أقلام الثورة قبل 4 أسابيعلا توجد تعليقات
الإخوان المسلمون وثورة يناير ـ الجزء الثاني (1-2)
الإخوان المسلمون وثورة يناير ـ الجزء الثاني (1-2)
الكاتب: ياسر فتحي

المبحث الثالث: الإخوان ومحاولة استعادة المسار الديمقراطي (الصدمة والمجهول):

(1) سياق ما قبل الثالث من يوليو وتطور الأحداث:

كان سياق ما قبل الثالث من يوليو مشحونا بالاستقطاب الحاد بين التيارات السياسية، ولا توجد تفاهمات صلبة مشتركة بين القوى والرموز السياسية وتصورات وتفاهمات مشتركة متينة عن أسلوب التعاطي مع أجهزة الدولة وبنيتها العميقة وكذلك مع المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية.

وقد كان أخطر ما في هذا الاستقطاب أنه هيأ بيئة مناسبة لمراكز القوى الخائفة والمعادية لإرادة الناس والديموقراطية لتستثمرها في إجهاض محاولة التحول إلى نظام ديموقراطي حر، وهو ما وصفته ورقة تحليل السياسات في ديسمبر 2012 الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات “إن أخطر ما في الصراع الحزبي الحالي هو سعي القوى السياسية المتصارعة لدفع الشارع والمجتمع نفسه إلى الاستقطاب بين معسكرين.

هذا الفعل غير المسئول للأحزاب هو في جوهره إجهاض لشروط المرحلة الانتقالية وضرب التعددية السياسية التي يمكن التأسيس لها فقط في وحدة مجتمعية وفي نظام سياسي وقانوني متوافق عليه.

إن مهمة القوى التي تتحلى بالمسئولية في المجتمع المصري اليوم هو منع تحول هذا الصراع الحزبي إلى استقطاب في المجتمع والدولة عموما”.

تشكلت في هذه الأجواء “جبهة الإنقاذ” في نوفمبر 2012 منطلقة من رفض الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس مرسي -آنذاك- ، وتصاعدت الاحتجاجات تباعا ورفضت الجبهة الحوار مع الرئيس مرسي، وأيدت الاحتجاجات والحملات المناهضة له والداعية لسحب الثقة وإجراء انتخابات مبكرة، من هذه الحملات ظهرت حملة حركة تمرد -التي تأسست في أبريل عام 2013– المطالِبة بسحب الثقة من الرئيس مرسي وإجراء انتخابات مبكرة ودعت للتظاهر في ميدان التحرير يوم 30 يونيو 2013.

في 23 يونيو ألقى عبد الفتاح السيسي -وزير الدفاع- كلمة تحدث فيها عن مبادرة يسعى لتقديمها بين القوى السياسية والرئيس مرسي، وتشير إلى أن “الجيش أعطى مهلة للوصول إلى حل سياسي والوصول إلى تفاهمات سياسية قبل 30 يونيو الجاري لكن في حال وصول الأمر للمساس بالأمن القومي المصري فلن ينتظر الجيش وسيتدخل لصالح الوطن”.

“السيسي” يمهل الرئاسة والمعارضة أسبوعا للوصول إلى توافق

وفي 30 يونيو خرجت تظاهرات إلى ميدان التحرير وفي عدة محافظات مناهضة للرئيس مرسي تحت دعوات متعددة تنادي بعضها بانتخابات مبكرة وبعضها ينادي بالرحيل.المبحث الثالث: الإخوان ومحاولة استعادة المسار الديمقراطي (الصدمة والمجهول): (1) سياق ما قبل الثالث من يوليو وتطور الأحداث: كان سياق ما قبل الثالث من يوليو م الإخوان

وفي الأول من يوليو أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة بياناً مسجلاً يمهل فيه الجميع 48 ساعة كفرصة أخيرة لحل الأزمة.

تطورت الأحداث مساء 3 يوليو ألقى عبد الفتاح السيسي -وزير الدفاع- بياناً بحضور شيخ الأزهر، وبابا الكنيسة، والدكتور محمد البرادعي عن جبهة الإنقاذ، وممثلين عن حركة تمرد وحزب النور والمجلس الأعلى للقضاء وقيادات من الجيش وآخرين، وأعلن تعطيل العمل بالدستور وتعيين المستشار عدلي منصور رئيسا مؤقتا للبلاد وإعطائه صلاحيات إصدار إعلانات دستورية خلال المرحلة الانتقالية.

وبعد دقائق تم وقف بث جميع القنوات التي يمكن أن تنقل احتجاجات أنصار جماعة الإخوان والرئيس مرسي، وأصبح الرئيس مرسي محتجزاً في مكان مجهول، كما شنّت قوات الأمن لاحقاً حملات اعتقال في صفوف الجماعة، واعتقل الدكتور محمد سعد الكتاتني رئيس حزب الحرية والعدالة، والدكتور رشاد بيومي عضو مكتب الإرشاد ومحمد مهدي عاكف المرشد السابق للجماعة.

مثّل بيان وزير الدفاع في الثالث من يوليو وإزاحة الرئيس المنتخب صدمة كبرى للجماعة لم تكن في حسبانها، ولم تكن مهيأة لها على صعيد القيادة والتخطيط والجمهور والأنصار والاستراتيجية، فقد التزمت الجماعة لإنجاح التحول الديمقراطي بإنجاح خارطة الطريق التي على أساسها أجريت انتخابات مجلس الشعب والشورى واستفتاء الدستور وانتخابات الرئاسة، وكان هذا الالتزام صارما رغم ما واجهته من ضغوط داخلية تنظيمية وخارجية، ورغم أنها اضطرت إلى مخالفة قراراتها الاستراتيجية، ورغم نجاح المحطات الأخيرة في خارطة الطريق فقد انهار كل شيء، ولم يفلح التوافق الضمني مع المؤسسة العسكرية، ولم يكن كافيا الاعتماد على قدرات الجماعة في قيادة وتصدر المشهد السياسي.

(2) محاولة الاستدراك وإنهاء الصدمة:

ارتكزت الأهداف والمطالب الإخوانية على عودة الشرعية كاملة رئيسًا ودستورًا ومجلس شورى وبعدها يدير الرئيس حوارًا عامًا بين جميع القوى الوطنية.. وإجراء مصالحة وطنية، وظلت رؤية الجماعة المعلنة في مجمل خطابها وبياناتها الرسمية ترتكز على 3 مرتكزات:

الأول: التأكيد على الموقف الرافض للواقع الجديد واستمرار التظاهرات، وأن الحل الوحيد هو عودة الرئيس مرسي وأنه هو من سيجري المصالحة الوطنية ويعد للتعديلات الدستورية والحوار الوطني والانتخابات.

الثاني: التنديد والرفض وبيان انتهاكات السلطة الجديدة وممارستها القمعية والدموية ضدهم وضد الشعب.

الثالث: الأمل أن يعود الانقلابيون إلى رشدهم، أو تصحح المؤسسة العسكرية الأوضاع، أو انحياز فئة غالبة من داخل المؤسسة العسكرية للشرعية.

ومن أجل ذلك قامت الجماعة باستمرار التظاهر والتعبئة الشعبية الحاشدة، التي لم تكن موجهة في البداية قبل 30 يونيو لأي تخوفات من المؤسسة العسكرية والأمنية وأصبحت موجهة لرفض تدخل المؤسسة العسكرية وإزاحة الرئيس مرسي.

وفي كل الخطابات التي تحدثت فيها الجماعة عن نفسها أو عن أهدافها ومطالبها أو عن استنكارها وإدانتها للانتهاكات كانت تؤكد مرارا الدعوة لضبط النفس والتزام السلمية”، والتأكيد أن أنصارها يلتزمون التزاما صارما بالسلمية في فاعلياتهم.

تواصلت تظاهرات جماعة “الإخوان المسلمين” وأنصار “الرئيس مرسي” في الانطلاق بشكل مستمر ومتتابع وفي محافظات مختلفة، تعبر عن رفض الانقلاب العسكري وتأييد شرعية “الرئيس مرسي”، وأصبح اعتصام “رابعة العدوية” و”النهضة” مركزاً ثابتاً ورمزاً لها، وبدت محاولة فرض الواقع الجديد من قبل السلطة الجديدة بالقوة والقمع واضحة منذ اللحظة الأولى، بدءاً من إزاحة وإخفاء مكان الرئيس المنتخب، وإدلاء المستشار عدلي منصور قسمه كرئيس مؤقت للبلاد في المحكمة الدستورية العليا، وتأكد اعتقال نائب المرشد العام للجماعة “خيرت الشاطر” والشيخ “حازم صلاح أبو إسماعيل”، وأعقب ذلك رفض “حزب الحرية والعدالة” الدعوة التي وجهت له للحوار يوم السادس من يوليو، إضافة إلى اعتقالات قيادات كبرى من الجماعة مثل الدكتور “سعد الكتاتني” و”رشاد بيومي” عضو “مكتب الإرشاد” وآخرين، وإغلاق القنوات التي ربما تتعاطف مع موقف الجماعة، ثم إطلاق النار على متظاهرين أمام دار “الحرس الجمهوري” أدت لمقتل شخص على الأقل وإصابة آخرين، وارتفعت وتيرة فرض الواقع بقوة القمع تدريجياً، حيث أطلقت قوات تابعة للجيش النار بشكل مباشر على أنصار الجماعة و”الرئيس مرسي” في الثامن من يوليو مما أسفر عن مقتل أكثر من 40 وإصابة أكثر من 500، ووصفتها الجماعة بالفاجعة والمجزرة والجريمة البشعة، وأنه أمر لا يفعله حتى اليهود، وأن هذه الدماء ستكون لعنة على قائد الجيش، ثم توالت أحداث القمع والقتل في 16 يوليو فيما عرفت بأحداث مسجد الفتح، وفي 20 يوليو في “المنصورة” قتلت 3 نساء على الأقل، وصولا إلى فض اعتصام “رابعة العدوية” بالقوة، مهما كانت الخسائر البشرية.

الصدمة الكبرى:

استمر النظام في فرضه للأمر الواقع بالقوة، وأقدم على صدمة كبرى للجماعة وأنصارها وأنصار الرئيس “محمد مرسي”، حيث قرر النظام تصعيد وتيرة فرض الواقع بالقوة من خلال فض “اعتصام رابعة” مهما كانت الخسائر البشرية، وأكدت منظمة “هيومن رايتس ووتش” أن:المبحث الثالث: الإخوان ومحاولة استعادة المسار الديمقراطي (الصدمة والمجهول): (1) سياق ما قبل الثالث من يوليو وتطور الأحداث: كان سياق ما قبل الثالث من يوليو م الإخوان

“قوات الأمن استخدمت القوة المميتة دون تمييز، إذ كان القناصة المتمركزون داخل ناقلات الأفراد وبجوارها يطلقون أسلحتهم على حشود كبيرة من المتظاهرين. قال عشرات الشهود أيضاً إنهم شاهدوا قناصة يطلقون النيران من مروحيات فوق منطقة رابعة”، وقد وصفتها المنظمة بأنها “أخطر وقائع القتل الجماعي للمتظاهرين يوم 14 أغسطس”، كما أكدت المنظمة أن عدد القتلى “لا يقل عن 817 شخصاً، وأكثر من ألف على الأرجح”، كما أكدت كذلك أن السلطة أرادت قتل عدد أكبر من المتظاهرين مهما حاولت إظهار تقليل الخسائر، وقارنت بين تصريحات لوزير الداخلية المصري الذي توقع خسائر بشرية قد تصل لـ 10٪ من المعتصمين “استعانت هيومن رايتس ووتش بصور القمر الصناعي من إحدى ليالي الاعتصام، ليلة 2 أغسطس/آب، لتقدير وجود ما يقرب من 85 ألف متظاهر في المنطقة ليلتها، وحتى مع افتراض أن الحضور الفعلي يوم 14 أغسطس/آب يبلغ 20 ألفاً فقط، كما قدر إبراهيم، فإن معدل الخسائر البالغ 10 بالمئة سيظل يمثل 2000 حالة وفاة”، ونقلت المنظمة عن أحد المدافعين عن حقوق الإنسان “أن مسؤولي وزارة الداخلية، في اجتماع مع منظمات حقوقية قبل الفض بتسعة أيام، كشفوا عن توقعهم لحصيلة وفيات تبلغ 3500”.

لم تنجح الجماعة برغم شرعية الرئيس المنتخب، وكثافة أنصاره، وقوة تنظيم الإخوان أن تحدث أثراً سياسياً يغير المشهد الجديد ويقيها شر هذه الصدمة الكبرى، فلم تتمكن من تحرير الرئيس، ولم تتمكن من خلخلة موازين قوى السلطة الجديدة المؤيدة للقمع والقتل والشبكات الداعمة له بالداخل والخارج، ولم تتمكن من خلق كابح سياسي واجتماعي لقوة القمع الجديدة، لكنها ظلت مستمرة بثبات وصلابة أنصارها وأنصار شرعية الرئيس في الرفض والاحتجاج بلا توقف.

استمرار غاضب لكنه إلى المجهول، وقد مثّل مشهد فض اعتصام رابعة الدموي صدمة كبرى ليس على أعضاء الجماعة وأنصارها فقط لكنه كذلك على من تبقى من قيادتها، وبحسب تعليق أحد قيادات مجلس شورى عام الجماعة عن لحظة الصدمة الكبرى وفض اعتصام رابعة وخروجه أثناء الفض: “في هذه اللحظة شعرت أننا فقدنا القيادة، الناس كانت بتسألني حنعمل إيه، أنا مش عارف حنعمل إيه، لقد كان المشهد والخروج منه مؤلما وبلا هدف”.

كان الصراع غير متكافئ، بين قوة أمنية باطشة مدعومة من المؤسسة العسكرية ليس أمامها كابح سياسي أو اجتماعي أو خارجي يكبح رغبتها في القمع والقتل والسيطرة مهما كانت الخسائر، أمام حشود جماهيرية كبيرة ترفض هذا الواقع لكنها غير قادرة على إنفاذ إرادتها أو إحداث تغيير في المشهد إلا بمزيد من التظاهرات والاحتجاجات وتتعرض لمزيد من القتل والاعتقال والمطاردة، وهو ما جعل الجماعة بعدم قدرتها على تحقيق مطالبها مستمرة إلى المجهول القاسي.

في محاولة التفسير والبحث عن سبب عدم قدرة الجماعة على إحداث أي تغيير سياسي أو استعادة الرئيس المنتخب أو العودة لمسار ديمقراطي متوافق عليه، يمكن النظر إلى عدة أسباب:

أولا: التقديرات الخاطئة:

إذا كانت مرحلة يناير وقبيل رحيل مبارك شهدت تقديرا للمشهد العام وتحديد الجماعة لحزمة قرارات استراتيجية تلخص دورها في المرحلة الانتقالية (عدم التقدم للرئاسة – المشاركة مع قوى وتحالف سياسي أوسع – عدم التنافس على مقاعد مجلس الشعب بأكثر من الثلث) لكن لم تتمكن من إنفاذها واضطرت إلى التغيير باستمرار تحت ضغوط اللحظة، ولم يكن كافيا في ظل ضعف التحالفات المدنية الواسعة والمتينة وكذلك تقوية الاحتجاجات الشعبية في مواجهة النظام القديم والمؤسسات الأمنية والمؤسسة العسكرية أن تنجح جماعة الإخوان في تصدرها للمشهد بتحقيق الانتقال الديمقراطي، ومع تصاعد حدة الاستقطاب والرغبة في إنهاء حكم مرسي والمطالبة برحيله أو انتخابات مبكرة وكذلك تصاعد حدة الازمات بأشكال مختلفة ومتنوعة ومع اقتراب دعوات الاحتشاد الكبرى في 30 يونيو شهدت الجماعة تقديرات غير دقيقة للمشهد من الأساس، وبالتالي تقدير الأدوار والتحركات كان مبنيا على تقديرات غير دقيقة.

تقديرات ما قبل 7/3:

في 26 يونيو (أي قبل بدء اعتصام رابعة بيومين) ألقى الرئيس مرسي خطاباً -في قاعة المؤتمرات بمدينة نصر- انتقد فيه ما سماه منظومة العنف والبلطجة والتمويل من بقايا النظام القديم وبعض شخصيات محسوبة على النظام القديم، وأكد أن علاقة الرئاسة ومؤسسات الدولة بالجيش صحية ولا يمكن حدوث وقيعة، والرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وأكد أنه سيقطع الأصابع الخفية التي لا تريد أن تكون العلاقات جيدة.

وفي يوم 2 يوليو ألقى “الرئيس مرسي” خطاباً تحدث فيه عن الشرعية والحفاظ عليها، وأنه وافق على مبادرة الأحزاب التي قدمت له ومنها تغيير الحكومة إلى حكومة ائتلافية وتشكيل لجنة مستقلة نزيهة لمراجعة مواد الدستور، وحذّر المصريين من الوقوع في الفخ، ودعاهم للحفاظ على مكتسبات الثورة والجيش، وأكد أنه أراد أن تمتلك مصر إرادتها وألا يُملي أحد إرادته على مصر، وأكد أن الأزمات والعقبات سببها الفساد والدولة العميقة وبعض العائلات التي تسيطر على البلاد، كما أكد أنه يريد الحفاظ على حياة الناس وعلى الجيش، وحذر من الإساءة للجيش أو استخدام العنف معه أو مع الشرطة.

في 28 يونيو أصدر التحالف الوطني لدعم الشرعية بيانا بعنوان “مليونية الشرعية خط أحمر” ذكر فيه: “ويثمن التحالف الوطني لدعم الشرعية جهود رجال القوات المسلحة الأبطال الذين لبوا نداء الوطن في كل ملمة. فكما كانوا داعمين للثورة في بدايتها فها هم يؤكدون بانتشارهم في الميادين والأماكن الحيوية أنهم داعمون للشرعية وإرادة الشعب الحر، كما يدعو التحالف الوطني لدعم الشرعية الشرفاء من رجال الشرطة الذين آمنوا برسالتهم الوطنية – يدعوهم إلى القيام بدورهم الوطني بالحفاظ على أمن الوطن والمواطنين فأرواح المواطنين وممتلكاتهم أمانة في أعناقهم”.

وفي 29 يونيو ذكر بيان التحالف الوطني لدعم الشرعية “ويطالب التحالف مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية بتطبيق القانون بحزم ضد البلطجية وضد كل من يدعو إلى العنف فأمن المواطن المصري أغلي من أن يغامر به فاسدون أو سياسيون ذووا أهداف حزبية ضيقة”.

استلهمت الجماعة نصرة الشرعية من خطابات ورسائل “الرئيس مرسي”، التي لم تكن موجهة ضد الجيش ولا أجهزة الأمن ولا انقلاب محتمل، وكانت التعبئة الجماهيرية (من قبل جماعة الإخوان أو التحالف الوطني لدعم الشرعية) المرتكزة على حماية الشرعية منطلقة من عدة رسائل أساسية مؤسِّسة جمعت بين: أهمية الحفاظ على الشرعية وبين الثقة في الداخلية والجيش، وبث الخوف والقلق من بعض أفراد داخل الدولة العميقة (ليس من بينها الجيش أو الداخلية) والمعارضة، ومطالبة المصريين أن يحافظوا على الثورة. لكن كيف!المبحث الثالث: الإخوان ومحاولة استعادة المسار الديمقراطي (الصدمة والمجهول): (1) سياق ما قبل الثالث من يوليو وتطور الأحداث: كان سياق ما قبل الثالث من يوليو م الإخوان

ظلت بيانات الجماعة مرتكزة على نفس الرسائل، حتى أن آخر بيان للجماعة قبل إزاحة “الرئيس مرسي” يوم 2 يوليو لم تكن تُظهر فيه أي قلق من احتمال تدخل المؤسسة العسكرية ولا من أي انقلاب محتمل، بل كان البيان الرسمي للجماعة -في إطار القلق من محاولات أفراد ومجموعات معوّقة من داخل بنية أجهزة الدولة أو من المحسوبين على نظام مبارك أو من قبل بعض المعارضين- “للتبرؤ من مخططات إراقة الدماء ونشر الفتنة” الذي يحذر من مخططات للعدوان على المتظاهرين قد يتم لصقها بالإخوان، وبادرت بإدانة مثل تلك المخططات قبل حدوثها، والتأكيد أنها حريصة على دماء المصريين وتسعى لتقديم المصالح العليا في مناخ من الديمقراطية وفي ظل دولة مدنية عصرية متحضرة.

رغم حجم الضغوط التي تعرضت لها الجماعة وحدة الاستقطاب السياسي، ورغم بيانات التحذير والمهلة للمؤسسة العسكرية، لم يكن سيناريو تدخل المؤسسة العسكرية في 7/3 لإزاحة الرئيس “محمد مرسي” متخيلاً لدي جماعة الإخوان (على الأقل بشكل مؤسسي ورسمي).

لا يمكننا تفسير تقدير الجماعة من خلال البيانات الرسمية المعلنة فقط، لكن ما يعضد ويؤكد الاستنتاج السابق هو آخر اجتماع لمجلس شورى عام الجماعة في 22 يونيو 2013 قبل تدخل المؤسسة العسكرية وبيان الثالث من يوليو، وفي هذا الاجتماع تم استعراض السيناريوهات الممكنة والمحتملة، وكانت كل السيناريوهات تتحدث عن الأعداد المحتملة للمتظاهرين المتوقع احتشادها ضد الرئيس والجماعة، وكانت جميع التقديرات العددية لكل سيناريو -بحسب وصف قيادي حضر الاجتماع- أن الاستنتاج النهائي لجميع هذه السيناريوهات والتوقعات العددية التي تم استعراضها “لن تؤثر في المشهد السياسي”، وكان الحديث الرسمي عن المؤامرات الراغبة في إسقاط الإخوان، وكان التركيز على الدولة العميقة التي ما زال فيها مَن ولاؤه للنظام القديم، ولم تكن المناقشات تتحدث عن أي خطورة أو تخوف من المؤسسة العسكرية”.

وبحسب تقديرات من قيادات للجماعة وأعضاء بالشورى العام ومقربين من مكتب الإرشاد “لم يكن في الحسبان إطلاقا أي تدخل من قبل المؤسسة العسكرية”، وإذا كانت هذه الصورة لدى القيادات العليا وأعضاء مجلس شورى عام الجماعة، فبالتأكيد لدى القيادات الوسيطة كانت الصورة لديهم “أن هناك مؤامرة كبرى من جهات تريد إسقاط الإخوان ولم يكن هناك أي تنبيه أو تحذير أو استشعار خطر من المؤسسة العسكرية”، بل كان هناك استنكار من قيادات عليا وأعضاء مكتب إرشاد من الأعضاء الذين يُبدون استياءً وغضبا من الضغوط الإعلامية والسياسية -خاصة في المحافظات الكبرى- وكان الرد واضحا بحسب حوار ذكره أحد القيادات الوسيطة في حواره مع عضو بمكتب الإرشاد قبل الانقلاب العسكري بعدة شهور: “عليكم التركيز على العمل وانشغلوا به فقط، لا تنشغلوا بالإعلام، أنتم في القاهرة ليست أمامكم الصورة كلها واضحة، وأنتم لا تعرفون كل شيء، القاهرة ليست مقياسا، ولا تتابعوا الإعلام، مستوى الشعبية جيد والأمور واضحة وكل خطوة نعرفها جيدا فلا تقلقوا”.

لكن رغم ما سبق كانت هناك بعض المواقف التي أظهرت تخوفا من الجيش ووزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، خاصة من بعض الأشخاص المقربة من الرئيس مرسي، كما يذكر أحد أعضاء شورى عام الجماعة: “أظن من كانوا يشعرون بالقلق هم من كانوا بجانب الرئيس مرسي”، كما يذكر أحد قيادات الجماعة نقلا عن نائب رئيس ديوان الرئيس مرسي أنه أخبره في شهر نوفمبر 2012 “أن السيسي هو من كان وراء أحداث الاتحادية وأنه خاين وأكبر خاين، ونحن نتعامل مع مجموعة من الخونة”، كما أكد أحد المقربين من مكتب الإرشاد في رواية خاصة لمسئول بمحافظة الإسكندرية أن الجيش ذكر أنه في حالة نزول مليون شخص ضد الرئيس فإنه يجب أن ينزل للشوارع، ولن يتمكن من البقاء دون تدخل”.

كما أن المهندس “خيرت الشاطر” نائب المرشد العام للجماعة سئل في اجتماع “مجلس الشورى العام” بتاريخ 22 يونيو 2013 بعد استعراض مختلف السيناريوهات المتوقعة لتظاهرات 30 يونيو وأنها لم تؤثر في المشهد السياسي، سئل ماذا لو نزل الجيش؟ فأجاب بتلقائية “تبقى خلصت”، لكن هذه الإجابة ظلت في إطار الحديث العارض دون أن يكون لها أي صدى أو مردود على السيناريوهات وما يمكن أن تفعله الجماعة -إن حدث ذلك-، كما يُذكر أيضا أن المهندس “خيرت الشاطر” أمام حشد من أعضاء الجماعة في نهاية عام 2012 في قاعة الأزهر قال: “كان يحال بيننا وبين الوصول للسلطة، والآن حان وقت إفشالنا”، وعلق القيادي الذي ذكر هذه الرواية للباحث قائلا: “لكن لم يكن توقعنا أن الإفشال يمكن أن يصل لانقلاب”.

رغم تخوفات هذه الروايات لكنها تبقى في إطار النقل الفردي، ولم يكن لها أثر يذكر في الاجتماعات القيادية للجماعة، أو في سيناريوهات التعامل مع الواقع سواء كانت سيناريوهات إعلامية أو ميدانية أو سياسية، كما أن الخطابات الأخيرة للرئيس مرسي مع تزايد الضغوط والأزمات لم تكن تشير من قريب أو من بعيد لمثل هذه التخوفات، ولم توجه الأنصار الخائفين على الثورة تجاه التخوفات التي قد تحدث من قبل المؤسسة العسكرية، بل على العكس كانت الرسائل الرسمية والمعلنة للرئيس وكذلك الرسائل الرسمية للجماعة في كافة مستوياتها القيادية العليا والوسطى تطمئن الجمهور من مؤسسات الدولة عموما ومن المؤسسة العسكرية خصوصا وكذلك الأجهزة الأمنية، لذا تبقى هذه الروايات -حتى الآن- هي روايات فردية ولم يُبْنَ عليها مواقف مؤسسية (وهي تحتاج إلى دراسات أخرى تتعلق بالتصورات التي كانت لدي الرئيس مرسي وفريقه الرئاسي).

وظلت الشعارات المعلنة والقطعية أن مرسي سيعود للقصر، وأنه بوابة الحل والحوار، وأن هناك تصحيحا ما للأوضاع سوف يحدث.

وإلى هنا ينتهي الجزء الأول من المبحث الثاني من الدراسة وغداً إن شاء الله نستكمل الجزء الثاني والأخير منه.

* نقلاً عن المعهد المصري للدراسات

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

الاشتراك في التنبيهات
اشترك في التنبيهات ليصلك كل جديد و متميز من موقع الثورة اليوم