تاريخياً.. ماذا خلف ديكتاتوريات “العسكر” من تشويه للعالم؟

بشكل عام لا تقوى أي ديكتاتورية عسكرية على الاستمرار في الحكم بدون ظهير سياسي، وبخاصة أن الإدارة المالية لتلك النظم تتميز بارتفاع مستوى الضرائب والإنفاق، وذلك لتمويل المصالح الخاصة للمؤسسة العسكرية (الأرجنتين)، ولتقديم خدمات اجتماعية للفئات الاجتماعية المهمشة (تشيلي) ، التي تتحول بمرور الوقت إلى ظهير شعبي للديكتاتورية العسكرية.

يقول الدكتور “أحمد فهمي“، الباحث بمركز “دراسات الشرق الأوسط“، إنه من شروط بقاء واستمرار الديكتاتورية العسكرية، وجود ظهير سياسي يتولى نيابة عن المؤسسة العسكرية، ترويض بقية مؤسسات الدولة، والأهم من ذلك هو ممارسة مسؤولية ترويض المجتمع.

ذلك أن ضمان السيادة المطلقة للمؤسسة العسكرية على كافة مؤسسات الدولة والمجتمع، يمثل الشرط الجوهري لبقاء واستمرار الديكتاتورية العسكرية.

ولذلك فإن قيادة أي انقلاب عسكري، تضع نصب عينيها منذ اليوم الأول للانقلاب الذي يأتي بها إلى الحكم، اختيار ظهيرها السياسي، أو صنع هذا الظهير، بعد تجريف الأرض السياسية تماما، من كل القوى الموجودة فيها، ثم إعادة تشكيل ما يصلح منها لأن يكون ظهيرا لها.

ونوه إلى أن تجربة “تشيلي” انطوت على مفارقة مدهشة في هذا السياق.

فعندما تأزمت أمور إدارة الدولة خلال فترة حكم “سلفادور الليندي” (الرئيس المنتخب ديمقراطياً)، فإنه استدعى قيادات الأسلحة والمفوض العام للبوليس للانضمام إليه، لغرض فرض الأمن والنظام.

وهذه كانت خطيئة سياسية كبرى، لأن هذه القيادات لم تكن لها مصلحة في الإبقاء على النظام الديمقراطي وإنما العكس تماماً.

وعندما تمكنوا بعد الانقلاب على “الليندي”، فإنهم اختاروا من قيادات اليمين المحافظ المعادي للديمقراطية ظهيرهم السياسي.

وهذا يعني أن قيادة المؤسسة العسكرية عندما تقوم بانقلاب وتؤسس نظاماً ديكتاتورياً، فإن ظهيرها السياسي الذي تختاره أو تصنعه، يكون بالضرورة معاديا للديمقراطية.تاريخياً.. ماذا خلف ديكتاتوريات العسكر من تشويه للعالم؟ ديكتاتور

وأضاف: تعددت الديكتاتوريات العسكرية وتنوعت خلال فترة الحرب الباردة؛ فبسبب الاستقطابات السياسية الحادة خلال تلك الحرب، وجد العسكريون لأنفسهم أهمية كبيرة في حسم الانحياز إلى أحد الطرفين، “الولايات المتحدة” أو “الاتحاد السوفيتي”.

وتعتبر فترة الحرب الباردة أكثر الفترات خصوبة لنشوء واستمرار الديكتاتوريات العسكرية في العصر الحديث.

وأردف: في العادة كانت قيادات “الديكتاتوريات العسكرية” تترقب المكافآت السخية، التي يمكن أن تحصل عليها من الإنحياز إلى أحد طرفي الحرب.

وقد تكون المكافأة في صورة صفقة سلاح ضخمة يسيل لها لعاب الديكتاتور وحاشيته، وقد تكون عمولات مالية ضخمة بسبب عقود أعمال لم يتعود عليها العسكريون، حدث ذلك في “إفريقيا” و”آسيا” و”أمريكا اللاتينية”.

وعلى الرغم من أن معظم الانقلابات العسكرية التي تحولت فيما بعد إلى ديكتاتوريات، كانت تغلف سياساتها بشعارات أيديولوجية (شعبوية ، قومية ويساري) فإن مضمون حكم الديكتاتوريات العسكرية كان (مع استثناءات محدودة جداً) هو تكريس وتوسيع نطاق المصالح الخاصة للمؤسسة العسكرية، التي تستخدم السلطة السياسية وسيلة لتحقيقها.

وأكد الخبير أنه من الناحية التاريخية فإن نظم الديكتاتوريات العسكرية كانت وستظل مجرد نتوءات مشوهة من نتوءات أو زوائد التاريخ، لا قيمة لها في المحصلة النهائية، بل إن كشف حسابها النهائي من حيث المكسب والخسارة يصب في خانة الخسارة الصافية.

الديكتاتوريات العسكرية في نهاية الأمر، إكتسبت ملامح محددة وهي:

لم تغير وجه التاريخ، لكن بعضها ربما نجح في تعطيل مساره لعدة سنوات، ثم عادت بعدها حركة التاريخ إلى مسارها الطبيعي، فسقطت الديكتاتوريات. في تجارب أمريكا اللاتينية على الأقل، تبرهن تجارب الديكتاتوريات العسكرية، إنها كانت ضد التاريخ، لكن التاريخ هزمها شر هزيمة.

وفي حالات كثيرة، إرتبط قيام ديكتـاتوريات عسكرية خلال فترة الحرب الباردة بعوامل خارجية، وإن كانت العوامل الداخلية قد مهدت لحدوث ذلك، خصوصا مع صعود اليسار، الذي كان يزداد نفوذه، كلما زادت ملامح الحرمان الإقتصادي والاجتماعي بين أغلبية المواطنين.

زيادة حدة الفقر والتفاوت تعزز هي الأخرى فرص قيام ديكتـاتوريات عسكرية.

وفي معظم الحالات صورت الديكتاتوريات العسكرية نفسها على أنها “المخلص القومي” أو “المنقذ الذي لا غنى عنه”، لكنها في التجارب العملية كانت تعبيرا عن المصالح الخاصة لأصحابها على حساب المجتمع ككل.

وأضاف: أخطر ما في الأمر، هو أن الديكتـاتورية العسكرية تترك وراءها بعد سقوطها مجتمعا مشوها، تزيد حدة تشوهاته كلما طالت الديكتاتورية.

وهذا يحتاج إلى مجهود ضخم وثقيل في إعادة البناء، وخلق أرضية صحية للمنافسة السياسية، وللإستثمار والعمل في الاقتصاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق