كيف تأثرت الدولة بـ”توهان” سياستها الخارجية؟

تعتبر السياسة الخارجية لكل دولة، هي التعبير الدقيق عن المصالح الدائمة والمتغيرة لها، في علاقاتها مع العالم الخارجي، بكل ما فيه من وحدات سياسية وغير سياسية، حكومية وغير حكومية، منفردة او متعددة الأطراف. ولذلك فإن هناك علاقة قوية بين السياسة الخارجية وبين استراتيجية الأمن القومي للدولة، بصرف النظر عن تغير الحكومات.
وما يطلق عليه مصطلح “الدولة العميقة” يكون مسؤولا عن ضمان استمرار السياسة الخارجية في الطريق الصحيح، على أساس المصالح التي تضمن تحقيق وحماية واستمرار الأمن القومي للدولة، مهما تغيرت الحكومات، وتطورت النظرة إلى الأمن القومي، من مجرد حماية مصالح السلطة الحاكمة في وقت بعينه، إلى حماية المصالح الدائمة للدولة بمفهومها الشامل، الذي يشمل الشعب والإقليم الجغرافي والنظام السياسي العام، وليس حكومة الوقت. ثم تطورت النظرة أخيرا إلى اعتبار أن مصالح الإنسان الفرد، وعلى رأسها حقوق الحياة والتنمية والحريات الأساسية، هي المصالح الدائمة، التي تستند إليها استراتيجية الأمن القومي للدولة؛ فكل ما يهدد حياة المواطن، أو تنميته او حرياته، يتعارض بالضرورة مع مصالح الأمن القومي. ولهذا تطورت نظرية الأمن القومي من مجرد أمن الحدود، إلى أمن الوجود بمعناه الشامل إقتصاديا وبيئيا وسياسيا وعسكريا واجتماعيا.

كيف تأثرت الدولة بـ"توهان" سياستها الخارجية؟ دولةيقول الدكتور “إبراهيم نوار”، خبير العلاقات الدولية، إن هذا التطور في نظرية الأمن القومي بشكل عام، يستوجب الرحيل عن المنطق الجغرافي في بناء استراتيجية الأمن القومي والسياسة الخارجية، وهو المنطق الذي تقوم عليه نظرية الدوائر الثلاث في السياسة الخارجية المصرية، العربية والافريقية والدولة، وهي النظرية المستقرة منذ ستينات القرن الماضي. وعلى الرغم من أن “جمال عبد الناصر” تجاوز هذا المنطق الجغرافي العقيم، إلى منطق جيوسياسي فعال، بتركيز سياسة مصر الخارجية على حركة التحرر الوطني والتخلص من الإستعمار، إلا أنه بعد هزيمة يونيو 1967، عادت السياسة الخارجية المصرية للإنكفاء على نفسها، وفقا للمنطق الجغرافي، الذي يحدد دوائر هذه السياسة ويعرِّفها بمناطق الجوار، وليس بمصالح الأمن القومي المصري.
ويضيف الخبير: مصالح ضمان واستمرار إمدادات المياه اللازمة للبقاء، تتجاوز الدائرة العربية، التي هي طبقا للمنطق الجغرافي للأمن القومي، الدائرة الأولى للمصالح المصرية. وفي داخل الدائرة العربية، تعتبر استراتيجية الأمن القومي المصري، أن القضية الفلسطينية هي مركز هذه الدائرة، وهو ما يعني عمليا أولوية القضية الفلسطينية وأسبقيتها على المياه اللازمة للبقاء.
وتابع: نظرية الأمن القومي المصري المعمول بها حتى الآن، ذات المدخل الجغرافي العقيم، لم تتغير، ولم تتطور على الرغم من كل التطورات والأحداث التي عصفت بالعالم خلال العقود السبعة الأخيرة. هذه النظرية ظلت واقفة في مكانها لا تتزحزح، كأنما هي أثر من آثارنا التاريخية الحجرية. ومن المثير للدهشة أن يوجد بيننا من يباهي بذلك ويفتخر.
وأرجو هنا، أن يدرك كل المسؤولين عن هذه النظرية، التي تحدد أولويات السياسة الخارجية والدفاعية، وفيهم أساتذة لي وزملاء دراسة وأصدقاء اعتز بهم، أن الزمن تغير، لكننا، للأسف ، لم نتحل بالشجاعة الكافية، لإعادة النظر في مفهوم الأمن القومي المصري، الذي ما يزال على حاله، رغم تغير الزمن. كذلك فإن أسس صياغة محددات الأمن القومي من الناحية النظرية، هي الأخرى قد تغيرت، ولم تعد النطاقات الجغرافية هي المحدد الأساسي او المدخل لنظرية الأمن القومي.
وأردف: في نظرية الدوائر الثلاث، كانت قضية فلسطين، وما تزال هي قلب ومركز نظرية الأمن القومي المصري، وذلك على الرغم من كل التطورات التي شهدتها العلاقات المصرية – الإسرائيلية. لكننا على الأقل نستطيع القول بأن للدائرة العربية مركز، سواء اتفقنا عليه أم اختلفنا. بينما في الدائرتين الأخريين ضاعت منا البوصلة، واختفى المركز، وسادت حالة من الضبابية المذهلة. فعلى صعيد الدائرة الأفريقية، تحولت أهداف الأمن القومي المصري إلى مجرد توفير قدر من الاحتفالات الشكلية التي تؤكد على روابط مصر التاريخية والجغرافية بأفريقيا، لا علاقة لها بقضايا الأمن القومي المصري الحقيقية في افريقيا. ليس ذلك فقط، بل إن علاقات مصر الأفريقية الشكلية ذات الطابع الاحتفالي، إتخذت أيضا طابعا موسميا، ترتفع حرارتها او تنخفض لاعتبارات بعيدة تمام البعد عن الموضوعية ، وعن المصالح الحقيقية طويلة المدى للأمن القومي المصري.

وفي داخل الدائرة العالمية، تاهت السياسة الخارجية المصرية وتخبطت بين شعارات مثل، نصادق من يصادقنا ونعادي من يعادينا، اوالحياد الإيجابي وعدم الإنحياز، أو الصداقة والتعاون مع الإتحاد السوفييتي والعداء للولايات المتحدة، أو قطع العلاقات مع السوفييت والتقارب مع الولايات المتحدة. هل تعني هذه الدائرة العالمية للأمن القومي المصري أكثر من مجرد علاقات متبادلة مع دول العالم؟ هل حددنا المصالح طويلة المدى التي لا تقبل المساومة، والتي لا تقبل التغير، والتي يجب تأكيدها والمحافظة عليها دائما مهما تغير الحكم؟ وهل قدمنا لصانع القرار أو لصانع السياسة، القواعد والأسس اللازمة في التطبيق العملي للمحافظة على هذه المصالح؟ أظن أن المسؤولين عن وضع استراتيجية الأمن القومي لم يفعلوا. المسؤولون عن صياغة نظرية الأمن القومي المصري هم الأمناء على عقل صاحب القرار، ولا يجب أن يضلوا الطريق، ولا أن يتوقفوا عن التجديد بما يلزم، للتفاعل مع ما يحدث في العالم الحي، بعيدا عنا وخارج نطاق إرادتنا أو قدرتنا على صنع الأحداث.
الذين يعتقدون أن استراتيجية الأمن القومي، يجب أن تظل سرا مقدسا لا يطلع عليه غيرهم، هم واهمون، تماما مثل اولئك الذين يتمسكون حتى الآن بلافتة “ممنوع الإقتراب والتصوير” في عصر الأقمار الصناعية التي تصور كل شيئ وتخترق الحواجز الخرسانية! اذا أردت أن تعرف ما هي استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة، ما عليك إلا أن تدخل على الموقع الاليكتروني للبيت الأبيض او لمجلس الأمن القومي، للإطلاع على هذه الاستراتيجية.
وأضاف: كذلك الحال بالنسبة لكل الدول الناضجة. ليس ذلك في مجال الأمن القومي فقط، بل كذلك في مجالات السياسة الخارجية والدفاعية ومكافحة الإرهاب وسياسات الطاقة وغيرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق