“قعر الحلة”.. ما دور الفقاعات في سيطرة الفساد على الاقتصاد؟

الفقاعة الاقتصادية تنشأ عادة في قطاع واحد، أو أكثر مدفوعة بتغير مفاجئ في تقييم الأصول العقارية او المالية او الرأسمالية. هذا التغير المفاجئ، يكون في العادة محفوزا بزيادة هائلة في معدل الربحية في القطاع موضوع الفقاعة، مما يؤدي إلى تغير سريع في نمط الاستثمار، ويفتح الطريق لتدفق كميات ضخمة من الأموال إلى القطاع المعنى (أو القطاعات) في فترة قصيرة جدا لا تسمح بإعادة تقييم العلاقة بين العرض والطلب، ويستمر هذا التدفق مدفوعا بقوة توقعات استمرار الربحية العالية.
ونظرا لأن زيادة معدل الإستحواذ على الأصول، وتدفقات الأموال المصاحبة له، تتم بسرعة تتجاوز بكثير قدرة العرض على التكيف، خصوصا في القطاعات ذات المرونة الضعيفة في جانب العرض (مثل الأرض) ، فإن عملية إعادة تقييم الأصول تستمر إلى أعلى، حتى تصل إلى مستوى يتجاوز القدرة الشرائية للمستهلكين المحتملين، فيؤدي ذلك إلى تراجع الطلب، واضطراب جانب العرض، خصوصا مع سريان مفعول انخفاض الربحية.

"قعر الحلة".. ما دور الفقاعات في سيطرة الفساد على الاقتصاد؟ اقتصادومع استمرار هذه التداعيات، فإن المستثمرين الجدد يحجمون عن الدخول في السوق، بينما المستهلكون يراقبون بعناية اتجاه معدل الأسعار للنزول، وتزيد الأزمة عندما يتوقع المستهلكون حدوث المزيد من انخفاض الأسعار، بمعنى إعادة التقييم للاصول إلى أدنى، بمعدلات خصم او بطرق مختلفة غيرها.
بذلك تتضخم أعباء التمويل، وهي حبيسة داخل صندوق مغلق، في أصول مبالغ في قيمتها، ضعيفة الطلب أو لا طلب عليها؛ فتزيد حدة الصدام بين العرض المتخم والطلب الناكص، وتنفجر الفقاعة؛ لتترك آثارا انتشارية هائلة تمتد من مؤسسات التمويل إلى الشركات الصناعية إلى المطورين العقاريين، إلى المستثمرين المقترضين الذين تحولت استثماراتهم فعليا إلى قيمة سلبية كما حدث في الولايات المتحدة عام 2007- 2008.
يقول “خالد ابو شادي” الباحث الاقتصادي: إن الخطير هو أن يتحول الاقتصاد كله، وليس واحد فقط من قطاعاته، إلى مجرد فقاعة تنفجر من وخزة إبرة أو شكّة دبوس. وتزيد خطورة تداعيات انفجار الفقاعة عندما تكف آليات السوق عن العمل، وعندما يُدار الإقتصاد بالأوامر، فذلك يهدد بأن تعقب الفقاعة حالة (ضمور) تجعل العلاج في المستقبل مكلفا، وشديد الصعوبة، وممتدا، خصوصا عندما يبدو الإقتصاد في مجموعه وكأنه تحول إلى مجرد بالونة منفوخة حجما وفارغة من محركات النمو موضوعا.
وأضاف: “إننا نستنشق الفساد مع الهواء، فكيف نأمل أن يخرج لنا من المستنقع أمل حقيقي؟!” أليست كلمات صادقة؟..ورغم أن صاحبها-نجيب محفوظ– رحل لكنها بقت لأنها توصف أشد وألد أعداءنا، ولا أبالغ ان قلت انه السبب الرئيس في تأخر نهضتنا كأمة تملك مقومات غير مفعلة وموارد بشرية وطبيعية كفيلة بأن تقيلها من كل عثراتها مهما كانت ضخامتها وصعوبتها.
وأردف: تابعنا صدور مؤشر مدركات الفساد عن منظمة الشفافية الدولية ورصده لما حدث في العالم خلال 2019، وكيف رتب 180 دولة وأين موقعنا في منطقة الشرق الأوسط والعالم.
وأضاف: الفساد قائم ومتمكن، والأرقام تؤكد ذلك، فعندما تحصل ثلثي الدول الـ180 على تقييم يقل عن الخمسين نقطة، بينما أتي متوسط مع حصلت عليه الدول جميعها 43 نقطة ومنطقة الشرق الأوسط 39 نقطة يتأكد أننا نعيش في عالم يعج بالرأسمالية الجشعة ويحاصره الفساد.
وأكد أن المؤشر يرتب الدول حسب 13 استطلاعا يشمل خبراء ورجال أعمال راصداً الفساد في القطاع العام، حيث يتحرك المؤشر من الصفر “الأعلى فسادا” إلى 100 درجة “الأقل فسادا” أو الأكثر نزاهة، حيث مع هذه الدرجة نحن في عالم مثالي.
وأشار إلى أن الدنمارك في المركز الأول برصيد 87 درجة هي ونيوزيلندا؟ تليهما فنلندا برصيد 86 نقطة، وهي دول لا تحتاج لتعريف أو توصيف من حيث تقدمها أو صدارتها للعديد من التقارير العالمية.
وتابع أن الامارات في المركز الحادي والعشرين عالميا برصيد 71 نقطة، وإسرائيل في المركز الخامس والثلاثين برصيد 60 نقطة.

وتابع: هذه الدول لم تتبوأ هذه المراكز المتقدمة عبثا؟ فهناك محاربة للفساد الذي لديه القدرة على تركيع أى بلد حرفيا وخير دليل فنزويلا التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي وحلت في الترتيب الـ173 برصيد 16 نقطة فقط، هناك موارد الذي لكن الشعب لا يجد قوت يومه، وهذه معضلة ادارة وفساد بإمتياز.
وتحدثت منظمة الشافية في صدر التقرير عن الفساد في الحكومات وإعاقته لتمكين وتطوير التجارب الديمقراطية، وأقول أن هذه هي دعاوى “التسويق المبطن” لاقتصاد السوق الحر وخصخصة ما تبقى “عاما” من مؤسسات وشركات في أوطاننا، لكن بذلك سأضلل نفسي قبلكم لأن العلاقة العكسية بين الفساد وتطور الأمم قائمة ولا تحتاج لبرهان أو اثبات.
ويقول الباحث الاقتصادي: ربما كان نموذج “مهاتير محمد” في ماليزيا واضحا تماما في الثمانينات حيث بدأ باجتثاث الفساد، نموذج رفض “دعم” صندوق النقد ابان أزمة النمور الآسيوية في النصف الثاني من التسعينات “1997”، وراهن على بلده وقدرتها على تجاوز أزمة كادت أن تعيدها مئة عام إلى الوراء، لكنه نجح بإقتدار مستمدا ذلك من أساس بناه قبل أى شيء كان من بين أولوياته الملحة محاربة الفساد حسب ظني، وربما كان ذلك نفس السبب الذي عاد به إلى الحكم مرة أخرى رغم تجاوزه التسعين من العمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق