من السويس إلى بريفينت.. الدعاية البريطانية حول “الشرق الأوسط” مضللة

على مدى عقود لم تكف “بريطانيا” عن استخدام التضليل وسيلة للتأثير على الجمهور المسلم.

بعد تفجيرات “لندن” في عام 2005، كتب “بوريس جونسون” في مجلة “ذي سبيكتاتور” يقول إن من الطبيعي أن يخشى الناس من الإسلام.

وقال جونسون: “بحكم ما في كتابه المقدس – ناهيك عما يتلى في المساجد من مواعظ – فإنه أكثر الأديان طائفية على الإطلاق من حيث قسوته على غير المؤمنين به”.

وبعد تفجيرات مانشستر في عام 2017، حثت رئيسة الوزراء آنذاك تيريزا ماي الزعماء المجتمعين في قمة G7 المنعقدة في صقلية ببذل المزيد من الجهد لمحاربة التطرف في الإنترنت، فقد انتقل القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية من ساحة المعركة إلى الإنترنت.

وكما كتب “مارك كيرتيس” في كتابه الرائع: “شؤون سرية، تواطؤ بريطانيا مع الإسلام الراديكالي“، إن لبريطانيا تاريخ طويل من دعم وتدريب الجماعات الإسلامية الراديكالية من أفغانستان والباكستان إلى كوسوفو وليبيا.

ولكن إذ نتعامل تحديداً مع إنتاج النصوص الإسلامية الراديكالية، والتي يظن القائمون على مشروع بريفينت وكذلك رؤساء الوزراء المتعاقبون أنها تشكل خطراً كبيراً على جامعاتنا، فليس مفاجئاً أن نعلم أن أحد أهم مصادر التحريض في العالم الإسلامي كانت بالفعل الحكومة البريطانية نفسها.

كانت دائرة البحث المعلوماتي “IRD” التابعة لوزارة الخارجية البريطانية، والتي أريد لاسمها أن يضفي عليها نوعاً من البراءة، تقوم بالتقليب في الخطب، حيث كشفت وثائق رسمية تم رفع الحظر عن تداولها مؤخراً بأن هذه الدائرة هي التي تقف وراء سلسلة من الخطب التي أعيد إنتاجها وتوزيعها في مختلف أرجاء العالم الناطق باللغة العربية.

كما رتبت الوحدة لنشر مقالات في مجلات تصدر عن جامعة الأزهر في القاهرة “لضمان أن كل طالب ينهي دراسته الجامعية يغادر الجامعة وقد أصبح خصماً حازماً للشيوعية”.

لماذا “جامعة الأزهر”؟

 لأنه، وكما تقول الوثائق التي رفع الحظر عن تداولها، “سيخرج من بينهم أئمة يخطبون الجمعة في كل واحد من المساجد المصرية ومعلمون يدرسون اللغة العربية في المدارس الثانوية وكذلك جميع المعلمين في مدارس القرى والمحامون المختصون في القانون الإسلامي”.

أخبار كاذبة

 إلى جانب “رويترز” و”البي بي سي” الطيعتين، كانت لدى دائرة “IRD” وكالتها الإخبارية الخاصة بها، واسمها وكالة الأنباء العربية “ANA“، والتي كانت واحدة من عدة منظمات إعلامية أسستها المخابرات البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية.

ولكن لم تقنع بذلك وحده فاقتحمت عالم الأدب ونشرت روايات رومانسية وبوليسية سربت ضمن نصوصها رسائل تلقائية مناهضة للشيوعية.

وقعت بالصدفة على وحدة الدعاية بالغة السرية هذه، وهي وحدة تابعة لجهاز المخابرات البريطانية “MI6”.

حيث كنت أجري لقاء مع فلسطيني أرعن في “عمان” حول تعامله مع “إسرائيل” وخاصة فيما يتعلق بالقدس.

حينما كان “عدنان أبو عودة” يشغل منصب “وزير الإعلام” في عهد “الملك حسين” كان يثار حوله قدر غير قليل من الجدل، أما اليوم فهو يحظى باحترام كبير.

بدأ “عدنان أبو عودة” حياته ضابطاً في سلك “المخابرات الأردنية”، وارتقى سلم المناصب فيه حتى استرعى انتباه “الملك حسين” الذي ما لبثت أن نشأت بينهما علاقة شخصية حميمة.

يقول “أبو عودة”: “كان دوماً ينظر إلي بوصفي ذلك الشاب العامل في جهاز المخابرات وصاحب الذهنية الجيدة.

كان دائماً يتحدث معي بهذا الأسلوب، كان متعوداً على إحضاري كوزير للإعلام ليعرض علي قضايا ما كان ليناقشها سواه ورئيس الوزراء.

لم يكن من عادة الملك أن يدعو وزير الإعلام لكي يأتي ويتحدث معه إلا في حالتي، وذلك لأنني كنت جريئاً بما يكفي لأن أقول له الحقيقة”.ديفيد هيرست يكتب: من السويس إلى بريفينت.. الدعاية البريطانية حول "الشرق الأوسط" مضللة

أصبح وزيراً للإعلام قبل اشتباكات “أيلول الأسود” المشؤومة في عام 1970 عندما قامت الطائرات الأردنية – وكذلك الطائرات الإسرائيلية – بقصف مخيمات “منظمة التحرير” الفلسطينية بزعامة “ياسر عرفات” في “الأردن“، مما أجبر الفدائيين على الخروج من المدن، واللجوء إلى الأحراش التي حوصروا فيها ثم ألجئوا إلى الاستسلام.

بعد ذلك أخرجوا من البلد وتوجهوا إلى “لبنان” في حماية “السوريين”، عندما قابلته في عام 2018 كان “أبو عودة” ما يزال يشير إلى تلك الأحداث على أنها “أيلول الأبيض”.

قبل أن يعينه وزيراً في حكومته، أراد “الملك حسين” لضابط مخابراته الشاب ذي الذهنية الجيدة أن يتلقى تدريباً في التضليل على أيدي أصحاب الخبرة.

وهكذا وجد “أبو عودة” نفسه يتلقى دورة لمدة أسبوع كامل داخل دائرة “IRD”، شعر بادئ ذي بدء بحالة من الضيق.

“وما شأني وذلك؟ أنا ضابط مخابرات.. لم أكن أعلم، ولكن فيما بعد، بعد عام، دعاني مدير المخابرات إلى مكتبه وقال لي إن صاحب الجلالة يريدك أن تذهب إلى دورة تدريبية حول الحرب النفسية في كلية سالزبري الحربية، فذهبت.

كان ذلك في مايو / أيار 1970، فقط قبل أربعة شهور (من أيلول الأسود)،كان الملك يرغب في إعدادي لكي أصبح وزيراً للإعلام، ولكن بناء على نصيحة من MI6″.

ما الذي تعلمه؟

وصف “أبو عودة” عملية تسريب الأخبار الكاذبة ضمن الأخبار الحقيقية وجعلها تبدو ذات مصداقية.

“كانت دائرة IRD مقسمة إلى مكاتب مختصة بروسيا وبلغاريا ورومانيا وليثوانيا، وكان كل مكتب ملماً بلغة البلد المكلف بها. تأتي المعلومات الصادرة عن وسائل الإعلام الوطنية والمحلية في كل بلد، وقد تم تخيرها من قبل سفاراتهم، إلى المكتب المعني، ويقوم الموظف المكلف بالمكتب بقراءتها. وهذا له عقل، وعليه أن يفكر، أعني بأنه ليس رجلاً عادياً. عليه أن يستخدم هذه المعلومات لإعادة كتابتها أو إعادة إنتاجها وإرسالها إلى الخارج، إما عبر البي بي سي أو عبر الصحفيين، دون أن يجعل القراء يظنون أنها تمت إعادة إنتاجها. كانت تلك طريقة في غاية الذكاء، وتلك كانت الدورة التدريبية التي تلقيتها، أي أن أصبح أكثر ذكاءً.”

من “السويس” إلى “العراق”

جل ذلك الجهد كان موجهاً ضد الاتحاد السوفياتي، وكان ذلك هو المنشور الذي من خلاله كانوا يرون الشرق الأوسط، ولذلك فقد كانت قراءتهم له مشوهة، تماماً كما هو حال تلك الحملات المناهضة للإسلام التي يشنها المحافظون الجدد.

في “مارس / أذار” من عام 1956، أصدرت وزارة الخارجية البريطانية تعليماتها لدائرة IRD بتحويل اهتمامها بعيداً عن الشيوعية باتجاه مصر بقيادة “جمال عبد الناصر”.

كان “ناصر” منهمكاً في عمليات الدعاية ضد البريطانيين منذ سنين، وبشكل خاص من خلال إذاعة صوت العرب التي استخدمها لتعليم العرب القدرات الكامنة في القومية العربية لكسر الاحتكار الذي تمارسه القوى الامبريالية، صاغ ناصر في البداية مصطلح “الشارع العربي”.

رأت دائرة “IRD” في “جمال عبد الناصر” شيوعياً محتملاً أكثر مما رأت فيه قومياً عربياً، ورجلاً تفوق عليهم في لعبة العلاقات العامة التي كانوا أصحابها.

ولذلك ورد في ورقة كتبت للدائرة في “القاهرة” في عام 1950: “بلغت الأوضاع في “مصر” حالة تجعلها أرضية مهيأة لانتشار الشيوعية”.

قلبت أزمة “السويس” كيان رئيس الوزراء “أنطوني إيدن“، الذي كان يوماً ما مفخرة حزب “المحافظين”، إذ كان أصغر وزير خارجية في التاريخ السياسي لبريطانيا وكان يتحدث العربية بطلاقة، لا هو ولا “بريطانيا” تعافيا أبداً من تلك الأزمة.

وكما كتب “فيفيان كينروس” في كتابه “محاربو المعلومات: معركة القلوب والعقول في الشرق الأوسط” الذي سينشر الأسبوع المقبل: “يصعب التملص تماماً من التماثل بهذا الشأن بين رئاسة إيدن للحكومة ومنطق بلير المعطوب وتلاعبه بوسائل الإعلام قبل غزو العراق بعد أربعين عاماً، الأمر الذي افتضح بشكل كامل من خلال تقرير تشيلكوت، من خلال دوره في تصميم حروب بريطانيا الإعلامية حول السويس يمكن القول بحق إن إيدن صمم بيتاً بلا سلالم”.

لم تعد دائرة IRD”” قائمة، إلا أن وسائلها مازالت مستمرة، بما في ذلك التبجح بأن بالإمكان تشكيل الرأي العام في أقاصي الأرض كما لو كان الناس فيها نوعاً من الشمع الطري.

نفس الأغنية القديمة

تبدلت المنصات ولكن الأساليب واللاعبين الإقليميين بقوا كما هم. فقد أنشئ مركز الاشتباك الكوني التابع لوزارة الخارجية الأمريكية (GEC) في عام 2016 من أجل “مواجهة الدعاية والتضليل الذي تمارسه المنظمات الإرهابية العالمية والبلدان الأجنبية”.

في شهر “يوليو / تموز” من عام 2016 تحدث “ريتشارد ستينجيل“، وكيل وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الدبلوماسية العامة والشؤون العامة أمام جلسة استماع للجنة الشؤون الخارجية قائلاً إن مركز الاشتباك الكوني يعمل مع “جامعة الأزهر”
في القاهرة “سعياً للمساعدة في إيصال رسالة مفادها أن “تنظيم الدولة الإسلامية” مناهض للإسلام، وأنه يمثل انحرافاً عن الإسلام وتشويهاً له، وذلك من خلال منصات ليس من عادتهم استخدامها”.

وتسليطاً لمزيد من الضوء على عمل المركز مع علماء الدين في المنطقة، قال ستينجيل:

“بإمكاننا المساعدة في منحهم قدرات أكبر، والمساعدة في تعميم الرسائل. ولقد تحدثت مع أشخاص من مختلف الجامعات الإسلامية وقلت لهم هكذا يمكنكم اختصار فتوى من ثمانية وستين صفحة والتعبير عنها من خلال تغريدات ثلاث، فهذا أكثر نجاعة”.

إذا أردت أن تغير الشرق الأوسط فعليك أن تفهمه، وهذا هو ما فشلت “بريطانيا” باستمرار في تحقيقه منذ أزمة “السويس” وحتى يومنا هذا.

إن النفس المعادي للإسلام داخل الحكومة البريطانية الحالية، سواء في الداخل أو الخارج، واستعداد “بريطانيا” لرعاية وتدريب المستبدين الذين تفوق قدرتهم على تغذية التطرف الديني قدرتهم على تقليصه بمراحل، ولا مبالاة بريطانيا بالشارع العربي – كل ذلك يتضافر معاً لتعميق الأزمة.

لم تتعلم “بريطانيا” شيئاً من الكوارث التي تسببت بها في “الشرق الأوسط”.

ولذلك فإن من حق موجات جديدة من اللاجئين الخارجين من “سوريا” التوجه نحو “بريطانيا” و”أوروبا” لأن البريطانيين والأوروبيين شركاء في تحمل المسؤولية عن الكوارث التي كانوا سبباً فيها.

  • نقلاً عن موقع عربي 21 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق