بين السطور.. ماذا يقصد “بن سلمان” من رسائله للأمريكان؟

عشية الذكرى السنوية الأولى لذبح الصحفي “جمال خاشقجي”، داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، وجه الأمير “محمد بن سلمان“، حاكم مملكة النفط السعودية، عدة رسائل إلى الرأي العام الأمريكي، من خلال مقابلة خاصة أجرتها معه في “السعودية” قناة سي بي إس الأمريكية. المقابلة أجريت يوم الثلاثاء الماضي، وتم بثها مساء امس في برنامج 60 دقيقة، أحد البرامج التلفزيونية السياسية الأكثر مشاهدة في “الولايات المتحدة”.

المقابلة كانت مهمة بلا شك لعدة اسباب، أهمها أن بن سلمان، يسعى إلى دفن قضية خاشقجي نهائيا، مع أن جثة الرجل، الذي كان يوما ما أحد المقربين إلى جهاز المخابرات والأسرة المالكة في السعودية، لم يتسلمها أهله بعد، وما يزال مكانها مجهولا حتى الآن . لكن هذا ليس السبب الوحيد. بن سلمان انكر “مطلقا” انه هو الذي “أصدر الأمر” بقتل خاشقجي، لكنه أعلن انه يتحمل “المسؤولية الكاملة” عما حدث. وقال إنه كان “خطأ” ، وأنه يعمل على “ألا يحدث مثل ذلك في المستقبل.”

خلال المقابلة، وجه “بن سلمان” عدة رسائل سياسية مهمة، مباشرة وغير مباشرة، إلى الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، وإلى أعضاء الكونجرس، والرأي العام الأمريكي، مفادها ان العلاقات الأمريكية السعودية هي أكبر من المواجهة مع إيران، وأكبر من الحرب في اليمن، واكبر من مجرد مبيعات السلاح. في هذه الرسائل فتح بن سلمان للرئيس الأمريكي طريقا للتفاوض مع إيران، وازال عنه أي شبهة حرج بهذا الشأن، مع ان إيران تطلب “ثمنا أكبر” لتعديل الاتفاق النووي الذي انسحبت منه الولايات المتحدة. هذا الثمن تحدده طهران، وليس الرياض أو واشنطن.بين السطور.. ماذا يقصد "بن سلمان" من رسائله للأمريكان؟ بن سلمان

هو أيضا وجه رسالة واضحة إلى العالم، بأنه “يفضل حلا سياسيا سلميا” في المواجهة مع إيران، لأن الحرب يمكن أن تقفز بأسعار النفط إلى “أرقام خيالية” وتؤدي إلى “انهيار الاقتصاد العالمي”. هذه رسالة غير مباشرة إلى إيران. لكنه مع ذلك دعا العالم الي اتخاذ موقف حازم، بإعادة التفاوض معها على نقطتين أكد عليهما هما : برنامج إيران النووي، ونفوذ إيران الإقليمي. هو يعرف انه لا يستطيع مواجهة تمدد النفوذ الإيراني، لكنه يريد الحد منه، في الأماكن المجاورة للسعودية، خصوصا في البحرين واليمن. وأظن أنه في هذا على استعداد للمقايضة بأي شيئ.

وعندما تحدث بن سلمان عن حرب اليمن، وعن إمدادات الأسلحة الأمريكية إلى السعودية، قال إن العلاقات بين واشنطن والرياض أكبر من ذلك، بدون أن يشير مباشرة إلى الفيتو الذي اتخذه الرئيس الأمريكي، ضد قرار الكونجرس بتقييد مبيعات الأسلحة الأمريكية للسعودية، بسبب حرب “اليمن” وقتل “خاشقجي”.

أما عن حرب “اليمن” تحديداً، فقد دعا “إيران” إلى وقف دعمها للحوثيين، (هو يعرف انها لن توقفه)، ووصف الحرب بأنها “مشينة”، وأعلن انه منفتح على “كل المبادرات لإيجاد حل سياسي” هناك. بن سلمان قال هذا الكلام، بعد أيام قليلة من إعلان الحوثيين مبادرة لوقف متبادل للقتال عبر الحدود، ردت عليها السعودية السعودية بالمزيد من الغارات والضربات الجوية والقصف المدفعي داخل اليمن، شمالا وجنوبا. كلام بن سلمان اذن بشأن اليمن عديم المصداقية، وينطوي على خداع مكشوف. لن يصدقه اليمنيون، ولن يصدقه الايرانيون.

يقول الدكتور “محمد مجدي” أستاذ العلوم السياسية، إن رسالة “بن سلمان” عن “خاشقجي” قد تمر، لأن مصالح شركات السلاح الأمريكية، وغيرها من الشركات الموردة للسعودية، تقف وراء هذه الرسالة وتؤيدها. يساعده أيضا في ذلك أن الرئيس التركي أردوغان تخلص من مسؤوليته، باعتباره رئيس البلد الذي وقعت الجريمة على أرضه، بإلقاء الكرة في ملعب الأمم المتحدة. الأمم المتحدة تطالب بتحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين بمن فيهم بن سلمان.

“السعودية” تقول إنها تجري تحقيقات بالفعل، واستبعدت بن سلمان. لكن بعد ما يقرب من عام، فإن هذه التحقيقات لم تكشف حتى عن مكان جثة القتيل.

واضاف أن رسائل بن سلمان بشأن إيران، لا يملك فيها أي قدر من التأثير، ويعود الأمر كله إلى إرادة كل من واشنطن وطهران، فهما اللتان تقرران في هذا الشأن. وقد أوضحت طهران بما لا يقبل الشك، إنها لن تتفاوض مع الولايات المتحدة تحت ضغط العقوبات، وأن طهران لها اليد العليا في هذا الشأن، وهي تستطيع أن تتعايش مع العقوبات، وقد أثبتت ذلك لسنوات طويلة.

وتابع: بالنسبة لليمن، فالأمير محمد بن سلمان يعلم تماما أنه لن يكسب الحرب في اليمن، وأن عليه أن يسرع باتخاذ قرار بوقف كل العمليات العسكرية السعودية، وهذا يستلزم وقف غارات الطيران، وسحب القوات السعودية التي زادت كثافة تركيزها في الجنوب خلال الأشهر الأخيرة.

وأردف قائلاً: وقف حرب اليمن من جانب السعودية، سوف يلقى استجابة من جانب الحوثيين، وأن انسحاب القوات السعودية من الجنوب، سوف يمهد الطريق لمصالحة بين القوى السياسية، تفتح الباب على مستقبل أفضل وأكثر أمانا لليمن جنوباً وشمالاً.

واختم بالقول إنه لا أمان للسعودية مع استمرار حرب اليمن، ولا أمان للسعودية ولا أمن للخليج مع استمرار العداء لإيران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق