هل أعلن “محمد علي” وفاة الثورة المصرية..؟

تعمدت ألا أكتب شيئًا سلبيًّا أو إيجابيًّا عن دعوات التظاهر في ذكرى يناير وأصحابها، واعتذرت للقنوات التي طلبت أن أظهر معها في التغطية المفتوحة في ذكرى الثورة؛ لعدة أسباب، منها:

أولاً: أنني كنت رافضًا تمامًا نزول الناس للتظاهر، وكنت مدركًا أنه لن ينزل أحد على الإطلاق، حتى من كنت أخبره في الجلسات الخاصة برأيي ذلك، كان يظنني متشائمًا، فأقول له: بل هي الحقيقة التي يجب أن نتعايش معها، ونعمل بمقتضاها، ولا نبيع للناس الوهم، أو الأمل الكاذب.

لكنني آثرت الصمت في وسائل الإعلام؛ حتى لا أُحبِط أحدًا، ولعلي أن أكون مخطئًا.

ثانيًا: أن لدي يقينًا أن أزمة مصر في نخبتها ومعارضتها، وليست أزمة شعب على الإطلاق، وأن الشعب في حالة غضب وسخط مكتوم، وإذا وجد من يقوده ويثق به ويحسن إدارة الصراع، فهو قادر على صناعة عشرات الثورات، وليس ثورة واحدة.

أقول هذا عن علم وخبرة ودراية، وليست أضغاث أحلام أو تأملات في قعر فنجان، أقول هذا بناءً على عشرات المواقف والقصص التي عشتها في صفوف المعارضة الحالية.

أقول هذا حتى لا يفقد الشعب الثقة في نفسه، ولا في قدرته على إحداث التغيير، نحن كشعب لدينا كل ظروف التي تجعل التغيير والثورة ممكنة، ولكن حالة اليأس والخوف التي تسيطر على الناس، وهي حالة نفسية معنوية قبل أن تكون مادية، هي التي تقف حاجزًا أمام الناس والتغيير.

في كل مدينة يقطنها على الأقل مليونان أو ثلاثة ملايين من المواطنين أو أكثر، يوجد قسمان أو ثلاثة للشرطة، فيها بضع عشرات من رجال الأمن، الذين يثيرون الخوف والذعر في الملايين من حولهم!

لو تخلت هذه الملايين عن خوفها ساعة واحدة، لخرج هؤلاء من أماكنهم – إذا خرجوا – بالطُّرَح والنقاب؛ خوفًا وهلعًا، وقد فعلوها سابقًا.

إن الأمن يقتل أو يعتقل أو يعذب، وينشر الخبر، أو يترك لنا نشره، فيتسرب الخوف إلى النفوس، حتى يتحول إلى جدار سميك، وحائط عالٍ، يختفي خلفه هؤلاء الأقزام في جحورهم، في هذا القسم أو ذاك، وفي هذه البناية أو تلك.

محمد علي” أكمل بحسن نية أو سيئها، لم يعد الفرق مهمًّا حاليًا، العنصر الثاني في إخضاع الشعب، وهو اليأس والإحباط، لقد دعا الناس للنزول فلم ينزلوا، إذًا الشعب مخطئ، وهي وجهة نظر.

القتل وهتك الأعراض واعتقال الناس وبيع الوطن أصبح وجهة نظر في عرف “محمد علي”، وبالتالي قد يكون الشعب راضيًا عن السيسي، وبالتالي على الرافضين له أن يصمتوا ويفقدوا الأمل في التغيير، هذه رسالته الأخيرة للجميع، ربما لم يقلها بشكل مباشر، ولكن هذا هو فحواها ومضمونها.د.ممدوح المنير يكتب: هل أعلن "محمد علي" وفاة الثورة المصرية..؟

لم ينزلوا مثلاً لأنهم لا يعتبرونه أهلاً للقيادة، لم ينزلوا مثلاً لأنه تعجل نزولهم، لم ينزلوا مثلاً لأن الكثيرين يعتبرونه جزءًا من صراع داخل النظام، وليس جزءًا ثوريًّا أصيلاً، لم ينزلوا لأن مساحة الوعي عندهم وثقافة المقاومة للنظم الفاشية غائبة عنهم، فقط لم ينزلوا لأنهم قد يكونوا مقتنعين بالنظام الحالي!

أيها الشعب العظيم.. ثق في الله أولاً؛ فهو وحده القادر والقاهر، وكما أهلك فرعون وجنده فسيهلك هذا الطاغية وجنده، إنها سنة الله التي لا تتبدل ولا تتغير.

ثق في نفسك ثانيًا، استعد للمعركة القادمة، طالت أم قصرت ستأتي، استعد أخلاقيًّا وعلميًّا وبدنيًّا، كن قويًّا بإيمانك، ولا تَبِع مع من باعوا، ولا تترخص في دينك في غير موضع الرخصة، فالثبات على المبدأ نصر وعزة، فنحن نتعبد إلى الله بذلك ما دمنا (كأفراد) قد استفرغنا الأسباب، أو ضاقت علينا سبلها، هذا لأهلنا في مصر.

🌟 إن معادلة النصر أو الثورة على الطاغية – بعد توفيق الله – معروفة وليست اختراعًا أو ابتكارًا، هي اختصارًا:

1- قيادة يثق بها الناس، فلن يتحرك أحد إلا بناءً على قيادة يؤمن بها وبقدرتها على إدارة الصراع.

2- مشروع جامع واضح يمثل الأمل للناس، ويجعل التضحية من أجله مستحقة ومقبولة لدى الشعب.

3- مليون واحد فقط من الشعب، كسروا حاجز الخوف واليأس، وقرروا الخروج خلف هذه القيادة التي يثقون بها، وإيمانا بهذا المشروع الذي يستحق التضحية من أجله.

4- مجموعات وأدوات لحماية الناس من القمع الأمني، وفتح الطرق أمامهم للتظاهر، وشل حركة المجرمين في القاهرة، فيتحرك الناس أفواجًا دون خوف.

هذه هي الحالة الضاغطة الوحيدة على النظام، التي تجبره على الاستجابة للناس، وعلى حسب الجموع الهادرة وحسن إدارتها وقتها، وقبل كل شيء عون الله ورعايته، نستطيع أن ننتزع مكاسب عديدة، وربما وقتها نخلعه من جديد، لكن دون أخطائنا السابقة.

هذه المعادلة لا ينقصنا منها شيء سوى الإرادة والإدارة والتجرد، ووالله ثم والله لو توافرت هذه الثلاث لما أكمل الانقلاب عامًا واحدًا بمشيئة الله، لكنه حب الدنيا وكراهية الموت والتضحية في سبيل الله والوطن.

حب الدنيا الذي جعل الناس في الخارج – إلا من رحم ربي – تعيش لنفسها، أو تتوحش أخلاقها أو تميت ضمائرها حتى تستطيع أن تنام.

لقد عاصرت أُناسًا من لحمنا ودمنا يتعمدون ألا يشاهدوا أخبار مصر نهائيًّا؛ حتى لا يتعكر مزاجهم، ولا يتكدر صفو يومهم، يريدون أن يعيشوا عالمهم في راحة وسعادة، وليذهب الباقي إلى الجحيم!

عاصرت أًناسا لديهم من الأموال ما يكفي لإحياء مائة ثورة، لكن خوفهم (وتجارة يخشون كسادها) من أن يرتبط اسمهم بالثورة جعلهم يشحون ويبخلون.

عاصرت أناساً بنوا البيوت وعمروها وزخرفوها حتى أصبحت (مساكن يرضونها)، فإذا سألتهم القليل للمعتقلين أو للثورة ادعى الفقر، أو أدخلك في متاهات حسابية ومعادلات جبرية؛ هربًا من جهاد للمال مستحق شرعًا وخلقًا.

عاصرت أناساً يعبدون كبراءهم وسادتهم، ويرونهم هم الصواب المطلق والحقيقة الكاملة والحكمة البالغة، حتى لو أوردوهم المهالك وأضلوهم السبيل!

هناك شرفاء ومخلصون بكل تأكيد، لكنهم حاليًا للأسف متفرقون وضعفاء، يبحثون عن أنفسهم حاليًا، ولأن البيئة مسمومة فهم يأخذون وقتهم حتى يجمعوا شتات أمرهم، ومن هؤلاء وحدهم ستولد القيادة، وسيبنى المشروع، وتبدأ معركة التحرير بعون الله وتوفيقه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق