هل دفنت الثورة؟ وهل يمكن لمحمد علي أن ينجح؟..حوار مع د. سيف عبد الفتاح

– ثورات “الربيع العربي” وثورة 25 يناير فتحت مساراً لتغيير المنطقة بشكل عام

– ولدت مع الثورة ثورتان: الأولى لمضادي الثورات والثانية للساعين للهيمنة
– تفسير كل شيء بالمؤامرة يحرمنا من الفعل الإيجابي لمواجهتها
– الموجة الثانية من الثورات تعلّمت كثيرًا من الموجة الأولى
– نخب الثورة القديمة يجب أن تتوارى
– “محمد علي” حالة حركت المياه الراكدة وتنتظر استغلالها
– لا يجب النظر للجيش ككتلة مصمتة ولكنه مُكوّن من قوى وعناصر

حوار – هدى التوابتي:

أيام قليلة وتُكمل ثورة يناير عقد منذ انطلاقها، عقد تغيّرت فيه المنطقة العربية وتكرّر “ربيع العرب” في أكثر من دولة، وأفل نجمه قبل إتمام ذاك العقد في دول أخرى أبرزها مصر، وترافق مع موجات الربيع المتكررة تشابك إقليمي ودولي واسع في المنطقة، بداية من مصر وحتى آخر الدول لحاقًا بالثورات، ما فتح الكثير من التساؤلات حول مستقبل المنطقة و”الربيع العربي”، وسبب تغيُّر شكل العلاقات الإقليمية والدولية، وهل هذا التغير هو السبب في الثورات أم أنه ناتج عنها، وهل انتهى حلم الثورة لدى المصريين.
حاول أستاذ العلوم السياسية، الدكتور “سيف عبد الفتاح” في حواره مع “الثورة اليوم” الإجابة على تلك التساؤلات، والحديث عن الموجة الأولى لـ “الربيع العربي” التي كانت مصر على رأسها، والموجة الثانية، والمصالح الدولية والإقليمية التي ارتبطت بهما، وهل كانت ناتجة عنها أم كانت سبباً في حدوثها، ونقل رؤيته لمستقبل مصر والثورة وحلم التغيير.

وإلى نص الحوار:

* صَاحَب “الربيع العربي” منذ بدايته موجة يمكن القول: إنها جديدة ومختلفة عن سابقاتها من التشابك الإقليمي والتداخل الدولي في المنطقة العربية، فما سبب تلك الموجة وتأثيراتها على المنطقة العربية؟.

الأمر المؤكد أن عمليات التغيير لا تحدث في يوم وليلة، ومن ثَمَّ هذه العمليات التي تتعلّق بعمليات التغيير الاجتماعي والثقافي والتي تتعلّق بحديث الثورات، إنما تؤكد أن تلك الثورات يمكن أن تُحدِث أثرها على التراخي، كما أن هذه الثورات التي تتعلّق بـ “الربيع العربي” هي في حقيقة الأمر ليست معركة واحدة، وإنما يجب أن تُسَكّنَ من معركة التغيير، والنفس الطويل، وبهذا الاعتبار، فإن “الربيع العربي” في جولته الأولى إنما شَكَّل مسارًا وفتحًا لمسار التغيير في المنطقة بشكل عام، وخاصة تلك النظم الاستبدادية، والأمر لن يعود للوراء، الأمر سيظل هكذا يُعبّر عن أشواق التغيير التي تتعلّق بالشعوب في التعبير عن إرادتها، وكذلك سيكون هناك تدافع من القوى المضادة للثورة، بحيث يُشكّل هذا التدافع عمليات تغيير متوالية لا نستطيع إلا أن نؤكد أن الشعوب صارت رقماً صعباً في عملية التغيير.

* هل يمكن القول: إن التشابك الإقليمي والتداخل الدولي كانا السبب في حدوث “الربيع العربي”، كمؤامرة وفق رؤية بعض الجهات، أم أنه ناتج عن تلك الثورات؟ وكيف أثَّر عليها؟.

لا، أنا أُفضّل فعلًا مفهوم التدافع عن مفهوم المؤامرة، حدوث المؤامرات في التاريخ أمر واقع، ولا أحد يستطيع أن ينكره، ولكن تفسير كل شيء بالمؤامرة هذا هو الخطأ الكبير، خاصة أنه يعفي الطرف الذي تقع عليه المؤامرة من أي فعل إيجابي لمواجهة المؤامرات، فهو أحياناً يتذرّع بمثل هذا التفسير الذي يتعلّق بالمؤامرة، وأنه مستهدف، وهذه الأمور حتى يُبرّر أوضاعه وحاله السيئة فيما يتعلّق بعملية التغيير وعدم حركته الحقيقية والإيجابية والفعّالة في هذا المقام، ولذلك أنا لست مع هذا الأمر الذي يتعلّق بالتفسير بالمؤامرات.
أنا مع الأمر الذي يتعلّق بسُنن الله سبحانه وتعالى وعملها، وهي حينما تعمل تقوم على قاعدة ذهبية، وهي أن الجزاء من جنس العمل، هذه القاعدة تُعدّ معادلة غاية في الأهمية تتطلّب شروط مهمة للفعل السياسي، والفعل التغييري في هذا المقام، وأن الأخذ بمثل هذه الشروط هو ما يُوصل للنتائج وفقاً لمعادلة السُّنن الشرطية التي تأسّست من خلال السنن الإلهية في هذا المقام، سواء تحدّد أفعال وأحداث الواقع وأحياناً الأمور التي تتعلّق بتصور المستقبل.
أما الأبعاد التي تتعلّق بالأبعاد الدولية والإقليمية، وتدخلها في الثورات العربية في هذا الإطار، وأنها استطاعت بشكل أو بآخر أن تلتف على هذه الثورات، فهذا أمر مُشاهد أيضًا، فإنه مع الثورات تُولَد ثورتان أو حدثان يتعلقان بعملية التغيير، الأول: هؤلاء الذين يُضادون الثورة ويُشكّلون مع بعضهم حلفًا في مواجهة عملية التغيير، خاصة أنهم يحسبون أن كل صيحة عليهم، مثال بعض الدول الإقليمية كدول الخليج.
والثاني متعلق بالدول الخليجية التي ترى أن الظرف السياسي الحالي، هو ظرف مُواتٍ لمصالحها من خلال الهيمنة والسيطرة عبر وكلاء مستبدين، هؤلاء الوكلاء المستبدين يُمثّلون أدوات غاية في الأهمية لتحصيل مصالحهم وبلوغ أهدافهم.

* هل استطاعت الموجة الثانية من “الربيع العربي” التعامل مع المصالح الدولية والاشتباك الإقليمي؟.

القضية في السؤال الحقيقي في هذا الإطار، وهي لماذا كانت هناك موجة ثانية من “الربيع العربي” رغم أن الموجة الأولى حُوصرت هذا الحصار، وتم الالتفاف عليها هذا الالتفاف من قوى مضادة للثورة في هذا المقام، وأقول: إن هذا هو أكبر إنجاز أو استثمار لحالة التغيير التي قلنا: إنها لن تتوقّف، وأن عملية التغيير ماضية لا محالة، وانها تُحدث آثارًا أخرى مختلفة عن تلك الآثار التي كانت فيها الموجة الأولى.
على أقل تقدير نستطيع أن نقول: إن الموجة الثانية قد تعلّمت كثيراً من الموجة الأولى، ونظنّ أن الربط بين الحراك الثوري والحراك الشعبي والاحتجاجي في بعض بلاد العرب في هذا الإطار مثَّلَ جملة من الشعارات التي يمكن أن تُشكّل شعارات واحدة ومتشابهة في مطالب عملية التغيير، خاصة فيما يتعلّق بمعاش الناس.
وكذلك نستطيع أن نقول: إن تلك المطالب التي تتعلّق بالتغيير ما زالت لها أشواق تتعلّق بإرادات الشعوب، ولم ينطلِ عليها القول: إن الثورات قد انتهت أو حُوصرت أو هُزمت، ومن ثَمَّ حدث انتصار مُؤزر لمضادي الثورة، بل إن هذا يُشكّل استدراكاً مهماً من الشعوب في مواصلة الطلب على عملية التغيير السياسي في هذا الميقات.

* خلال أيام قليلة يمرّ عقد على ثورة يناير، فهل يمكن القول: إنها فشلت بالفعل أم أن هناك أمل في الخروج من المأزق الذي تحيا به الثورة؟.

قلت فيما سبق: إنه لا يجب على هؤلاء الذين يتعاملون مع حالة التغيير أن يتحدثوا عن فشل الثورات، ذلك أن الثورات تعتمد على التغيير، وقد نَمَا لأذهان بعض النشطاء في حدث الثورات أنه يمكن أن يحدث بين يوم وليلة، وتصوّروا أن الثورة تبدأ وتنتهي، ولكن الثورة – على ما أظن بالنسبة لتحقيق أهدافها – عمل مستمر حتى تتحقَّق هذه الأهداف، بل إنه بعد تحقُّق هذه الأهداف تتجدّد أهداف أخرى في عملية البناء، وتتحوّل الثورة إلى دولة، هذا الأمر من المسائل المعروفة في حقل العلوم السياسية في هذا الإطار وهذا المقام، ومن ثَمَّ قلت: إن معركة التغيير هي معركة النفس الطويل.
معركة الثورة ليست بمعركة واحدة، وأن الثورة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يقوم مستبد بوأدها لأبد الآبدين، ولكن المستبد حين يقول: إنه لن يسمح بأن تقوم ثورة، أو أحداث تتكرّر هنا أو هناك، نردّ عليه بشكل قاطع أن الثورة ليست بسماحه، وكما نقول: إنها ليست بسماح المستبد فهي أيضًا ليست بسماح هؤلاء الذين يتوقون لها، ولكنها عمل مستمر يقوم بعد ذلك من خلال السُّنن، فيؤدّي إلى تغيير كبير ما زلنا نعمل له وننتظره، وإن من يعمل من أجل هذا التغيير الكبير سيكون له لا عليه.

* فشلت النخب السياسية المصرية عن مواكبة الثورة وما لحقها من أحداث وصولًا للوضع الحالي، فهل يمكن القول: إن المرحلة الحالية تشهد وفاة الكيانات السياسية في مصر؟.

أنا غير مهتم من أن أكون من هؤلاء الذين يكتبون شهادات الوفاة، وحانوتية الثورات، الذين يتحدثون عن دفن هذا وموت ذاك، وكل هذه الأشياء، لكنني أؤمن أيضًا أن هذه النخب التي تواكبت مع الثورات، والفعل الثوري التغييري، لم تكن على مستوى الفعل الثوري، ولم تُكافئ هذا الفعل، ولم تقم بالأفعال الواجبة لاستمرارية هذا الفعل، وتأثيره وفعاليته.
هذه النخب القديمة يجب أن تتوارى في معركة التغيير القادمة، ويجب أن تتقدّم نخب شبابية جديدة تستطيع أن ترسم حال المستقبل الذي تريد في هذا المقام، فلا يعقل بأي حال من الأحوال أن يُحدّد المستقبل مَن هم على حافة الموت، وإن هؤلاء الذين على حافة الفتوة وعلى مسألة البناء ويؤمنون بأشواق التغيير أن يتقدّموا خطوات ليُشكّلوا هذه النخبة الجديدة الحاملة لفعل التغير الثوري.

هل دفنت الثورة؟ وهل يمكن لمحمد علي أن ينجح؟..حوار مع د. سيف عبد الفتاح ثورة

* كيف ترى الوضع الراهن للنظام المصري بعد محاولة “السيسي” احتواء عاصفة “محمد علي”؟.

بالطبع حتى نكون منصفين هناك محاولات لعمليات تغيير ولكنها لم تكن تتكافئ بأي حال مع الفعل التغييري والفعل الثوري في هذا المقام، وتحدث فرص كثيرة ولكن من عيوب هذه النخب التي تتصدَّر المشهد أنها لا تستطيع أن تتلمّس هذه الفرص وتتفقّدها، وكذلك أن تقوم باستثمار هذه الفرص والبناء عليها، ومن هنا لو كانت هناك فرصة تتعلّق على سبيل المثال بمقتل “خاشقجي”، أو استشهاد الرئيس “محمد مرسي” وقتل النظام له، رحمة الله عليه.
وكذلك الأمر الذي يتعلّق بفرصة “محمد علي”، فهو حالة، وهذه الحالة أحدثت من الحراك والتحريك للمشهد وللمياه الراكدة التي فشلت النخب في تحريكها في مناسبات عديدة، وفي استثمار هذه الفرص المتنوعة والمتتابعة، ومن ثَمَّ استطيع أن أقول: إن المسألة المتعلقة بـ “محمد علي” – وهي لا زالت في المشهد – يجب أن لا تضيع، مثلها مثل الفرص الأخرى، فهي لو كانت بقية فرصة وجب علينا أن تكون هناك رؤية مخططة مستفيدة من هذه الحالة التي تتعلّق بـ “محمد علي” في عملية التحريك والتأثير في هذا المسار التغييري، على أقل تقدير يمكن أن تُحدث أثراً جزئياً في عملية التغيير الكبرى بإزاحة “السيسي” على الأقل، وهذا ليس بالأمر الهيّن، كما أنه أمر مهم جداً لفتح طاقة التغيير واسعة في مصر.

* خلال السنوات الأربع الماضية أعادت المؤسسة العسكرية تموضعها في مصر بشكل مختلف حتى عن نظام “مبارك”، ما تقييمك لهذا التموضع؟ وكيف أثَّر على السياسة المصرية داخلياً وخارجياً؟.

لستُ من أنصار الحديث عن المؤسسة العسكرية ككتلة مصمتة، ولا الجيش ككتلة مصمتة، أنا من أنصار الحديث عن قيادات الجيش البيزنس، وهي العصابة التي انقلبت واختطفت مصر بمؤسساتها المختلفة، لكنني استطيع أن أقول: إن الجيش يتكوّن من مجموعة من القوى والعناصر، وأستطيع أن أقول: إن هذه القوى والعناصر تتمثَّل في هذه القادة العصابة، التي تحاول من خلال اختطافها لهذه المؤسسة أن تضع هذه المؤسسة في وضع توريطي في مواجهة الشعوب ورغبتها في التغيير.
ولكن هذه المؤسسة تملك عنصريين مهمين، وهي القيادات الوسطى، والتي أعتقد أنها قيادات وطنية تُعبّر عن أشواق تتعلّق بعملية التغيير أيضًا، وكذلك المجندين، والمجندون هؤلاء يمرون على هذه المؤسسة مروراً مؤقتاً وعابراً، ولكن لهم ثقافة تختلف عن الثقافة التي تتعلّق بالعسكر حينما يريدون التحكم في كامل المؤسسة من جانب وفي المجتمع من جانب آخر.
ومن هنا أستطيع أن أقول: إن مسألة إعادة التموضع تؤكد علناً عدم التعامل مع المؤسسات التي اختطفت تعاملاً مُصمتاً وكأنها كتلة واحدة، وكأنها تُشكّل أعداء مؤكدين وحتميين في حركة الشعوب في هذا المقام، فلربما تحمل هذه المؤسسات نباتاً من نباتات التغيير يمكن استمرارها في عملية التغيير الثورية.

* ما تقييمك لحراك “محمد علي” ووثيقته التي أصدرها مؤخرًا؟ وهل تعتقد أنها قادرة على تجميع فرقاء مشهد معارضي الانقلاب في مصر، والتأثير عليه؟.

من الظلم أن نقول: إن الوثيقة هي وثيقة “محمد علي”، ففي حقيقة الأمر أن هذه وثيقة وطنية للوفاق الوطني تضمّنت عناصر كبيرة في هذا المقام، وتضمّنت نقاطاً مهمة، هذه النقاط تضمّنتها وثاق أخرى من قبلها، ولكن المعنى الذي تعلّق بهذه الوثيقة يُمثّل قيمة لها، وهي أنها صدرت في توقيت مختلف، وعن حالة الجمود التي صادفتها المعارضة في عملية تحريك الناس والجماهير، وأن الأمر الآن وقد تحرّكت الجماهير في ٢٠ سبتمبر وجب استثمار هذا الحراك بما يترتب عليه من فعل يُحرّك المسألة الأخرى التي تتواكب مع هذا الشأن، وهو المسألة التي تتعلّق بصناعة الظهير الشعبي لعملية التغيير، والأمر الثاني الذي يتعلّق بالقدرة على صناعة البديل في عملية التغيير، وذلك أن الغرب وكذلك هؤلاء مَن يتحدثون عن المستبدين غالباً ما يطرحون البديل، ما هو البديل لـ “السيسي”.
وانا أؤكد أن هناك البديل، والاهتمام بهذا البديل أمر مهم، والاهتمام بهذا الشأن وتطوراته أمر شديد الأهمية، هذا الشأن وما يسمى بوضع خطة ممنهجة ومحكمة بالنسبة لعملية التغيير، واستثمار هذا الحراك، والتحريك هو أمر غاية في الأهمية، يجب أن يترتب على هذه الوثيقة ما يترتب من فعل تغيري يمكن أن يُسَكنَ في معركة التغيير الكبرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق