وسواس القرن.. دور “ترامب” في خروج “بريطانيا” من “الاتحاد الأوروبي”

على ما يبدو يُسدَل الستار قريباً على مفاوضات خروج “بريطانيا” من “الاتحاد الأوروبي”؛ فالأطراف كلها تعاني من إجهاد سياسي، بعد ثلاث سنوات من المفاوضات، أطاحت حتى الآن برئيسين للوزراء، الواحد منهما تلو الآخر، وربما تطيح بالثالث.

في “بريطانيا”، الحكومة منقسمة بين الخروج باتفاق، وبين الخروج بغير اتفاق، “مجلس العموم” منقسم بين الخروج وبين البقاء، الأحزاب منقسمة، الناخبون منقسمون، خطيئة الاستفتاء الذي جرى عام 2016 تقض مضاجع الجميع.

كان الاستفتاء خطيئة لأنه لم يشترط أغلبية الثلثين في قرار مصيري، وإنما اخذ بمبدأ الأغلبية البسيطة (50%+1)، فانقسمت “بريطانيا” إلى نصفين تقريباً. وسواس القرن.. دور "ترامب" في خروج "بريطانيا" من "الاتحاد الأوروبي" بريطانيا

“أوروبا” في ورطة، وتريد أن تنتهي من صداع المفاوضات مع بريطانيا، لكي تمضي في طريقها، وتعيد ترتيب البيت الأوروبي من الداخل.

لكن الكابوس الذي يهدد “الاتحاد الأوروبي”، هو أن يصبح خروج “بريطانيا” مثالاً يحتذى من جانب أعضاء آخرين، منهم بولندا والمجر.

يقول الدكتور “محمد مجدي” أستاذ العلوم السياسية بجامعة “عين شمس”، إن هذا بالضبط ما يريده الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، الذي لا يريد أن يرى قوة قادرة على منافسة “الولايات المتحدة”، لا في الأرض، ولا في البحار، ولا في الفضاء.

فترامب وعد “بريطانيا” بالسمن والعسل، في حال خروجها من “الاتحاد الأوروبي”؛ فخروجها سيكون بمثابة الضربة الكبري لمصلحة “الولايات المتحدة”.

وأضاف: الجولة الأخيرة للمفاوضات بين “جونسون” ورئيس وزراء أيرلندا “ليو فارداكر”، كانت إيجابية على حد تعبير الثاني، والرسائل الصادرة عن التوصل إلى حل قريب تبعث على الأمل. الأيام المقبلة وحتى موعد القمة الأوروبية المقررة في 17-18 من الشهر الحالي ستكون حاسمة وقاطعة، أو هكذا يفترض الخبراء.

وتابع: مع انتهاء القمة ستكون بريطانيا أمام ثلاثة احتمالات، الأول إعلان التوصل إلى اتفاق يضمن خروجاً منظماً لها من الاتحاد خلال عامين تقريباً، والثاني تمديد أجل المفاوضات إلى يناير المقبل، والثالث هو أن تسقط “بريطانيا” من عضوية الاتحاد بدون اتفاق، وهو الكابوس الذي يريد الجميع أن يتجنبه، باستثناء “بوريس جونسون”، الذي يهدد ويقسم بأنه سيأخذ “بريطانيا” خارج الاتحاد مع نهاية يوم 31 أكتوبر بتوقيت “أوروبا” أي قبل ساعة من انتهائه بتوقيت “جرينتش” أيا كان الأمر.

أزمة “بريطانيا” يعكسها تذبذب قيمة الجنيه الإسترليني كل يوم، كما تنعكس أيضا على سلوك المستهلكين والمنتجين، الذين يعانون من الحيرة وعدم اليقين.

وأردف: لفهم هذه الحالة، توجد ثلاثة مستويات للتحليل، بعيدا عن تقلبات الأخبار لحظة بلحظة.

الأول: يستند على محركات السياسة المحلية، وكيفية التعامل مع نتائج استفتاء 2016 الذي صوت فيه البريطانيون بأغلبية 52 في المئة للخروج.

الثاني: هو المسرح الأوروبي، والتنافس على الزعامة داخل أكبر كتلة تجارية واقتصادية في العالم من حيث عدد أعضائها، والدور الذي تلعبه كل من “ألمانيا” و”فرنسا” في تحجيم نفوذ “بريطانيا” داخل الاتحاد، والعبء المالي الذي تتحمله بريطانيا في ميزانية الاتحاد.

أما المستوى الثالث: فيتعلق بمحركات القوة في النظام العالمي، ورغبة “الولايات المتحدة” في ضرب “الاتحاد الأوروبي”، بمقتضى استراتيجية لمنع ظهور أي قوة تنافس “الولايات المتحدة” على المستوى العالمي؛ ويجب أن نعلم أن للروس أيضا مصلحة في إضعاف أوروبا.

وأشار إلى أن مفاوضات الخروج من الاتحاد تمثل محور صراع رئيسي بين الحزبين الكبيرين في بريطانيا.

ومع أن البقاء ضمن “الاتحاد الأوروبي” له أنصار في حزب “المحافظين”، والخروج أيضاً له أنصار بين صفوف حزب “العمال”، فإن أغلبية تتراوح بين 80 إلى 90 في المئة من الحزبين، تقف موقفاً معارضاً؛ فالأغلبية في “المحافظين” هي للخروج، بينما العكس في العمال.

المشكلة في حزب “العمال” أن ما يقرب من 40 من نوابه في مجلس العموم يؤيدون الخروج، وأن عددا من الدوائر الانتخابية المهمة للحزب، صوت ناخبوها هامشياً للخروج.

وتابع: الورطة الكبرى الحالية في السياسة البريطانية، لم تنشأ نتيجة لانقسام توجهات الناخبين وتصويتهم في استفتاء يونيو 2016؛ وإنما بسبب أن الاستفتاء على مسألة مصيرية مثل الخروج من “الاتحاد الأوروبي”، لم يكن أبدا ليتم بأغلبية بسيطة تزيد عن الـ 50 في المئة ولو بناخب واحد.

هذه مسألة مصيرية، كانت تستلزم حصول الاقتراح الملزم للحكومة على أغلبية الثلثين من أصوات الناخبين على الأقل؛ لكن المناقشات التي جرت وقتها عام 2016 ذهبت إلى أن ذلك غير ضروري، لأن الاستفتاء ليس أداة أصيلة من أدوات الديمقراطية البرلمانية، وأن نتيجته “استشارية” وليست “ملزمة”.

هذه الحجة سقطت عملياً بسرعة في بحر المناقشات وحملة التعبئة، عندما أكد “ديفيد كاميرون” وقتها أن التصويت في الاستفتاء لصالح الخروج يعني الخروج الفعلي وليس شيئا غير ذلك.

هذا التوجه في الخطاب السياسي هو الذي يستند إليه حالياً “بوريس جونسون” والمحافظون اليمينيون أصحاب النزعة القومية الإنجليزية، بقيادة مجموعة الأبحاث الأوروبية.

هؤلاء يقولون صراحة إن عدم الخروج يعني أن الحكومة تخون نتيجة التصويت، أي الأمانة التي فوضها فيها الناخبون.

ومع ذلك فقد شهدت الأيام الماضية بوادر تمرد داخل قيادات “المحافظين” في البرلمان وفي الحكومة، رفضاً لأي احتمال لخروج “بريطانيا” من “الاتحاد الأوروبي” بدون اتفاق.

الخروج المنظم باتفاق يكتسب تأييداً متزايداً داخل حزب “المحافظين” كلما اقترب موعده بسبب فداحة الثمن الاقتصادي والسياسي الذي ستدفعه “بريطانيا” في حال الخروج بدون اتفاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق