عائقا في وجه التصدير، وأن تعجز الصناعات المتخلفة عن المنافسة والتشابك مع الصناعات المتقدمة من خلال سلاسل صنع القيمة على المستوى العالمي.

وليس من المصادفة ان يرتبط الفقر بزيادة الاستهلاك عن الاستثمار، ومن ثم التوقف عن التجديد التكنولوجي وصناعة التقدم.

وأردف قائلاً: “هنا تبدو المعضلة في العلاقات بين الفقر والحرية والتقدم. الفقر يكبل قدرة الأمة ، ويقزِّم أحلامها داخل حيز رغيف الخبر، وتوفير الأمان بمعناه العام.

إذا توقفت أمة ما داخل هذا الحيز، فإنها ستعجز عن تحقيق التنمية المستدامة ، وستتخلف في معركة التقدم، وستنكمش في ساحة المنافسة العالمية.

ومن الصعب حل إشكالية هذه المعضلة بدون إدراك جمعي، يصل إلى حد اليقين بشأن وجود علاقة بين الحرية والتقدم، وبين الفقر والتخلف.

الفقراء الذين يحلمون بسماء تمطر عليهم “أرغفة وفراخ مكتفة” سيتجاوزهم قطار البشرية. وفي زمن يجري فيه هذا القطار بسرعة غير مسبوقة في التاريخ المعروف، فإن الحديث عن المستقبل يكون غامضا ومحفوفا بالمخاطر”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق