هذا ما نفقده نحن المختفين قسريًا ولن يفهمه العالم!

أكتب مقالي هذا وقد مررت بتجربة الإخفاء القسري منذ عامين، واستمرت تجربتي في الاختفاء قسريًا 100 يوم كاملة بدأت في فجر 30 ديسمبر 2017 وانتهت في أبريل 2018، كنت قبلها أقوم بعملي كصحفي وأكتب بشكل دائم عن المختفين قسريًا، أصور وأسجل مع ذويهم، وأتابع أخبارهم وأنشر عنهم، ولكن طوال 3 أعوام مضيتها قبل اعتقالي أتابع أخبار الإخفاء القسري في عهد السيسي، وقرابة 5 أعوام من متابعة ونشر أخبار الاعتقالات السياسية والتعذيب بمقار أمن الدولة في عهد مبارك، لم أفهم أبدًا أن من يمر بتلك التجربة لا يعد كسابق عهده أبدًا، فالاخفاء القسري ليس كتجربة الاعتقال، أو تجربة التعرض للضرب أو السحل خلال التظاهر.

ولكن “الاختفاء القسري” أستطيع أن أصفه بأنه بوابة لا يخرج منها أحد كما دخل أبدًا! حينما يتم اعتقالك واخفاؤك قسريًا فأنت غير مقيد بأي من سجلات الدولة كمعتقل، وبالتالي فالمحقق يتمتع بحرية كاملة لممارسة كل أساليب التعذيب لإجبارك على الاعتراف بما يريد، ابتدءاً من التعذيب اليدوي مرورًا بكافة أشكال التعذيب بالكهرباء، والتهديد بأهلك وأبناءك، والتعليق لساعات طويلة قد تصل لأيام متتالية، والحرمان من الأكل والشرب، والحرمان من النوم، أو النوم شبه عاريًا على الأرض العارية في أكثر شهور العام بردًا ومنافذ كبرى للهواء مسلطة عليك، انتهاءا بأن تسمع صوت شد أجزاء السلاح الموجه إلى رأسك وأنت معصوب العينين ويقول لك المحقق إما أن يخرج الكلام من فمك أو تدخل الرصاصة من خلف رأسك لتخرج من جبهتك.

تنتهي تجربة “الإخفاء القسري” جسديًا، ولكن روحك تظل عالقة في مكان إخفاؤك، فمع كل ريح باردة تمر بك تتذكر بشكل فوري ويشرد ذهنك في معاناتك في زنزانتك الانفرادية وأنت شبه عاري ترتجف من البرد، تكاد تتجمد، وحينما تطلب بطانية تحتمي بها من البرد يقومون بسكب المياه على أرضية زنزانتك لتضاعف عذابك، لتعود من شرودك من تلك الذكرى بقشعريرة تسري بكامل جسدك، يظن من حولك بأنك ترتعد من البرد، ولكن في حقيقة الأمر فإن روحك هي من ترتعد وليس جسدك، وتظل بشكل دائم لا تعاني من برودة الجو كما باقي البشر، لأن برودة الجو تعني لك الألم النفسي.

خلال فترة اخفاؤك قسريًا، أنت مسلوب الإرادة بشكل كامل، مقيد اليدين والقدمين في أغلب الوقت، ومقيد إلى الأرض لا تملك قرار الوقوف، لا تملك قرار الصلاة، يجب أن يسمحوا لك بذلك، وإن سمحوا لك فتصلي وأنت على حالك مقيدًا إلى الأرض، لا تملك قرار أن تقضي حاجتك، فلا يسمحون لك بدخول دورات المياه إلا بتوقيت محدد، لا تملك قرار أن تأكل أو تشرب، فالأكل بموعد ولا تملك قرار أن لا تأكل وإلا أكلت رغمًا عن أنفك، والشرب بإذن وموعد، حينما تخرج من سجنك وتنتهي محنتك فإنك تعاني من كل شيء أنت لا تملك قرار إنهاؤه، وكل تجربة أو نقاش تشعر فيه بضغط أو أنك مجبر على اختيار محدد يتحول بشكل فوري إلى كابوس، ويشرد ذهنك فورًا إلى حيث كنت مكبلًا لأيام طويلة، فتفقد صبرك في النقاش، ويضيق صدرك، ولا تحتمل النقاش مطولًا وقد تنهيه وقد خسرت أحد أصدقاؤك، ولكن في حقيقة الأمر أنت لا تتشاجر معه، بل تتشاجر مع كابوسك!لما يقارب 10 أيام.. إخفاء قسري لعضو مجلس "المفوضية المصرية" ومواطن آخر قسري

خلال فترة اخفاؤك قسريًا تتعرض للتعذيب بأوقات مختلفة من اليوم، وكثيرًا ما تبدأ جلسات التعذيب في الليل، حيث يغلبك النوم وانت مقيد إلى الأرض، فتسمع صوت زنزانتك يفتح، فيكون إيذانًا بأنك مقبل على جلسة تعذيب جديدة، فيكون النوم عدوًا لك، لا تحب النوم وتقاومه، وكأن بمقاومتك للنوم لن تبدأ جلسة تعذيب جديدة! ولكن النوم يرتبط في نفسك بصوت فتح الزنزانة لسحبك إلى غرفة التعذيب، فتعاني لفترات طويلة بعد انتهاء اعتقالك من أزمة عدم القدرة على النوم، وفي حال غلبك النوم، فتكون الكوابيس هي جلادك، فتصحوا دائمًا مفزوعًا، فقد كنت أصحوا من نومي مفزوعًا لا أعرف زوجتي وأبنائي، وأظل لثواني انظر إلى وجوههم محاولًا التعرف عليهم، ولا اتذكرهم إلا حينما ادرك اني في بيتي وفي غرفة نومي، واستمر هذا الأمر لأشهر إلى أن بدأ يقل تدريجيًا، ولكنه لم ينتهي، فبعد عامين، لا يمر شهرًا دون أن أمر بتلك الحالة مرة أو مرتين!

خلال فترة اعتقالك تفقد أي إحساس بالأمان، فأنت لا تأمن على حياتك، ولا تأمن على زوجتك وأولادك لأنك مهدد بهم دائمًا، ولا تأمن على أموالك أو ممتلكاتك فأنت مجبر على أن توقع على عدد كبير من الأوراق لا تعلم ما المكتوب بها، ومجبر على أن تكتب كافة كلمات السر لحساباتك البنكية وحساباتك البريدية! أنت لا تثق في أي من حولك، لا تثق حتى في المعتقلين حولك، قد يكون أي منهم يعمل لصالح الأجهزة الأمنية، وتظل حالة الشك بداخلك من كل شيء وأي شيء حتى بعد خروجك من السجن، فتظل تشك في جيرانك، أيهم قد يعمل مع أجهزة الأمن ليفشي لهم تحركاتك، وتشك في كل شخص في حياتك قد وقعت بينكم مشكلة في يوم ما، وكل شخص قد يستفيد من عدم وجودك، ليتحول الأمر إلى حالة من الشك العام، لتتحول إلى إنسان يشك في كل شيء وأي شيء!

خلال فترة اخفاؤك قسريًا وتحت التعذيب تكون مجبرًا على البوح بمعلومات تضر أشخاص حولك، فيتم اعتقالهم، تبذل كل جهدك في تحمل التعذيب، حتى تصل إلى مرحلة من الإنهاك أن تتمنى الموت ولا تصل إليه، فنفسك تحتضر ولكن جسدك يعاني من الألم، وبعد انتهاء ألمك، وخروجك من السجن، تتفقد أحوال من حولك، فتجد أن منهم من اعتقل بعد أن ذكرت اسمه تحت التعذيب، لتعيش ألمًا نفسيًا لا ينتهي أبدًا، بأنك السبب في تدمير شخص آخر لا يجمعكم سوى الصحبة أو الأخوة أو العلاقات الطيبة، دمرته ودمرت أسرته وأبناءه، حتى وإن خرج من السجن، وأخبرك بأنه لا يحمل لك ضغينة وسامحك على أن ذكرت أسمه، وأنت تعلم أنه صادق فأنت أيضًا قد سامحت من ذكر اسمك من قبل حتى تم اعتقالك، ولكن هذا لا يوقف الألم النفسي الذي تعلم أن شخص قريب منك وزوجته وأطفاله عانوه فقط لأنك أخبرت عن اسمه تحت التعذيب، ليتحول الأمر مع الوقت إلى مسافة تصنعها بنفسك بشكل لا إرادي لتبعد عن كل دوائرك، فأنت لا تريد لأحد أن يعاني بسببك مرة أخرى، فتبدأ في الابتعاد عن أصدقائك، على الرغم من أنك في أمس الحاجة إليهم، وتبعتد عن أقاربك رغم احتياجك لدفئ جلساتهم، وتبتعد حتى عن نفسك القديمة التي أوصلتك إلى ما أنت عليه، وتصبح في عزلة نفسية لا تنتهي أيضًا.

واقع مرير يعيشه من مر بتجربة الاختفاء القسري، ليخرج من التجربة ليس كمن دخلها، وكأنه تم استبدال روحك داخل غيابات السجن في زنزانتك الانفرادية، وتخرج جسدًا دون روح، وتظل روحك القديمة شبحًا يطاردك، رغم اشتياقك لها فأنت تفر منها مهرولًا، لأنها تعني لك كل الألم الذي لا ترغب في أن تعانيه مجددًا. هذا هو ما نخسره نحن المختفين قسريًا، ليس فقط أعمارًا، أو دمائًا، أو حتى أموالًا، ولكن نفقد أرواحنا، ونفر من شبحها، لنحيا أجسادًا بلا روح!

*   نقلاً عن مدونات الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق