حوار د.جلال سلمي: مصر تحولت لدولة وظيفية وتركيا احتلت مكانتها في ليبيا

– مصر لم تتمكّن من إدارة الأزمة في ليبيا بحكمة وتحوّل دورها لدولة وظيفية

– مذكرة التفاهم التركية أفشلت منتدى غاز المتوسط
– تشكّلت صورة جديدة للصراع على الطاقة في المتوسط
– تركيا احتلّت الدور المصري في ليبيا بشكل جزئي
– مؤتمر “برلين” لن يُفضِي لاتفاق نهائي ولكنه قد يكون ممهّداً له

حوار – هدى التوابتي:

أثار التدخل التركي في ليبيا بمذكرة التفاهم والمذكرة الأمنية الموقعتَيْن ديسمبر الماضي أزمةً دوليةً كبيرةً، كانت انعكاساتها الأبرز على الموقف المصري من الأزمة الليبية.

حوار د.جلال سلمي: مصر تحولت لدولة وظيفية وتركيا احتلت مكانتها في ليبيا ليبيحاول الدكتور “جلال سلمي” – أستاذ العلاقات الدولية بجامعة “سكاريا” – في حواره مع موقع “الثورة اليوم”، نقل بعض صور تأثُّر أو ما وصفه بـ “انحسار” الدور المصري مقابل الدور التركي، وكيفية تحوُّل مصر لدولة وظيفية بعد أن كانت دولة مركزية في ليبيا، وكيف تأثّرت المصالح الدولية بتلك المذكرتَيْن، وكيف تغيّرت خريطة الجغرافيا السياسية للمتوسط نتيجة للوجود التركي في ليبيا.

وإلى نص الحوار:

* لماذا لم تتمكّن ليبيا من تشكيل نظام سياسي عقب مقتل “معمر القذافي” وحتى الآن؟.

هناك سببان أساسييان لعدم التمكُّن من تشكيل نظام سياسي، وهما:
وجود قَبليّة في ليبيا، وبالتالي صعوبة رسم انتقال سَلس للسلطة.
النقطة الثانية: الاختلاف الدولي، واختلاف المصالح، لا سيما بين المحاور الموجودة والفاعلة، من ناحية روسيا وفرنسا ومصر والإمارات والسعودية، والناحية الأخرى قطر وتركيا والجزائر وإيطاليا.

* التداخل الدولي في ليبيا موجود منذ سنوات، فلماذا أثارت مذكرة التفاهم التركية الليبية أزمة دولية؟.

لأنها عملت على إعادة هندسة جيبوليتيك الطاقة في المتوسط، بحيث عملت على عزل اليونان عن المتوسط، وعملت على إغلاق الطريق على “إسرائيل” وسوريا وغيرهما من الدول التي كانت تهدف لتصدير النفط والغاز الطبيعي لأوروبا.
وفي نقطة ثانية وضعت حاجزاً بحرياً أمام الدول التي تحاول تصدير الغاز، وفي ظل تقدُّم “خليفة حفتر” المتسارع نحو “طرابلس”، جاءت تركيا كحاجز لهذا التحرك أيضًا.
كما شكّل التحرك التركي صدمة أيضًا؛ لأنه سبق مؤتمر “برلين” ببضعة أيام.
وساهمت المذكرة أيضًا بتحويل المعادلة بشكل جذري، حيث تحوّلت من الجيب الإيطالية والجيب المصرية والجيب الفرنسية، للجيب الروسية كما شاهدنا في “موسكو”، حيث جمعت “موسكو” المشاورات بين جميع الأطراف، طبعًا هذه الأسباب مجتمعة جعلت مذكرة التفاهم مذكرة مثيرة للاهتمام وأحدثت ضجّة فعلياً.
كما كانت مذكرة التفاهم من الأسباب والعوامل التي أفشلت وأحبطت عمل منتدى غاز المتوسط، وعملت بشكل أو بآخر على إلغاء الحدود البحرية لليونان في المتوسط، هذه الأمور كانت صدمة لأكثر من دولة؛ لذلك أحدثت هذه الضجة.

* كيف انعكست الأزمة الليبية على الجانب المصري؟.

في البداية يجب الإشارة إلى أن الأزمة الليبية هي أزمة دولية، هناك عدة دول متناحرة على ليبيا، منها دول مجاورة مثل مصر والجزائر، ومنها دول غير مباشرة مثل بريطانيا، وفرنسا، وتركيا.
فالصراع هناك تحوّل لصراع دولي، ونتيجة لهذا التحوُّل فالدور المصري آخذٌ في الانحسار، وأول مؤشر على تراجع الدور المصري ظهر بعد توقيع مذكرة التفاهم البحرية والأمنية، حيث اضطرت مصر للاعتراف بمواد اتفاق “الصخيرات”.
يضاف لدلائل انحسار الدور المصري اللقاء الذي حدث في “موسكو” بعيدًا عن مصر، هذه جميعًا مؤشرات تؤكد أن مصر بعد الأزمة الليبية أصبحت في أزمة كبيرة خاصة ما يتعلّق بالأمن القومي.
يتساوى الأمر في ظل حكم الراحل “مرسي” أو الحكم الحالي، حيث لم تستطع مصر إدارة الأزمة الليبية بما يخدم مصلحتها، هذا شيء واضح جدًا، والدليل على ذلك تحوُّل الأزمة لأزمة دولية، وخسرت مصر دورها الفاعل فيها.
كما تحوَّل الدور المصري في ليبيا بدلًا من أن تكون دولة مركزية كما كانت أصبحت تقوم بدور وظيفي، فهي تُسهّل وصول الطائرات الفرنسية لـ “حفتر”، وأيضًا تُسهّل وصول القوات الأمنية الروسية لـ “حفتر”، وأخيرًا تُسهّل وصول الدعم المالي والعسكري القادم من الإمارات والسعودية لـ “حفتر”.
وتشير هذه المؤشرات – للأسف الشديد – إلى تأثر مصر سلبًا بهذا الأمر، حيث تحوّلت لدولة وظيفية بشكل كامل، بالتالي الدور الوظيفي يُفقد الدولة مركزيتها في المعادلة، طبعًا مصر كانت دولة مركزية بالنسبة لليبيا سابقًا، ففي عهد “أنور السادات” مثلاً تدخّلت عسكريًا، لكن اليوم هي غير قادرة على اتخاذ هذه الإجراءات.

* تشهد الأزمة الليبية تداخلاً دولياً كبيراً مشابهاً للتداخل في سوريا، فهل نشهد أزمة سورية جديدة في ليبيا؟.

ليست أزمة سورية بالتحديد؛ لأن هناك دولاً أكبر ومصالح أوسع على الدول المتداخلة في ليبيا مقارنة بسوريا، وبالتالي قد نشهد أزمة سورية ولكن بطريقة أكثر عقلانية في اللعب بالنسبة للفواعل الدولية التي تتجه نحو إدارة الصراع، وجعل الصراع توافقياً؛ لأن هناك تداخل كبير.

* في ظل عدم القدرة على الوصول لهدنة مؤقتة، ما مستقبل الأزمة الليبية خاصة مع قرب مؤتمر “برلين”؟.

مؤتمر “برلين” قد لا يُفضي لاتفاق نهائي؛ لأنه في حقيقة الأمر، الاتفاقيات الدولية تحتاج لتوافق دولي مُسبَق، هذا التوافق الآن غير موجود.
الجانب الفرنسي مُتعنّت جدًا، وتأثيره واضح في الأزمة الليبية، بالإضافة للتعنّت الإماراتي السعودي، في حال لم يتم إرضاء هذه الدول – يعني تحديداً في حال لم يتم إرضاء المصلحة البريطانية الروسية التركية الفرنسية الأمريكية مجتمعة كما حدث في سوريا حيث تم خدمة جميع مصالح الدول الفاعلة هناك – فلا يمكن التنبؤ بحل مباشر للأزمة.
هذه المباحثات تقوم بتمهيد الطريق لفهم الأطراف بعضها البعض، وفهم الأطراف المصالح المطلوبة بالنسبة لها، وقدرة الأطراف على استيعاب أو التقرب لإحداث مفاوضات مباشرة، هذه حاليًا هي الفائدة الأساسية للمؤتمرات المنعقدة بخصوص ليبيا.
وهذا لا يعني أن مؤتمر “برلين” ليس له فائدة، بل ممكن أن يكون كما يحدث دائمًا مُمهّداً عن طريق وضع وثائق وتأسيس اتفاق نهائي يمكن الاعتماد عليه.

* هل احتلّت تركيا موضع مصر في الأزمة الليبية؟.

يجوز نسبيًا وليس بشكل كامل؛ لأنه أيضًا لا يجوز الاستغناء عن مصر، مصر دولة مجاورة، ولها علاقات جيدة مع فرنسا، وتقوم بدور وسيط لوجيستي بين روسيا وقوات “حفتر”، ودور وسيط بين الإمارات والسعودية و”حفتر”، يضاف لذلك الفاعلية المخابراتية لمصر داخل ليبيا.
هذه العوامل مجتمعة تجعل مصر باقية على دورها، لكن هذا الدور كما ذكرت سابقًا آخذ بالانحسار، خاصة بعد التدخل التركي، ولكنه انحسار جزئي وليس كاملاً. هي فقط اضطرت مصر لتقديم بعض التنازلات بمناسبة الاتفاقات.

للاطلاع على موضوعات متعلقة أخرى عبر الروابط التالية:

دور تركي واعتراض مصري.. ما الذي يحدث في ليبيا؟ (1-2)

التدخل العسكري التركي في ليبيا.. دعم لوجستي أم حرب تهدد المنطقة؟ (2-2)

خبراء عسكريون يجيبون: هل تستطيع الطائرات التركية هزيمة حفتر في ليبيا؟

خبراء يناقشون بصالون “الإخوان” سيناريوهات الوضع في ليبيا وشرق المتوسط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق