بعد الحديث عن مياه الصرف الصحي.. هل أغلقت المفاوضات مع إثيوبيا للأبد؟

رغم المماطلات الإثيوبية وجحم الخسائر التي سيُعاني منها المصريون, إلا أن نظام قائد الانقلاب العسكري “عبد الفتاح السيسي” ما زال يتعامل مع الأمر بمنتهى الرعونة منذ سيطرته على السلطة عقب انقلاب الثالث من يوليو 2013، واحتفظ بهذا الملف دون مشاركة أي قوى سياسية أو خبراء أو متخصصين، ليستخدمه في مقايضة سياسية يحصل من خلالها على شرعية أفريقية، بعودته إلى الاتحاد الأفريقي الذي علّق عضوية مصر بسبب الانقلاب.

وبعد أن تعهّد “السيسي” لإثيوبيا والدول الداعمة لها بالموافقة على بناء السد تمّت إعادة عضوية مصر للاتحاد الأفريقي رغم بقاء سلطة الانقلاب دون تغيير، ودون عودة للحياة المدنية وفقاً لاشتراطات الاتحاد الأفريقي نفسه.

ونتيجة لرعونة “السيسي” في التعامل مع ملف “سد النهضة“, أكد رئيس الوزراء “مصطفى مدبولي“، أمس الأربعاء، أننا دخلنا في فقر مائي، وسنعتمد الفترة القادمة على شرب مياه الصرف الصحي، وأن الدولة بدأت بالفعل في صرف مليارات الجنيهات على محطات تحلية المياه.

واعتبرت إثيوبيا أن مصر تسعى للحفاظ على سيطرتها على مياه النيل ورفضت الاقتراحات المصرية واعتبرت بناء السد هو مسألة بقاء وسيادة وطنية، وأنه تعدّى الخط الأحمر الذي رسمته إثيوبيا.

شرب مياه الصرف الصحي

وقال رئيس حكومة الانقلاب “مصطفى مدبولي”: إن مصر دخلت في مرحلة الفقر المائي طبقاً للمعايير الدولية، والتي يقلّ فيها نصيب الفرد عن أقل من ألف متر مكعَّب في العام، مشيراً إلى أن حصة مصر من مياه النيل ثابتة عند 55.5 مليار متر مكعب سنوياً، ما أدّى إلى انخفاض نصيب المواطن إلى أقل من 700 متر مكعب، وهي كمية مُهدّدة بالنقصان خلال الأعوام المقبلة؛ نتيجة الزيادة المطردة في أعداد السكان.

وأضاف “مدبولي”، في بيان ألقاه أمام مجلس النواب عن فشل مفاوضات “سد النهضة”، قائلاً: “شرعنا في معالجة مياه مصرف بحر البقر، وهو من أكبر المشروعات في العالم، وينتج نحو 5 ملايين ونصف مليون متر مكعب من مياه الصرف الزراعي، ومعالجة مياه مصرف (المحسمة)، والذي ينتج مليون متر مكعب يومياً”.

إثيوبيا ترفض الاقتراح المصريبعد الحديث عن مياه الصرف الصحي.. هل أغلقت المفاوضات مع إثيوبيا للأبد؟ إثيوبي

ورفضت إثيوبيا كل المقترحات المصرية، وأصدرت وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية عن وزارة المياه والري والطاقة، بياناً أكدت فيه أن “اقتراح مصر الجديد بشأن سد النهضة أصبح نقطة خلاف بين البلدين وعبور للخط الأحمر الذي رسمته إثيوبيا”.

وأوضح البيان أن “مصر اقترحت إطلاق 40 مليار متر مكعب من المياه كل عام، وإطلاق المزيد من المياه عندما يكون سد أسوان (جنوبي مصر) أقل من 165 مترًا فوق مستوى سطح البحر، ودعت طرفًا رابعًا في المناقشات بين الدول الثلاث”.

وتابع: “رفضت إثيوبيا الاقتراح لأن بناء السد هو مسألة بقاء وسيادة وطنية، والاقتراح عبر أيضاً الخط الأحمر الذي رسمته إثيوبيا”.

وكرّرت إثيوبيا أكثر من مرة، أن المفاوضات لم تصل لطريق مسدود، وأن مصر تطالب بـ “أمور مدهشة”، وفق تصريحات سابقة لوزير المياه والري والطاقة الإثيوبي، “سلشي بقلي”.

إغلاق أبواب التفاوض

ويرى الخبير في الشؤون الأفريقية الدكتور “عباس شراقي” أن تعثُّر المفاوضات لا يعني إغلاق باب التفاوض، وهو ما لم يعلن في البيان، ما يعني عودة مصر إلى التفاوض حال التزمت إثيوبيا بالبند العاشر المعلن في البيان.

وأضاف “شراقي”، في تصريحات صحفية، أن القلق ليس في تعثُّر المفاوضات، فهذا كان متوقعاً، بل ما يقلق المصريين رفض إثيوبيا وجود طرف محايد، موضحاً أن الرؤية لدى القاهرة أصبحت أكثر وضوحاً، والقادم حلٌّ سياسي لا فني.

وأشار الخبير المائي في جامعة القاهرة إلى أن مصر شرعت في تدويل القضية بدايةً من حديث “السيسي” خلال كلمته بالأمم المتحدة في شهر سبتمبر الماضي، مشدداً على أن نهر النيل نهر دولي، وبالتالي يحق لمصر أن تطّلع على الدراسات الخاصة بإقامة أي منشأ مائي عليه وفق ما تنص الاتفاقية العامة للأنهار بالأمم المتحدة؛ وذلك لمعرفة الأضرار التي تتعرّض لها دول المصب مثل مصر والسودان؛ نتيجة قيام دول المنابع، مثل إثيوبيا، بإنشاء مشروعات مائية على النيل.

وتساءل “شراقي”: “أين هيبة الدولة المصرية؟ فإثيوبيا تُرسّخ لأحد نماذج الفوضى في أفريقيا من خلال قيامها ببناء سدّ النهضة دون الاستجابة للمطالب المصرية التي تؤكد ضرورة عدم الضرر والتعاون في ملئه وتشغيله وفق الاتفاقية الموقعة بين رؤساء مصر والسودان وإثيوبيا، المعروفة بوثيقة سدّ النهضة، والتي تُشدّد على التعاون بين الدول الثلاث في هذا الإطار”.

قوة الموقف المصري

ويرى الخبير في القانون الدولي للمياه “مساعد عبد العاطي” أنه “على الرغم من التنازلات التي قدّمتها مصر، إلا أنها ما زالت في موقف قانوني متين، بل يمكن لها تعظيم الاستفادة القانونية من السلوك الإثيوبي المتعسف منذ 2011 حتى اليوم، من خلال كشف حقيقته، وكيف أنها مدّت يد التعاون والتشاور مع إثيوبيا رغم انتهاك الأخيرة لقواعد القانون الدولي، وبما ينفي عن القاهرة ما تروّج له أديس أبابا من أنها تقف ضد خطط التنمية، وهو ما اتضح في خطاب السيسي على منصة البرلمان الإثيوبي، والذي يُعدّ أكبر دليل على احترام مصر لحسن الجوار وحق إثيوبيا في التنمية”.

وفيما يتعلق بالحجج القانونية التي تمتلكها، لفت “عبد العاطي” إلى أن لمصر العديد منها، أهمها معاهدة 1902 وهي معاهدة حدودية وقّع عليها ملك ملوك إثيوبيا “منليك الثاني” مع بريطانيا، متعهداً رسمياً بعدم إقامة أي مشروعات على أنهار “السوباط” و”عطبرة” و”النيل الأزرق” من شأنها عرقلة وصول المياه إلى مصر والسودان، وأيضاً تعهّد إثيوبيا بإخطار السودان عند عزمها إقامة أي مشروعات والتفاوض مع مصر والسودان قبل البدء في تنفيذها، فضلاً عن معاهدات الحدود والتي تتميز بقدسية ومرتبة قانونية سامية عن سائر الاتفاقيات الدولية، وهو ما أكدته اتفاقية “فيينا” للتوارث الدولي لعام 1978 والتي وقّعت وصدّقت عليها إثيوبيا.

السناريوهات المقترحة

قال مستشار وزير الري السابق، “ضياء القوصي“: إن “مرحلة فشل التفاوض تعني بدء مراحل جديدة، بداية من اللجوء إلى وسيط، حتى الوصول إلى التحكيم الدولي”، لافتاً في تصريحات صحفية إلى أن مصر “لا تمتلك كثيراً من الحلول إلا من خلال التفاوض وتدويل القضية، والاعتماد على الدبلوماسية، فالحديث عن أي حل عسكري ليس وارداً في سياستها”.

وفيما يخص الوساطة، لفت إلى أنه ليس شرطاً أن يكون الوسيط دولة، بل من الممكن أن تكون هناك أدوار في هذا الملف الشائك لمنظمة دولية أو البنك الدولي، أو ربما للاتحاد الأفريقي.

وأشار إلى أن القاهرة وأصدقاءها في المنطقة العربية والأفريقية سوف يمارسون ضغوطًا كبرى؛ لأن مياه النيل والحقوق المصرية التاريخية لا يمكن المساس بها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق