بالذكرى الأولى لاغتيال خاشقجي.. غضب دولي متصاعد وعزلة خانقة لابن سلمان

رغم مرور عام على مقتل الصحافي “جمال خاشقجي“, ما زالت السعودية تحاول طَيّ تلك الجريمة البشعة التي أضعفتها، وتعرَّض رجلها القوي “محمد بن سلمان” لعزلة شديدة بسببها, كما يرى محللون أنه “سيكون من الصعب التخلص من وصمة العار التي خلّفتها الجريمة”. 

منذ بدايات الحادثة وُجّهت أصابع الاتهام مباشرة إلى ولي عهد السعودية الأمير “محمد بن سلمان”، بعد أن توجّهت الأنظار إلى “سعود القحطاني” المستشار السابق في الديوان الملكي السعودي والمُقرّب من ولي العهد، بالإضافة إلى “أحمد عسيري” الذي كان يشغل منصب نائب رئيس المخابرات السعودية، واللذين صدر بحقهما قرار ملكي بإعفائهما من منصبهما بعد أيام على الحدث.

“ابن سلمان” يعترف بتحمّله المسئولية 

وعلى برنامج “60 دقيقة”، أجاب ولي عهد السعودية على سؤال إنْ كان قد أمر بقتل “خاشقجي” فقال: “بلا شك لا، الحادثة مؤلمة جداً لكن أتحمّل المسؤولية بالكامل كقائد في المملكة العربية السعودية، خاصة لأن الحادث من مسؤولين سعوديين”.

وأوضح أن ما يقصده بتحمُّله للمسؤولية هو أنه “عندما تَحدُث حادثة ضد مواطن سعودي من قِبل موظفين في الحكومة السعودية، كقائد لا بد أن أتحمَّل المسؤولية، هذا خلل حدث، ولا بد لي من اتخاذ جميع الإجراءات لِتجنُّب مثل هذا الشيء في المستقبل”.

وبحسب استنتاجات وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، فإن ولي العهد قد يكون هو مَن أمر بعملية القتل في القنصلية.

كما خلصت “أنييس كالامار” خبيرة حقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة التي أجرت تحقيقاً مستقلاً في مقتل الصحافي السعودي “جمال خاشقجي”، إلى أن هناك “أدلة موثوقة” تُشير إلى “المسؤولية القانونية لكبار المسؤولين السعوديين بمن فيهم ولي العهد السعودي” عن العملية.

عزلة سعودية 

كان ولي العهد الأمير “محمد بن سلمان” يحظى بالثناء من القادة الدوليين وكبار رجال الأعمال بسبب ما وُصفت بـ “الإصلاحات” التي أدخلها على المملكة المحافظة, بيد أن هذه الصورة اهتزت كثيراً بعد مقتل الصحفي المعارض “جمال خاشقجي” في قنصلية بلاده في “إسطنبول” في الثاني من أكتوبر من العام الماضي.

وأدّى تصاعد الغضب الدولي إثر مقتل “خاشقجي” إلى مواجهة “ابن سلمان” عزلة خانقة، ووضعت سجل حقوق الإنسان في المملكة تحت المجهر.

وسعى ولي العهد منذ ذلك الحين إلى إصلاح سُمعته عبر إطلاق حملات علاقات عامة من أجل جذب المستثمرين مجدداً، مع تسريع ما يصفه المُحلّلون بـ “الميل نحو الشرق” عبر تعزيز التحالف مع دول لا تنتقده مثل الهند والصين. بيد أن هذه الخطوة لم تُحقّق نجاحاً كبيراً.

ويؤكد “كوينتين دو بيومودان” – الخبير في شؤون السعودية في معهد البحوث للدراسات الأوروبية والأميركية – أن “مقتل خاشقجي ترك السعودية إلى حد ما معزولة عالمياً”.

وقال لـ “فرانس برس”: “ظاهرياً أعرب ترامب عن دعمه للسعودية ولكن أميركا تصرّ على أنها لا تعتمد على النفط السعودي كما كانت من قبل”.

وأضاف أن “السعودية وحدها تتعامل مع تهديد إيران والصراع في اليمن المجاورة” لها.

ويؤكد “دي بيمودان” أن “السعودية وظّفت مؤثرين غربيين على وسائل التواصل الاجتماعي للترويج للمملكة وتحسين صورتها منذ مقتل خاشقجي” إلا أنه أكد “سيكون من الصعب التخلص من وصمة العار التي خلّفتها الجريمة”.

توتر العلاقات الأمريكية السعودية 

وأكد السيناتور الأميركي “كريس ميرفي” أنه بالنسبة لي وللكثير من زملائي بمجلس الشيوخ، كانت عملية قتل “جمال خاشقجي” بمثابة القشّة التي قصمت ظهر البعير. تقوم السعودية بإشعال الصراع في اليمن الذي نتج عنه مقتل عشرات الآلاف من الأطفال الأبرياء نتيجة سوء التغذية والمجاعة.

وتموّل المملكة نسخة متطرفة تسهم في تغذية الجماعات الراديكالية الخطيرة، وتدعم الرياض النظم المستبدة القمعية ضد شعوبها.

ومنذ زمن بعيد تتبنّى السعودية كثيراً من السياسات والمواقف التي تتناقض مع مصالح الأمن القومي الأميركي وتناقض القيم الأميركية.

لن نترك قتلة “خاشقجي” 

وتعهّد السيناتور الأميركي “كريس ميرفي” بالمضي في مساعيه لدى الكونغرس الأميركي لمحاسبة قتلة الكاتب الصحفي السعودي “جمال خاشقجي”، مؤكداً تورط ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان في الجريمة.

وفي مقابلة مع “الجزيرة نت” عشية الذكرى السنوية الأولى لمقتل “خاشقجي”، اعتبر “ميرفي” تصريحات “ابن سلمان” بشأن تلك الجريمة “أمراً سخيفاً”, مؤكداً أن الكونجرس الأمريكي لن يترك قتلة “خاشقجي”.

كما أكد الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”، أن السعي لعدم بقاء الجناة بدون عقاب، “دين علينا لعائلة جمال خاشقجي”. جاء ذلك في مقالة كتبها لصحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية.

وأوضح “أردوغان” أن اغتيال “خاشقجي” مثير للقلق بسبب بُعد القضية الإنسانية واستغلال مبدأ الحصانة الدبلوماسية.

وأضاف “أردوغان” أن بلاده تتعهّد بمواصلة بذل الجهود في المرحلة المقبلة؛ لكشف ملابسات جريمة مقتل الصحفي السعودي “جمال خاشقجي”.

مطالبات بمحاكمة دولية بالذكرى الأولى لاغتيال خاشقجي.. غضب دولي متصاعد وعزلة خانقة لابن سلمان

وأكد “أردوغان” أننا نؤمن بأن العدالة لن تتحقّق إلّا على يد المحاكمة الوطنية والدولية، وأن من مصلحة تركيا والإنسانية عدم وقوع مثل هذه الجريمة في أي مكان بالعالم.

وأردف قائلاً: “إن ادعاءات إدارة المحاكمة السعودية بعيداً عن الشفافية، وراء الأبواب المغلقة وإخلاء سبيل المتهمين بشكل غير رسمي، يتنافى مع ما ينتظره المجتمع الدولي ويؤثر سلبياً على صورة السعودية, ونحن لا نريد هذا للسعودية الحليفة والصديقة”.

وأوضح “أردوغان” أن جريمة مقتل “خاشقجي” تُعدّ أكبر حدث يحوم حوله الجدل في القرن الحادي والعشرين، بعد أحداث 11 سبتمبر الإرهابية الشهيرة.

كما ذكرت “أنييس كالامار” – مقررة الأمم المتحدة الخاصة بالإعدام خارج نطاق القضاء التي حقّقت في الجريمة – أن من غير الممكن الوثوق بالنظام القضائي السعودي لتحقيق العدل في قضية قتل “خاشقجي”، لعدم استقلاليته عن تدخل السلطات الحاكمة، كما أن ضمانات المحاكمة القضائية العادلة غير موجودة، مؤكدةً ضرورة البحث عن أنظمة ولاعبين آخرين من أجل تحقيق العدالة.

وأكدت “كالامار” أن القانون الدولي لا يعتبر الجريمة شأناً داخلياً سعودياً، وأن القانون الدولي يسمح للولايات المتحدة وتركيا بالتدخل.

وقالت منظمة “هيومن رايتس ووتش”: إن على الحكومة السعودية توفير العدالة في مقتل “خاشقجي” لدورها في الجريمة.

وقالت المنظمة في بيان: إن السلطات السعودية أعاقت المساءلة الحقيقية عن مقتل “خاشقجي” برفضها التعاون مع تحقيق المقررة الأممية “أنييس كالامار”.

وقالت “سارة ليا ويتسن” – المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة -: إن على ولي العهد وحكومته توفير الشفافية في المحاكمة السرية لأحد عشر شخصاً، والكشف عن كل ما يعرفونه عن التخطيط لقتل “خاشقجي” وإعدامه وما بعده.

وأضافت أن السلطات السعودية تضاعف القمع وتستمر في إسكات الأصوات السعودية المستقلة التي سعى “خاشقجي” للدفاع عنها، مطالبةً الحكومة السعودية بأن تطمئن المجتمع الدولي بأنها ستنهي انتهاكاتها بحق الصحفيين والمعارضين، فضلاً عن إطلاق سراح المعتقلين ظلماً.

نشطاء يحيون ذكرى مقتله أمام مسرح الجريمة 

ويحيي نشطاء وحقوقيون ومنظمات داعمة لحرية الصحافة وأصدقاء للصحفي السعودي الراحل “جمال خاشقجي”، ذكراه أمام القنصلية السعودية في “إسطنبول”، حيث تم اغتياله في مثل هذا اليوم من العام الماضي.

وبدأت فعاليات إحياء الذكرى عند الساعة الواحدة و14 دقيقة من بعد ظهر اليوم بالتوقيت المحلي (10:14 بتوقيت غرينتش)، وهو نفس الوقت الذي كان قد دخل فيه “خاشقجي” إلى مقر القنصلية السعودية للحصول على وثائق لإتمام الزواج من خطيبته التركية “خديجة جنكيز”.

ويشارك في الفعالية “أنييس كالامار” مقررة الأمم المتحدة الخاصة بالإعدام خارج نطاق القضاء التي حقّقت في الجريمة، و”جيف بيزوس” مالك صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية، والناشطة اليمنية “توكل كرمان” الحاصلة على جائزة “نوبل” للسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق