داعمةً لكل سفاح.. ماذا تريد “روسيا” من العرب؟

يمكن القول بشكل عام إن سلة المصالح القومية الإستراتيجية لروسيا في الدول العربية تشمل الحرب على ما تصفه بالإرهاب، والوصول إلى المياه الدافئة، وإقامة رأس جسر عسكري لمنع توسع الناتو والولايات المتحدة بالقرب من حدودها، والاستفادة من رأس الجسر أيضاً في مجالات التفاعل داخل المنطقة وخارجها، وتأمين المصالح الاقتصادية الروسية بشأن التنسيق في تصدير النفط والغاز مع دول الخليج، وتأمين وتوسيع أسواق صادرات السلاح والقمح في المنطقة الأكثر إنفاقاً على استيراد السلاح والقمح في العالم، وتوسيع مصالح الشركات النفطية الروسية.

كما أن لروسيا أيضاً مصلحة في جعل المنطقة أكثر هدوءا تنعم شعوبها ودولها بثمار التعاون من أجل حل الصراعات التاريخية العالقة مثل القضية الفلسطينية، والنزاعات الجديدة مثل ترتيبات أمن الممرات المائية، وعلى رأسها أمن الخليج ومضيق هرمز.

ويبدو من متابعة تطورات السياسة الخارجية الروسية تجاه الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، أن أهم معالم خريطة المصالح القومية لروسيا في المنطقة يتمثل فيما يلي:

أولاً: إقامة وتأمين رأس جسر إلى البحار والمحيطات الدافئة، ومن هنا تبدو أهمية القاعدين العسكريتين اللتين اقامتهما روسيا في سورية، قاعدة طرطوس البحرية، وقاعدة حميميم الجوية. قاعدة طرطوس تم الاتفاق بشأنها اولا كنقطة بحرية للتسهيلات اللوجستية عام 1983 على أساس معاهدة الصداقة السوفيتية – السورية الموقعة عام 1980، أي بعد أقل من 10 سنوات من قرار الرئيس المصري أنور السادات بإلغاء معاهدة الصداقة مع السوفيتيت وترحيل خبرائهم من مصر.

وقد تم تطوير الاتفاقات الروسية مع سورية بشأن القاعدتين، طرطوس وحميميم بعد دخول القوات العسكرية الروسية في الحرب السورية إلى جانب بشار الأسد.

وتعتبر القاعدتان حالياً من أهم مراكز الوجود العسكري الروسي خارج الحدود، وتستخدمهما أحدث القوات الروسية، بما في ذلك القطع البحرية العاملة بالطاقة النووية، وأحدث الطائرات المقاتلة وصواريخ الدفاع الجوي.

وتستخدم القوات الروسية قاعدتي طرطوس وحميميم لدعم السفاح السوري بشار الأسد، وايضا كمراكز للحماية العسكرية المتقدمة للأراضي الروسية. وهذا يعني أن سورية تمثل قطعة شديدة الأهمية للاستراتيجية العالمية لروسيا، في مجالات الوصول إلى المياه الدافئة، وفي توفير رأس جسر عسكري للهجوم والدفاع الاستراتيجي الروسي لصالح الحلفاء وضد الأعداء.

ثانياً: المحافظة على مصالح روسيا في تعظيم العائد من تصدير ثرواتها ومنتجاتها من النفط والغاز والسلاح والقمح، وذلك عن طريق التنسيق مع دول الشرق الأوسط المصدرة للنفط والغاز، وتوسيع أسواق السلاح الروسية في هذه المنطقة التي تمثل أهم أسواق السلاح في العالم.

هذا التنسيق الذي كان قد بدأ مبكرا من خلال قنوات مختلفة دبلوماسية وتجارية في أعقاب غزو العراق للكويت، وحاجة الدول الخليجية إلى مساندة كل من روسيا والصين في مجلس الأمن الدولي، لإصدار قرارات ملزمة ضد النظام الحاكم في العراق في ذلك الوقت بقيادة “صدام حسين”.داعمةً لكل سفاح.. ماذا تريد "روسيا" من العرب؟ روسيا

وعلى الصعيد النفطي، فإن روسيا أدركت منذ انهيار أسعار النفط في منتصف عام 2014 انها يمكن أن تتعرض لأضرار شديدة ، في حال الإستمرار في اضطراب سوق النفط.

وفي إطار السعي لتحقيق استقرار إيراداتها من تصدير النفط، فقد وجدت طريقا للتنسيق مع المملكة السعودية والدول الأعضاء في أوبك.

ويعتبر الاتفاق بين دول أوبك وروسيا على التنسيق المشترك، وتحديد كميات الإمدادات إلى الأسواق العالمية ، حجر الزاوية في الإستقرار النسبي للأسعار في الأعوام الثلاثة الأخيرة، منذ عقدت روسيا اتفاقا بهذا الخصوص مع أوبك في أواخر عام 2016. وتقدر روسيا مكاسبها من هذا الاتفاق بنحو 60 مليار دولار سنويا.

ثالثاً: الحد من دور الولايات المتحدة وحلف الأطلنطي في المنطقة، التي شهدت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أكثر وأسوأ الصراعات، امتدت إلى العلاقات الدولية بشكل عام، خصوصا فيما يتعلق بالصراع العربي – الإسرائيلي.

وقد تعرضت روسيا (الاتحاد السوفيتي قبل ذلك) للكثير من الضرر بسبب نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة.

وتشير التطورات في الوقت الحاضر إلى اتساع نفوذ روسيا في الكثير من الأماكن التي كانت تعتبر ضمن نطاق حزام النفوذ الأمريكي من أفغانستان إلى غرب آسيا وشمال أفريقيا.

رابعاً: العمل على تطهير المنطقة من مقومات وأسباب الإرهاب والتطرف السياسي باسم الإسلام.

وقد دفعت روسيا ثمناً فادحاً للمواجهة مع التنظيمات الإرهابية ذات الطابع الإسلامي، وتعرضت منذ حربها في أفغانستان لضربات شديدة بواسطة الجماعات الارهابية، بلغت ذروتها بوصول هذه الهجمات إلى قلب العاصمة الروسية موسكو، مثلما حدث في تفجيرات مترو موسكو في نهاية مارس 2010 التي راح ضحيتها 39 شخصا، واثارت حالة من الإضطراب في منظومة النقل العام في المدن الروسية الكبرى.

وعلى الرغم من أن روسيا من الدول الرئيسية ذات المصلحة في الحرب على الإرهاب، فإن الولايات المتحدة إستبعدتها من التحالف العالمي للحرب على الإرهاب، تماما كما حدث مع الصين، فأصبح التحالف يمثل المصالح الغربية فقط.

لكن ذلك لم يمنع روسيا من تطوير استراتيجيتها الداخلية والخارجية للحرب على الإرهاب.

وتنطلق هذه الإستراتيجية من أربعة محاور:

المحور الأول: هو محاصرة وتصفية الجماعات الإرهابية والمتشددة في مناطق مثل القوقاز وداغستان وأبخازيا والشيشان التي تتمركز فيها هذه الجماعات، وتنطلق منها لتهديد المصالح الروسية في الداخل والخارج.

المحور الثاني: هو شن حرب ضد الجماعات الإرهابية بالتنسيق مع قوي أخرى، مثلما هو الحال في سورية، بالتعاون مع سورية وإيران والتنسيق مع الولايات المتحدة.

المحور الثالث: هو إقامة قنوات استخبارية مع دول أخرى، مثل الولايات المتحدة، لتبادل المعلومات عن الشبكات والتنظيمات والأفراد المتورطين في أنشطة إرهابية او الذين من المحتمل ان يشاركوا فيها.

المحور الرابع: في استراتيجية روسيا للحرب على الإرهاب هو محور غير مباشر يتمثل في العمل على خلق منطقة للسلام والتوافق الإقليمي في الشرق الاوسط، بما يسمح بتعظيم العائد الذي تحصل عليه من المنطقة، على أساس مبدأ تبادل المكاسب، وتوسيع نطاق المصالح المشتركة المترابطة بين الحكومات القائمة.

وقد اكتسبت الدبلوماسية الروسية خبرات كبيرة من خلال تطبيق اسلوب جديد في إدارة الحرب الأهلية السورية، عن طريق ابتكار دبلوماسية “مناطق خفض التصعيد”.

خامساً: حماية الإستقرار والسلام في المنطقة. وتعتبر الدبلوماسية الروسية ان منطقة الشرق الأوسط تعاني من عدد من المشاكل المزمنة والجديدة التي التي تهدد أمن المنطقة، ويمتد أثرها إلى تسميم العلاقات الدولية بشكل عام بسبب الاستقطابات الحادة الناتجة عن تباين مواقف القوى الرئيسية في العالم بشأنها، ويأتي الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي على رأس هذه القضايا.

وتتمسك روسيا بشكل عام بضرورة حل هذا الصراع المزمن على أساس حق الفلسطينيين في إقامة دولة ذات سيادة تعيش في سلام جنبا إلى جنب مع إسرائيل، والتكيف مع الحقائق السياسية القائمة، بعيدا عن الإدعاءات التاريخية.

كما تدعو روسيا إلى تخفيف حدة التوتر الإقليمي بين الأطراف المتصارعة على النفوذ في الخليج، خصوصا بين السعودية وايران، وتدعو إلى إنشاء آلية مشتركة للدفاع والأمن المتبادل، تضم الدول المعنية في المنطقة، بعيدا عن الاستقطاب الإقليمي او الدولي، لضمان أمن الملاحة في الممرات البحرية الحيوية في المنطقة مثل مضيق هرمز ومضيق باب المندب.

وعلى الرغم من العداءات التاريخية بين كل من إيران وتركيا، فقد استطاعت روسيا ان تخلق مناخا ملائما للتعاون المشترك المثمر بين البلدين، اللذين يتصدران قيادة العالم الإسلامي (تركيا السنية، وإيران الشيعية)، كما نجحت أيضا في دفع العملية السياسية في سورية إلى مسار مستقر، عن طريق الجمع بين الحكومة السورية وبين جماعات المعارضة ذات الطابع السياسي المعتدل البعيدة عن الإرهاب.

وهي الآن تتقدم لمحاولة لعب دور اكثر أهمية في الصراع داخل ليبيا، بما يجعل من اليسير استئناف الحياة الطبيعية في البلاد وتنمية مواردها بما في ذلك النفط، حيث تلعب الشركات الروسية دوراً مهماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق