هل أفلت الكويت من “واحة التخلف العربي”؟

بدا إعلان الشارع الكويتي رفضه للتساهل مع قضايا تتعلق بالفساد بمظاهرات حضارية سليمة أمام البرلمان، واستجابة وزيرة الأشغال ثم وزير الداخلية للمطالب وتنفيذها، كدليل حقيقي على إفلات دولة “الكويت” من الأوضاع المأساوية التي يحياها العرب، الأمر الذي وصفه محللين بإنه هروب بلا رجعة من واحة التخلف العربي.

يقول “جمال غطاس“، المفكر السياسي، إن نواباً أحرار هم من ملئوا المشهد وقت الأزمة، فقدموا نموذجاً مشرف للأداء البرلماني الرفيع، والنضج السياسي، القائم علي الفهم والعمق ورصانة العرض وقوة المنطق والحجة وعفة اللسان.

وأضاف: قسوة الاستجوابات وحسن إعدادها وعمقها وتفاعل البرلمان والشعب معها وضع ضغطاً لا يحتمل على الوزيرين فتقدمت الأولى بالاستقالة، وانتظر الثاني الاقتراع علي سحب الثقة، ودخل وزير الدفاع على الخط متحدثاً عن وقائع فساد انخرط بسببها في جدل مع وزير الداخلية، وتصاعد الامر لتبادل الاتهامات فيما بينهما علناً عبر بيانات صادرة عن كل منهما.

وتدخل أمير البلاد بهدوء فأقال وزير الدفاع رغم أنه نجله ووزير الداخلية، حفظاً لكرامة مؤسسات الدولة ومناصبها الرفيعة، وضماناً لاستقرار مؤسسات الحكم.

وتصرف رئيس الحكومة الكويتية بمسئولية وسارع باستقالة الحكومة بكاملها علي خلفية الاستجوابات واستقالة الوزيرة وإقالة للوزيرين، بينما وقف رئيس مجلس الأمة بهدوء وثبات وثقة أمام وسائل الإعلام، متحدثاً عن تطورات الأزمة، منتقياً كلماته بمهارة وصفها “غطاس” بمن يلتقط ذرات الذهب من بين حبات الرمل، فتناول خيوط الأزمة بحرص ونضج، فاصلاً بين اختصاصاته وواجباته الدستورية التي يتعين عدم التفريط فيها، وبين التعامل مع الحكومة الجريحة الآيلة للسقوط بطريقة تحترم الشخوص الذين لا يزالون في وضعية المتهم الذي لم تثبت إدانته النهائية بعد، وفي الوقت نفسه لا تتهاون في الحقوق، ولا تلين مع المحاسبة البرلمانية.هل أفلت الكويت من "واحة التخلف العربي"؟ الكويت

وأضاف غطاس: قمة في الأداء السياسي الرفيع، المتلفح بالدستور والقانون والأخلاق في وقت واحد، بلا تكلف ولا اصطناع، وبعفوية مدهشة، فالأمير استقبل رئيس الوزراء المستقيل وعبر له عن احترامه له، وكلفه بتشكيل الحكومة من جديد، وظهر الثاني متأثرا يغالبه البكاء مما تعرض له شخصياً بحكم مسئوليته عن الحكومة لا بحكم اقترافه الخطأ، واعتذر عن قبول عرض الأمير قبل أن يبرىء القضاء العادل المستقل ساحته من اي شائبة تتعلق بفساد أو غيره.

وتابع: هدأ الشارع الكويتي وخرج منه إشارات الاحترام للقيادة التي تصرفت على هذا النحو، وأعلن انتظاره لكلمة جهات التحقيق والقضاء.

وأردف قائلاً: وسط كل هذه التداعيات، لم يظهر في الخطاب السياسي بالكويت، أي من مفردات حالة الشذوذ السياسي المعتاد ظهورها في دول أخرى عند أول بادرة نقد أو محاسبة، مثل الخيانة والعمالة وهدم الدولة وتكدير السلم العام والإرهاب وقلب نظام الحكم، ودعوات للسلطة للفض والمنع والكبت والحبس والاعتقال وغيرها، بل ظهرت وتكررت مفردات الحياة السياسية الطبيعية، من قبيل حق التظاهر، وحق الاستجواب، والالتزام بالقانون والدستور، وصيانة المال العام من الهدر، وتجاوز الاختصاص، وسوء استخدام السلطة، والفساد المالي، وضرورة المساءلة والمحاسبة، وعدم أهلية الوزير للمنصب، وسحب الثقة البرلمانية منه، وكانت هذه المفردات قاسماً مشتركاً في لغة الشارع والبرلمان وحتي بين بعض اعضاء الحكومة، والديوان الأميري.

واعتبر الخبير السياسي أنها لقطة سياسية رائعة واستثنائية بالنسبة لمنطقتنا العربية المنكوبة وشديدة البؤس، الواقع في قبضة براثن الفساد والاستبداد والجهل والسطحية والعسف والعصف بكل ما له صلة بالعمل المؤسسي واحترام الشعب والقيم القانونية والدستورية، وضرورة التصرف بعقل راجح متزن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق