“كورونا”.. والاستغلال السياسي

“كورونا”.. والاستغلال السياسي

ظهرت وزيرة الصحة المصرية في مشهد أدهش الرأي العام وهي تسير في مقدمة عدد من الأطباء يرتدون بدل أشبه ببدل رجال الفضاء ويضعون «ماسكاً» وقائياً على الوجه، وكأنه مشهد من مشاهد أفلام حروب الخيال العلمي، أو كأنها العمدة الآلي الذي كان الراحل “فؤاد المهندس” يقدمه مسلسَل أطفال في رمضان.

سخر البعض من المشهد واندهش البعض الآخر، ولكني لم أندهش فقد رأيته مشهداً من المشاهد والأحداث المفروضة على المجتمع منذ فترة التمهيد لحكم الجنرال الممتدة إلى الآن، والمستهدف منها الاستخفاف بالشعب والمجتمع ومسخرته، والقضاء على ريادته الثقافية والعلمية والسياسية بهدف السيطرة عليه بسهولة ودون أي مقاومة، وهي سياسة متوقعة في الدول التي يحكمها كيانات ضعيفة وتافهة، لا تقوى على حكم شعوب واعية ثقيلة الثقافة والوعي، فتسعى لتدمير كيانها وذاتها ووعيها بمشاهد استخفاف مثل “اللواء الطبيب عبد العاطي” الذي يعالج الإيدز بالكفتة، أو المخترع الذي يتواصل عبر جهاز مع القطط، ومثل فرض صراعات متدنية لجذب اهتمام الشباب وإرباكه، التي تظهر بوضوح في مشاهد معارك “مرتضى منصور” و”فيفي عبده” و”عزمي مجاهد” وغيرهم، وتنصيب مسؤولين دون المستوى الذهني والعقلي،حتى إن وزيرة في إحدى حكومات “السيسي”، أرجعت سبب زيادة الكثافة السكانية لصراع الحموات والسلايف!، وقيام وزير صحة سابق بتقديم مشروع للحكومة لتقليل خصوبة المصريين للقضاء على الزيادة السكانية.!! أما وزيرة الصحة الحالية، صاحبة استعراضات فرق مواجهة فيروس «كورونا» بالبدل الصفراء، فقد استبعدت خطر فيروس «كورونا» بالمقارنة بخطر آخر رأته أكبر وأخطر على المصريين، فكتبت: «الحقيقة الخوف على البلد ليس من فيروس كورونا، الخوف الأكيد من الفيروس الذي يصيب الأخلاق والقيم، لأنه أكثر تدميراً.. ليس لأفراد.. بل لدول وشعوب بأكملها»! والأخلاق والقيم يا سادة هي الحصن الحصين لمن تخونه قدراته ويفشل في الإدارة أو في الحكم فيلجأ للقيم والأخلاق والأدب، الذي هو أشبه بأدب العبيد.

قدر المصريين

شعب مصر من أكثر الشعوب ابتلاء ليس بالأمراض فقط وإنما بتعامل حكامه مع الأمراض والمصائب، باعتبارها وسائل لتثبيت الحكم، وأحيانا رزق وحسنة مخفية كما حدث في التعامل مع زلزال 1992، عندما تحولت المنح القادمة لضحايا الزلزال إلى مورد من موارد الدولة التي لا يكون منها أي نصيب لعامة الشعب، وركز الإعلام الرسمي على مأسي ضحايا الزلزال وإبرازها بنفس أسلوب المتسول الذي يرزقه الله بإصابة ابن من أبنائه فبدلا من أن يعالجه يعمق جرحه ليتسول به.

الأخطر يا سادة هو استخدام فزاعة الأمراض في تحقيق أغراض سياسية واقتصادية فاسدة وهذا تكرر في مصر بأشكال مختلفة وتحولت الأمراض إلى فزاعة مثل فزاعة الإرهاب تبرر إخفاقات الدولة من جهة ومن جهة أخرى سبب منطقي لمزيد من سياسات القمع والجباية والظلم، والأكثر الفساد على نحو ما سنرى."كورونا".. والاستغلال السياسي كورونا

النماذج كثيرة ومن أبرز هذه النماذج والاستخدامات الفاسدة لفزاعة الأوبئة ما حدث في مصر في التعامل مع أنفلونزا الطيور وأنفلونزا الخنازير، التي انتهت بالقضاء على نشاط صغار المستثمرين والمربين في هذا المجال، وتركيز النشاط في يد عشرات من المحتكرين المرتبطين بدوائر الحكم واتخاذ القرار، وبالتالي ترتب عليه مجتمعيا خراب بيوت وتشريد للعديد من الأسر وارتفاع معدل البطالة من جهة ومن جهة أخرى ارتفاع أسعار اللحوم البيضاء (لحوم الطيور) التي كانت المورد البروتيني المتاح للطبقة الوسطى والفئات الفقيرة، وهم ما نعاني منه حتى الآن.

في عام 2006 نشرت الحكومة فجأة فزاعة مرض أنفلونزا االطيور بأسلوب أثار الرعب والقلق بين الناس، وكنت وقتها محرراً للصحة، وهو ما جعلني ألاحظ أداء مختلفاً وغريباً من وزارة “حاتم الجبلي” للصحة، فبدلا من أن يتم اتخاذ التدابير الوقائية لحماية المواطنين من الإصابة بالمرض ومحاصرة أعراضه، انشغلت الوزارة آنذاك بشكل ممنهج بالاشتراك مع وزرات أخرى أهمها وزارت الزراعة والتموين والداخلية بمطاردة مزارع الدواجن وإعدام أكبر عدد من الطيور وإغلاق آلاف من مزارع صغار المستثمرين وتشريد إعداد كبيرة من الأيدي العاملة بحجة مواجهة الوباء الخطير الذي ضرب البلاد، وكالعادة وقعنا جميعاً أسرى حالة الرعب وفزاعة الأمراض والأوبئة وحرفية التغطية الإعلامية الخبيثة.

ورغم كل هذا الرعب الذي أصاب المصريين من الدعاية المبالغ منها، لم يتوقف المصريون عن تربية الدواجن في المنازل مدفوعين بضغوط الحياة اليومية وارتفاع الأسعار الذي يحول بينهم وبين الحصول على لحوم الطيور من الأسواق، واضطر أصحاب المشروعات الصغير إلى تصفية مشروعاتهم، بينما وقف العشرات من المحتكرين صامدين أمام هذه الأزمة ليتم تكدس السوق كله في أيديهم نهاية الأمر ولتبدأ نتائج الاحتكار من تحكم في السوق وارتفاع في الأسعار.

كيف تم ذلك..؟؟

وتفاصيل التعامل الحكومي مع هذه الأزمة آنذاك أي عام 2006، تشير اتجاه النظام وأصحاب القرار إلى توجيه دفة الأزمة تجاه المحتكرين وإهمال الإجراءات المطلوبة للحماية من الوباء، وربما كان هذا لأدراكهم أن جزءاً كبيراً من الدعاية المبالغ فيها، حول المرض مصنوعا بمعرفتهم لغرض ستكشفه الأرقام والنتائج فيما بعد.

في ذلك الوقت (عام 2006) كان عدد المزارع المنتجة للدواجن في مصر ما بين 16الف و18 ألف مزرعة، تنتج ألف مزرعة منهم فقط ما بين 50.000 ألف إلى 100.000 دجاجة في الدورة (الدورة 45 يوم) بينما يبلغ إنتاج كل مزرعة من بقية المزارع حوالي 5000 دجاجة في الدورة، ويمثل إنتاج كل هذا 80% من إنتاج الثروة الداجنة في مصر، بينما يمثل الإنتاج المنزلي 20% من هذه الثروة.

وفي هذا التوقيت كان يتحكم في مقدرات السوق 50 مستوردعاً ومنتجاً فقط، يملكون أكبر شركات الدواجن في مصر، وهم الذين يتحكمون في الكميات المنتجة وفي الأسعار.

ومن هؤلاء شخصيات على علاقة بدوائر اتخاذ القرار السياسي في مصر ومن أصحاب الأنشطة السياسية وأعضاء في لجنة السياسات والحزب الوطني الحاكم، وهو ما يفسر عدم الحاق أي ضرر بالنشاط الداجن لهؤلاء، نتيجة القرارات الأخيرة بحظر تداول الدواجن مثلما حدث مع صغار المربيين، فلسبب غير معروف تخلص كبار المنتجين من رصيدهم الاستراتيجي من الدواجن قبل إعلان وجود فيروس أنفلونزا الطيور بأيام، وهو ما يمكن تفسير تأجيل الحكومة الإعلان عن وجود الفيروس لعدة أسابيع وربما شهور.

استغل المحتكرون الحماية التي أحاطتهم بها الحكومة، والأثار السلبية التي طالت صغار المستثمرين نتاج قرارت الحكومة العشوائية، للتخلص من صغار المنتجين الذين كانوا يمثلون لهم عقبة شديدة في التحكم في الأسعار.

والنتيجة كما ذكرت تعميق الاحتكار في هذا المجال وارتفاع أسعار لحوم الطيور وبالتالي لحوم الحيوانات، وفي نفس الوقت لم تركز الدولة في مواجهة وحصار وحماية الطبقات الفقيرة من الإصابة بفيروس المرض لأنه هذه الزاوية لم تكن ضمن أولوياتها، وراح العديد من المصريين ضحايا لهذا الفيروس الذي كان يمكن حصاره ومن ثم حمايتهم.

ولكن دولة الاحتكار كانت مصلحتها استمرار هذا الوضع لاستخدامه فزاعة ً تمكنها من تحقيق أهدافها الفاسدة، فكان يتم على المستوى الإعلامي الإعلان كل فترة عن ضحية للمرض، وتقابلها قرارات تصب في صالح المحتكرين أو قرارات سياسية أخرى لا يلتفت لها الرأي العام المفزوع.

تكرار المأساة

ما ذكرته كان نموذجاً وتكرر بعد ذلك في أنفلونزا الخنازير ،حيث كان نفس التعامل الفاسد معه سبباً في القضاء على تصدير لحوم الخنازير المصرية، التي كانت من أغلى أنواع الخنازير في العالم، وأيضا تم استخدام هذه الفزاعة في تدابير سياسية أخرى باستغلال انشغال الشارع بفزاعة الكارثة، وكالعادة لم يتم اتخاذ أى تدابير حقيقية لحماية بسطاء الشعب من هذا الفيروس، ومن قبل تكرر ذلك بنفس الأسلوب مع فزاعة مرض جنون البقر.

والحقيقة أن مشاهد محاكاة المرض التي تتزعم بطولتها هالة زايد وزيرة الصحة المصرية، والإجراءات الدعائية التي تم بها الإعلان عن المرض دون اتخاذ أي إجراء وقائي حقيقي يجعلنا نفتش في دفاترنا القديمة عن الهدف من كل هذا، ولكم يا سادة أن تعرفوا أن كورونا وأنفلونزا الطيور والخنازير هي من الفيروسات المتحورة، التي تستلزم تدابير وقائية شديدة ونظافة وخاصة في مجال التعامل مع الطيور والحيوانات.

ورغم ذلك بجولة صغيرة لأي حي من أحياء مصر الشعبية ستتواجه مع أغنام ومواشي وحيوانات تعيش وسط البشر، وما زالت محال الدواجن تذبح الطيور في وسط المساكن دون أي تدابير صحية رغم أن القانون يمنع ذلك، بينما المشهد الوحيد الذي تراه من الدولة المصرية لمواجهة هذا الخطر هو الوزيرة الفضائية ببدلتها الصفراء، ولهذا أتوقع أخبارًا متتالية عن ضحايا من البسطاء، وتدابير وقائية وهمية سيتحمل تكلفتها ومعاناتها شعب فقير لتصب في مصالح صفوة المجتمع الفاسدة ودوائر الحكم وخدمهم من الإعلاميين وغيرهم.

حكوماتنا لا تواجه الأمراض والأوبئة بل تستغل جثث ضحاياها في تبرير وجودها ودعم الفساد الذي يحيط بها، ولنا الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق