السيسي و”إل تشابو”.. الإرهاب بين مصر والمكسيك

اعتاد السيسي في كل مناسبة ينبغي فيها الحديث عن التنمية والتطوير أو استعراض انجازاته، أن يعرج في حديثه إلى الإرهاب والأزمة الأمنية التي تعيشها مصر والتي تعطل مسيرتها التنموية وأنها السبب في عدم إحساس المواطن بأي نمو اقتصادي.

لم تكن تصريحات السيسي بهذا الصدد مجرد تصريحات للاستهلاك المحلي، وخداع الجماهير، ولكنه حرص على ترديد ذات الأسباب في محافل دولية، وأكد خلال لقاءه مع مانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي، في 24 أكتوبر عام 2017 خلال مؤتمر صحفي مشترك أن الإرهاب يُعد العائق الأكبر أمام تنمية بلاده، فيما أكد أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24سبتمبر من العام الجاري 2019، أنه يحمل برنامج طموح للنهوض في مصر بالإصلاح الاقتصادي ومحاربة الإرهاب، معتبرًا أن محاربة الإرهاب والنهوض بالاقتصاد وجهان لعملة واحدة.السيسي و"إل تشابو".. الإرهاب بين مصر والمكسيك السيسي

وجاءت تلك التصريحات بعد 4 أيام من حراك شعبي واسع في مصر يرفض السياسات الاقتصادية للسيسي وحكومته ويطالب برحيل النظام، ولكن السيسي اعتبر أن ذلك الحراك هو تحريض من جماعات إرهابية وأن أي رفض لسياساته الاقتصادية وطريقة إدارته لمصر هو محاولة من الإسلاميين للوصول إلى الحكم.

ولكن لسوء حظ السيسي، طالعتنا وكالات الأنباء الدولية خلال الأيام الماضية بأخبار من المكسيك عن حرب شوارع واسعة في مدينة كولياكان، بعد قيام الشرطة بالقبض على أوفيديو غوزمان، نجل زعيم أكبر عصابة للإتجار في المخدرات بالمكسيك، خواكين غوزمان “إل تشابو“، حيث قامت العصابة بعملية تحرير لنجل زعيمهم بمواجة من العنف المنظم ضد الشرطة، ما دفع الحكومة إلى إخلاء سبيله بعد عدة ساعات، بعد وقوع أعداد كبيرة من عناصر الشرطة بين مصابين وقتلى، وبررت الحكومة قرار إخلاء السبيل بأنه يهدف إلى استعادة الهدوء والأمان للمدينة، والحفاظ على أرواح المواطنين.

ما حدث بالمكسيك هو حالة من حالات الانفلات الأمني الفجة، والإرهاب المباشر الذي لا يقبل أي تأويل أو تفسير آخر، وهو ما دفع الحكومة لإنشاء وحدة أمنية جديدة لمواجهة تلك العصابات، وهو ما يشبه ما قام به السيسي من إنشاء قوات التدخل السريع داخل صفوف الجيش للمساعدة في ضبط الأمن بعد ما وصفه بالإرهاب داخل مصر.

المفارقة الرئيسية في المقارنة بين ما يحدث في مصر من أحداث عنف موسمية وحجم الانفلات الأمني، وبين حجم الانفلات الأمني في المكسيك وما يترتب عليه، هو معدل التنمية في كلا البلدين، فعلى الرغم من ارتفاع حجم الانفلات الأمني والجرائم في المكسيك بشكل يفوق الوضع في مصر بشكل كبير، إلا أن أغلب المؤشرات تشير إلى تفوق المكسيك بشكل كبير على مصر في مسيرة التنمية.

حيث كشف مؤشر الإزدهار العالمي لعام 2018 “THE LEGATUM PROSPERITY INDEX™ 2018” عن فارق ضخم بين ما حققته المكسيك في إطار التنمية وما حققته مصر، فمن بين 149 دولة هم الدول التي قام المؤشر بدراستها، تحتل المكسيك المركز الـ 66 في جودة الاقتصاد بينما تحتل مصر المركز رقم 121، وفي مؤشر بيئة العمل تحتل المكسيك المركز الـ 27 بينما تحتل مصر المركز 109، وفي مؤشر الحوكمة احتلت المكسيك المركز 82، بينما احتلت مصر المركز 117، وفي مؤشر التعليم احتلت المكسيك المركز 58 بينما احتلت مصر المركز 105، وفي مؤشر الصحة احتلت المكسيك المركز 52 بينما احتلت مصر المركز 101، وفي مؤشر الأمن والسلامة احتلت المكسيك المركز 127بينما احتلت مصر المركز 97، وفي مؤشر الحريات الشخصية احتلت المكسيك المركز 48 بينما احتلت مصر المركز الأخير 149، وفي مؤشر فاعلية العلاقات المجتمعية تحتل المكسيك المركز 122 بينما تحتل مصر المركز 141، وفي مؤشر البيئة احتلت المكسيك المركز رقم 48 بينما احتلت مصر المركز رقم 84.

مؤشر الإزدهار العالمي يكشف بما لا يدع مجالًا للشك هشاشة وركاكة الأسباب التي يقدمها السيسي ونظامه العسكري لتبرير فشله في شتى المجالات، وتعليق فشله على الانفلات الأمني، فعلى الرغم من تفوق مصر في مجال الأمن والسلامة على المكسيك إلا أن مؤشر الحرية الشخصة مؤشر صادم حيث تحتل المكسيك المركز 48 بينما تحت مصر المركز الأخير.السيسي و"إل تشابو".. الإرهاب بين مصر والمكسيك السيسي

قراءة وتحليل المؤشرات تؤكد أن ما يقوم به السيسي من قمع للمصريين وانتهاك لكافة حقوق الانسان والحريات الشخصية والعامة هو نهج عسكري فاشي، مماثل لنهجه في مختلف المجالات، والمؤشرات تؤكد بما بلا يدع مجالًا للشك بأن التنمية لا تتناسب عكسيًا مع الانفلات الأمني، ولكنها تتناسب طرديًا مع الرؤية المدنية للحكم وإعلاء آليات المحاسبة والشفافية وقيم الديمقراطية، وأنه حتى في أكثر الدول إنفلاتاً في مجال الأمن يمكن أن تحدث تنمية اقتصادية إن توفرت الإرادة السياسية والبرنامج السياسي الذي يهتم بتنمية الحياة المدنية ويسعى لإرضاء الناخب.

الفارق بين المؤشرات في مصر والمؤشرات في المكسيك هو ذات الفارق بين -الرئيس- المصري والرئيس المكسيكي، فالرئيس المصري الحالي هو رئيس عسكري وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري دموي غاشم، تتمحور أفكاره وبرامجه حول الجاهزية الأمنية وإرضاء كتلته الصلبة التي أوصلته للحكم وهم العسكريين وأسرهم، وأعلن عن مواجهة الإرهاب المحتمل في مصر قبل أن تطلق رصاصة واحدة تصنف على أنها عمل إرهابي، وكأنه يعلم مسبقًا أن عهده سيجلب الإرهاب، أو أنه يأمل في إندلاعه ليبقى في السلطة بحجة مواجهته، ولكنه يفشل دائمًا في مواجهة ما يزعم بأنه إرهاب طائفي، وتتكبد قواته الأمنية هزائم متتالية، ولا تحرز أي تقدم إلا في القضاء على التنظيمات السياسية المدنية، ثم يخرج بتصريحات عن انتصارات أمنية!

بينما الرئيس المكسيكي أندريه مانويل لوبيز اوبرادور، هو رجل ذو خلفية مدنية، نجل صاحب متجر بسيط، بدأ حياته السياسية داخل الأحزاب المدنية، بدءًا بالحزب الثوري الدستوري، ثم التحاقه بحزب الثورة الديمقراطية، وتولى منصب محافظ العاصمة ثم تولى رئاسة الجمهورية في انتخابات تنافسية حقيقية، وقدم برنامجًا اقتصاديًا واجتماعيًا حصل به على أصوات الناخبين، وقدم رؤية للقضاء على الإرهاب الفعلي الذي تقوم به منظمات إجرامية معروفة ومعروف قادتها وعناصرها، وأنشأ جهاز أمني خاص بمكافحتها ويعترف بشكل علني بفشله مرة تلو الأخرى واعدًا باستخدام خطط بديلة، ويشاركه الشارع المكسيكي بشكل عملي ذات المخاوف من تلك المنظمات الإجرامية، بل ويشجعه الشعب المكسيكي على مزيد من الإجراءات ضدها.

قد يكون الرئيس المكسيكي قد فشل في اختبار تحقيق الأمن والسلامة ولكنه نجح في كافة المؤشرات الأخرى، ورغم ذلك الفشل فإن الانفلات الأمني رغم كثرته إلا أنه يتمركز في المحافظات الحدودية مع الولايات المتحدة الأمريكية، فيما يشعر سكان أغلب الولايات المتحدة المكسيكية بالأمن بشكل كبير..

فمتى تحصل مصر على رئيس ينجح في مؤشرات التنمية حتى وإن فشل في مؤشر الأمن.

* نقلاً عن مدونات الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق