الاصطفاف مع نتنياهو..

في بداية العام ألفين وخمسة عشر زارني باحث أمريكي وصحفي متخصص في شؤون الشرق الأوسط بالقاهرة و دار بيننا حوار حول حق “الأكراد” في دولة , دولة مقتطعة من أراضي سورية وإيرانية و تركية وعراقية.

لن أطيل بعرض ما قلت في الحوار أو إثبات وجاهة رؤيتي حينها ولا ما قال هو إلا من جملة واحدة , قال فيها أنه يرى أن الإدارة الأمريكية قد حسمت أمرها وأن تلك الدولة الحلم سترى النور لا محالة وبدعم أمريكي غير محدود

الرجل كان ينطلق في رؤيته من تلك النظرية القومية التي أسس لها “ماتزيني” والتي تقول أنه من حق كل تلك تجمع بشري مشترك في اللغة أو الثقافة أو العرق أن يعلن دولته , متجاهلا مسألتين مهمتين ,الأولى هي حق الدول التي سينفصل عنها ذلك الكيان في حماية نفسها , والثانية هل قرر الأكراد فعلا قيام دولة لهم أم أن الأمر مصطنع برمته ؟؟

هل سيدعم الأمريكان دولة للأمازيغ في شمال أفريقيا بين مصر وليبيا أو بين ليبيا والجزائر مع الأيام أو دولة للبدو في صحراء مصر الشرقية أو سيناء أو للنوبيين في جنوب مصر أو دولة للتركمان في سوريا أو حتى دولة للكتالونيين في أسبانيا ؟؟ ولماذا دولة الأكراد المزعومة فقط هي ما يشغل الأمريكان ؟؟

أثبتت الأيام ما قال الرجل , ليس فقط بدعم الأمريكان قوات “قسد” التي هي قوامها الرئيسي من الـ “واي.بي.جي” الذراع العسكري لحزب “الاتحاد الديقراطي” الكردي بقيادة “صالح مسلم” ,ذلك الحزب الذي هو مجرد امتداد لحزب العمال الكردستاني “بي.كا.كا” الانفصالي في الجنوب التركي لزعيمه “عبد الله أوجلان”، وهي قوات يصل تعداد منتسبيها الى خمسين ألف مقاتل !! تحت ذريعة أنهم هم القادرون على محاربة “داعش”, وبالفعل أعلنت “قسد” انتهاء “داعش” وزينت صورة “أوجلان” شوارع مدن “عين العرب” و”منبج” بدلاً من أي زعيم سوري حتى “صالح مسلم” نفسه , على أرض يقولون الآن أنها سورية.

ذلك الدعم الذي وصل الى أن خصّصت وزارة “الدفاع الأمريكية” 300 مليون دولار من ميزانية عام 2019 لتدريب وتجهيز قوات “قسد” كما خصصت 250 مليون دولار للقوة الأمنية الحدودية التي أسستها تلك القوات.

وأظهرت الصور التي جرى التقاطها عند جانب الحدود التركية منتصف فبراير عدد من دبابات ام تي 60 المزودة بمنظومات مجسات إنذار ليزرية ومنظومات إنذار موضعية ومحطات تسليح تعمل بالتحكم عن بعدالاصطفاف مع نتنياهو.. مع

ليس فقط ذلك الدعم غير المحدود ما أثبت قول الرجل بل أن انفصاليو أكراد العراق وبشكل علني في العام ألفين وسبعة عشر استغلوا حالة السيولة في العراق الممزق وأعلنوا أنهم قد استفتوا على الانفصال عن العراق في سبيل الدولة الحلم وأنهم قد وافقوا.

تلك الخطوة التي كان مصيرها الطبيعي الرفض من العراق ومن تركيا ومن إيران ,ذلك أن الخطة أصبحت معلومة لا مراء في مآلاتها , وغني عن الذكر ظهور العلم الصهيوني الإسرائيلي في مظاهرات الانفصال في شكل يفتقد حتى للذكاء اللازم للتغطية على الدعم الصهيوني للانفصال.

ولكن فلنعد الى الشمال السوري ولنعد بالزمن إلى الوراء قليلا ,فمنذ سنة ونصف أيضا رأينا ولولة اسرائيلية اماراتية على دخول قوات الجيش الحر المعارض المدعومة بقوات تركية إلى مدينة عفرين مزيحة قوات قسد عن حكم المدينة ,واستقرت عفرين وعاد إليها أهلها المهجرين وأديرت عفرين بواسطة أهلها الذين هجرتهم قوات “قسد”.

قوات “قسد” التي لم ولن ينسى التاريخ ذلك العرض المجرم الذي صنعوه لجثث قتلى الفصائل الأخرى في ريف حلب قبل تاريخ تحرير عفرين منهم بسنة وإليكم فيديو الجريمة .

قوات قسد إذن هي قوات عسكرية كبيرة ” 50 ألف مقاتل ” مدعومة أمريكية تهدف إلى الانفصال وهي مرتبطة بقوات عسكرية أخرى فرت أو كامنة في الجنوب التركي ,وليس الأمر متعلق بمدنيين آمنين ليسوا ذوي غرض كما يحلو للبعض وصف الأمر وقد عرضنا لحضراتكم الصورة المقابلة.

في ذات الوقت فعلى الجميع الاعتراف بما فيهم الرئاسة التركية أن ثلاثة ملايين ونصف نازح سوري هم معضلة حقيقية للسياسة الداخلية التركية وجب على حزب العدالة والتنمية الحاكم حلها قبل أن تكون سببا في وضع لن يحبه الحزب يقينا.

تلك نقطة لا يمكن لأحد إنكارها ولا إنكار أنها دافع إضافي لمواجهة الانفصاليين المسلحين وتعبيد الطريق لإنشاء منطقة آمنة مخدومة صالحة لعودة هؤلاء وهو ما أعلنه الرئيس أردوغان , تلك المنطقة التي طالبت تركيا على مدار سنة ونصف بتأسيسها ولات حين من مجيب , فليس أمام تركيا من أجل حل المعضلتين إلا تأسيسها بنفسها.

تلك هي الصورة العامة التي وجب أن نوضحها للقارئ الكريم ولن يجدها في حديث المولولين يقينا , لا في حديث المولولين الموالين للصهاينة وعملاءهم ولا في حديث المولولين من مدعي المثالية والطهر الثوري الذي لا يأتيه الخطأ من بين يديه ولا من خلفه

بقيت نقطة واحدة وهي إجابة لسؤال أراه جادا وجيها, يقول السؤال وما شأننا نحن المصريين أو العرب من المنتمين لمعسكر الثورة ؟؟

والإجابة في رأيي تأتي على عكس دواعي السؤال واضحة يقينية، فيقيني إن انهزام كل مشروع من مشاريع الثورة المضادة الاماراتية الصهيونية ومن بينها مشروع قسد هو خطوة على طريق انتصار الثورة , وأن واجبنا دعمه ولو بكلمة ,وإلا وجدنا أنفسنا حتى وإن لم نعلم وبحسن نية في اصطفاف حقيقي مع “نتنياهو” و”ابن زايد” و”دحلان”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق