تاريخياً.. كيف انتهت ديكتاتوريات عسكرية ذاتياً؟

تكمن مقومات إنهاء الديكتاتورية العسكرية في إزالة أسباب قيامها.. وذلك ليس بالمهمة السهلة.

يقول الدكتور “إبراهيم نوار” الخبير السياسي، إن صعود قيادة من المؤسسة العسكرية إلى قمة الحكم، يعني على الفور بدء تشغيل آليات نقل تبعية السلطة المدنية إلى سلطة قيادة الديكتاتورية (التي قد تكون فرداً مثل بينوشيت، وقد تكون مجموعة أو جونتا كما في حال البرازيل)، ومن ثم فإن النظام السياسي ينقلب رأسا على عقب.

ومع استمرار عمل آليات الديكتاتورية العسكرية، تقل فاعلية مؤسسات “المجتمع المدني”، مثل الأحزاب والنقابات والاتحادات المهنية والجمعيات الأهلية والنوادي؛ وتتحول هذه إلى مجرد زوائد سياسية للديكتاتورية العسكرية، أو تتعرض للتصفية.

في الديكتـاتورية العسكرية اذن، تصبح السلطة العسكرية هي مصدر السيادة، ومركز الثقل في العلاقات المدنية العسكرية.

وأردف: ذلك الموقع لا يستمر إلا مع تبعية جهاز الدولة نفسه لسلطة الديكتـاتورية العسكرية، وهذا الجهاز يتعرض لتغيرات سريعة (من حيث الصلاحيات ومن حيث القيادة) لضمان تبعية جهاز الدولة لمؤسسة الديكتـاتورية العسكرية وليس للمجتمع.

ومن ثم فإن جهاز الدولة، في ظل الديكتاتورية العسكرية، يكف عن أن يكون مرآة تعكس التوازنات الطبقية والاجتماعية بشكل عام، ويتحول عمليا، عبر سلسلة من التشريعات والتغيرات الإدارية، إلى زائدة إدارية تتولى تسيير أعمال سلطة الديكتـاتورية العسكرية.

وهذا يضعف جهاز الدولة نفسه، ومن ثم تتحول سلطة الديكتـاتورية العسكرية إلى آليات “الإدارة بالأوامر” والتوسع في استخدام “الإدارة الأمنية”.

وينتهي الأمر في أغلب الأحوال إلى النظر إلى أي مشكلة إدارية على اعتبار إنها “مشكلة أمنية”، بل ربما هي “قضية أمن قومي”.

وأكد أنه مع اختلال العلاقات المدنية العسكرية ، واختلال العلاقات بين المؤسسة العسكرية وبقية مؤسسات الدولة، تزيد قوة تحول سلطة الديكتـاتورية العسكرية إلى مجرد جماعة لها مصالح خاصة تسعى دائما إلى تكريس مصالحها وحدها على حساب الجميع باعتبارها الفائز الذي يعمل بمبدأ المكسب الدائم لطرف واحد.

وأضاف: هنا تصل الديكتـاتورية العسكرية إلى مفترق طرق مصيري، ويصبح أمامها خياران:تاريخياً.. كيف انتهت ديكتاتوريات عسكرية ذاتياً؟ ديكتاتوري

إما التحول طوعا من الديكتـاتورية إلى الديمقراطية، وإما مواجهة حقبة مريرة من الصراع (قد تطول أو تقصر) مع المجتمع بشكل عام (بما في ذلك بقية مؤسسات الدولة، ومؤسسات المجتمع المدني، والرأي العام).

ويزيد من ألم هذا الصراع أن تكلفته الاقتصادية تزيد يوما بعد يوم، حتى تصل الديكتاتورية العسكرية نفسها إلى نقطة الانهيار، لعجزها عن توفير الموارد التي تعينها على المقاومة (سواء تحصيل الضرائب، أو السيطرة على عائد الموارد الطبيعية، أو حتى الاقتراض من الخارج).

وتابع: التحول من الديكتاتورية العسكرية إلى الديمقراطية ، يمكن أن يتم من داخل النظام الديكتاتوري نفسه، مثل الجنرال فرانكو في إسبانيا الذي بادر قبل موته بالإعداد للانتقال من الديكتاتورية العسكرية التي استمرت نحو 4 عقود من الزمان، إلى النظام الملكي الدستوري، والجنرال “بينوشيت” في “تشيلي” الذي بادر إلى إعادة النظام الديمقراطي في تشيلي، وأشرف بنفسه على إعداد دستور جديد للبلاد، وقبل بنتيحة الاستفتاء التي حرمته من رغبته في استمرار حكمه.

ثم قبل أن يترك الحكم قبل بإجراء تعديلات دستورية، تضمن خلق أرضية مستوية للمنافسة السياسية لكل القوى بما في ذلك “حزب العمال” و”الحزب الشيوعي“، وقيادة الانقلاب العسكري في “البرتغال” في العام 1974 التي تولت تنفيذ جدول زمني لنقل البلاد من الديكتاتورية المدنية إلى الحكم الديمقراطي.

وقال الخبير السياسي: إذا لم تنتقل السلطة سلميا وبهدوء، من داخل النظام الديكتاتوري العسكري إلى نظام مدني ديمقراطي، فإن مخاطر الاضطرابات تزيد، وترتفع تكلفتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وينتهي الأمر عادة بسقوط الديكتاتورية العسكرية والانتقال إلى نظام جديد، قد يكون شكلا آخر من أشكال الديكتاتورية، وقد يكون نظاماً ديمقراطياً.

الأمر في الحالتين يتوقف على قوة مؤسسات المجتمع، وعلى قوة الروح المجتمعية، وعلى طبيعة القيادة ووضوح الهدف.

ويعني وضوح الهدف هنا، ليس مجرد الإتفاق على إسقاط الديكتاتورية العسكرية، وإعادة بناء العلاقات المدنية – العسكرية على أساس صحي سليم، ولكن الأهم هو الإتفاق على طبيعة العلاقات بين الدولة والمجتمع، وأهمية فتح كل أبواب نمو وازدهار المجتمع المدني سياسياً واقتصادياً وثقافياً، ففي قوة “المجتمع المدني” تتجسد قوة المجتمع ككل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق