“جيل يناير”.. هل تنتمي لهذا الجيل؟!

جيل يناير.. الجيل هو وصف لمجموعة من البشر عاشوا في مرحلة زمنية محددة، تقدر في المتوسط بأنها ثلث قرن، أي ما يقارب 33 عام، أي أن كل من يشترك في 30 عام من الحياة هم جيل.

ولكني أرى أن ”جيل يناير“ هو جيل له وصف أكثر تعقيدًا، فهو جيل ولكن لا يشمل كل من عاشوا في ذات الحقبة الزمنية، جيل يناير هو مجموعة من المصريين، عاشوا – كأشخاص واعين مهما صغر عمرهم وفاعلين مهما كبر عمرهم – في حقبة زمنية محددة وهي آخر 10 سنوات من عهد مبارك وثورة يناير وما بعدها، آمنوا سويًا بالحرية، وبحق الشعب في أن يتخذ قراره، وعاشوا سويًا حلمًا واحدًا، لم يكونوا من حزب الكنبة، ولم تكن علاقتهم بثورة يناير هي يوم 11 فبراير، بل كانوا يحلمون ويتطلعون إلى الحرية قبل الثورة بسنوات، نزلوا إلى الشوارع في مطلع القرن كانوا آحاد ثم عشرات وكبرت كرة الثلج إلى أن أصبحوا مئات متفرقين جغرافيا وسياسيًا، ولكنهم جميعًا كانوا يحلمون بوطن حقيقي للمصريين، لا تنتهك فيه كرامتهم، ولا تسرق فيه أقواتهم، ولا تنغص عليهم معيشتهم.

جيل يناير هو من أطلق تظاهرات الإصلاح في مطلع القرن، وهو من ساند تظاهرات تيار استقلال القضاه 2005، وإضراب 6 إبريل 2008، وهو من بدأ حملة رفض التوريث 2009، وهو من حمل على أكتافه حملة الجمعية الوطنية للتغيير 2010، وهو من أشعل الثورة يوم 25 يناير 2011، وهو صاحب ملحمة 28 يناير وموقعة الجمل، هذا الجيل هو من تحمل التخوين والتهميش والاعتقال والتنكيل، ولم يكن في يوم من الأيام من ذوي الحظوة أو السلطة، ولكنهم من دفعوا ضريبة التغيير في عهد مبارك، ودفعوا ضريبة التناحر السياسي من القوى السياسية والنخب عقب الثورة، ونكلت بهم الثورة المضادة.

لا أريد أن أحصر جيل يناير في أشخاص محددة، فجيل يناير لم يكن له قيادة واحدة في أي وقت من الأوقات، ولم يكن له ممثل أو متحدث باسمه، ولم يكن محصورًا في مشاهير السوشيال ميديا أو التوك شو.

ولكن جيل يناير هو كل من آمن بذات الأهداف وحلم بها وعمل على تحقيقها ويدفع الآن ضريبتها، ولكن أين هو جيل يناير الآن، أستطيع أن أقول بكل فخر أني أنتمي إلى جيل يناير الذي يمثل المئات من القادة الميدانيين والمؤثرين، والآلاف من الشجعان الفدائيين، وأقول أيضًا بكل أسى أن جيل يناير الآن بين شهيدًا، أو مختفيًا قسريًا، أو معتقلًا، أو منفيًا خارج وطنه، أو مطاردًا داخل وطنه!"جيل يناير".. هل تنتمي لهذا الجيل؟! جيل يناير

لقد قدم جيل يناير أكثر ما يستطيع أن يتحمله، خاصة وأنه جيل يتألف بشكل أساسي من شريحة الشباب، فكم من الشباب من جيل يناير قضى مراهقته بين سجون مبارك وميدان التحرير، ثم بدأ مرحلة رجولته وهو في سجون العسكر أو يصارع صراعًا مريرًا في ساحات متعددة!

كل ما عاناه جيل يناير لن يرحمنا أمام التاريخ إذا استسلمنا الآن وتركنا الأمور على ما هي عليه لمن بعدنا من الأجيال، فكما كنا طليعة الثورة وشرارتها وعوامل إرهاصاتها، علينا أيضًا أن نتقدم خطوة للأمام لنكون الآن قادة حقيقيين لهذا الصراع الذي خذلنا فيه نخب وساسة وكيانات وجماعات وقامات، لم يكونوا على قدر المرحلة، وثقنا فيهم على غير كفاءة منهم ولم نجد عندهم حكمة افتقدناها لعوامل متعددة أبرزها حداثة سن وخبرات جيل يناير في مواجهة دولة عميقة قمعية وأجهزة أمنية واستخباراتية عتيقة ومنظومة دولية لم تكن تسمح أبدًا لهذا الجيل أن يحمل الراية وأن يتقدم للأمام وأن يحقق ما يحلم به.

لقد وصلنا الآن إلى مرحلة من التيه الذي لا يملك أي من النخب أو من يتقدمون الصفوف أن يخرجونا منه، ولكن في حقيقة الأمر ما نحن فيه لم يكن خطأ النخب التي لم تكن مؤهلة أصلًا لخوض هذا الصراع، ولكنه خطأ جيل يناير الذي لم يهتم بعد الثورة بأن يؤهل نفسه للقيادة ويعمل على تصدر الصفوف، فلقد زهد هذا الجيل في القيادة واكتفى بجسارة اقتحام الميدان وإشعال الثورة.

ولكن للأسف لم يكن هناك من يعمل على إضفاء الغطاء السياسي المناسب لهذا الحراك الثوري وهذه المكتسبات الثورية، فضاعت الثورة وانتكست السياسة ومات الشباب وقُتل الحلم.

حان الوقت لهذا الجيل أن يتقدم، ويقدم نخبة جديدة من ساسة وباحثين وحقوقيين وإعلاميين واقتصاديين وخبراء في الإدارة والتخطيط والاستراتيجيات، والعلوم الأمنية والمعلوماتية، حان الوقت لهذا الجيل أن يتقدم ويفرض نظرياته التي طالما كانت أقرب إلى الصواب، فقد آمن هذا الجيل بالثورة في الوقت الذي آمن النخب والقوى والجماعات بالدولة والإصلاح من داخل دولاب الدولة، ففرض هذا الجيل ثورته على الجميع، فتكالبت ذات النخبة لإدخال الثورة في حظيرة الدولة من جديد فماتت الثورة.

لا أكتب مقالي هذا من أجل البكاء على أطلال جيل قد انتهى تحت وطأة بطش الثورة المضادة ومجنزرات العسكر وقضبان السجون وأعواد المشانق ورائحة البارود، ولكن أكتب هذا المقال لبعث هذا الجيل الغاضب من تحت الركام، جيل كٌتب عليه أن يتحمل التجربة حتى آخرها، وأن ينتشل الوطن من براثن الحكم الاستبدادي مرة، ومن عبث النخب والساسة مرة، ومن طغيان العسكر مرة.

لقد خاض هذا الجيل 3 معارك، كسب الأولى ضد مبارك ونظامه في يناير 2011، وخسر الثانية ضد المجلس العسكري وسطحية وانتهازية النخب والقوى السياسية خلال عامين ونصف بعد الثورة، وفرضت عليه معركة ثالثة في يوليو 2013 لم يكن مستعدًا لها، ولكنه لم يهزم بعد.

ولا زالت قادرًا على المواصلة وتغيير النتائج، ما يميز جيل يناير عن غيره من الأجيال أنه جيل استطاع أن يحقق الحلم، ويفرض إرادته على المنظومة الإقليمية والدولية، وهو ما لم يحققه جيل آخر، لذا فهذا الجيل لديه من المؤهلات، العمرية، والتعليمية، والممارسة السياسية الطاحنة، والخبرات الواسعة في مقاومة الظلم، والدافع النفسي الكافي، لإشعال الثورة من جديد، ولكن بقواعد جديدة كما فرض قواعده في يناير 2011.

أكتب مقالي هذا لكل من ينتمي إلى هذا الجيل، حان الوقت لأن نتقدم بقدرتنا على العمل المشترك التي فشل فيها النخب، وما نمتلكه من خيال عجز عنه الساسة، وعزيمتنا التي لم تنكسر تحت مجنزرات العسكر، إن كنت تنتمي إلى جيل يناير، وترى أن الأمل معقود على هذا الجيل، فلنبدأ التداعي والتنادي، ولنقدم ما لدينا من جديد، وليخرج من بين أبناء هذا الجيل من يقود صراع المفروض على هذا الجيل.

* نقلاً عن مدونات الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق