بذكرى انطلاق إذاعة القرآن الكريم.. هكذا استخدمها الرؤساء ووظفها السيسي

بالأبيض والأسود.. إذاعة القرآن الكريم وتاريخ من خدمة الإسلام

في السادسة من صباح الأربعاء 25 مارس لسنة 1964م الموافق 11 ذي القعدة لسنة 1383هـ بدأ إرسال “إذاعة القرآن الكريم”، وحسبما ذكر الموقع الرسمي لإذاعة القرآن الكريم أن مدة الإرسال آنذاك كان قدرها 14 ساعة يومياً من السادسة حتى الحادية عشرة صباحاً، ومن الثانية حتى الحادية عشرة مساء، وذلك بعد موافقة الرئيس الراحل “جمال عبد الناصر”.

بدأ الإرسال بإذاعة القرآن الكريم بصوت الشيخ “محمود خليل الحصري” مرتلاً بقراءة “حفص عن عاصم”، ليكون أول صوت يقدّم القرآن كاملاً بتسلسل السور والآيات كما أنزلها أمين الوحي “جبريل” عليه السلام على قلب سيد المرسلين سيدنا “محمد” صلي الله عليه وسلم.

بداية الانطلاق

وترجع أسباب إطلاق إذاعة القرآن الكريم إلى حملة من وزارة الأوقاف والشؤون الاجتماعية، والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، والأزهر الشريف – آنذاك -، للرد على انتشار نسخ محرفة للقرآن في بعض البلاد، عبر إصدار تسجيل صوتي للمصحف المرتل برواية “حفص عن عاصم” بصوت القارئ الشيخ “محمود خليل الحصري”.

ثم تطوّر الأمر إلى تخصيص موجة قصيرة، وأخرى متوسطة لإذاعة المصحف المرتل، ويُعدّ ذلك أفضل وسيلة لحماية المصحف الشريف من الاعتداء عليه، ومن هنا تأسّست إذاعة القرآن الكريم.

وبعد عامين في سنة 1966 أُضيف إليها برامج دينية بنسبة 5% من نسبة الإرسال، وكان صاحب هذه الفكرة الشاعر “محمود حسن إسماعيل”.

وفي عام 1967 قُدّم القرآن “المجوّد” بجانب “المرتّل” بأصوات مشاهير القراء، وصار لها جمهورها الضخم في العالم العربي والإسلامي، ومن ثَمَّ زادت مدة الإرسال إلى 19 ساعة يوميًا.

إذاعة القرآن مرتلًا

بدأت المحطة الإذاعية مع مرور الوقت بإذاعة القرآن مرتلًا بصوت 5 من كبار القرّاء على فترتين لمدة 14 ساعة يوميًا، وبمرور الوقت تطوّرت حتى أصبحت من أبرز الإذاعات التي تقدّم برامج ذات مضامين تتعلّق بشئون تفسير القرآن وتلاوته بمختلف الطرق، والتشريع، وكذلك عدد من الفتاوى لجمهور المستمعين.

ومع توالي السنوات، استمرت إذاعة القرآن الكريم في العطاء، ولم تنقطع كلمات الله عن تلك الإذاعة، ولا تزال مقصدًا للأمة الإسلامية إلى يومنا هذا.

أبرز البرامج الشهيرة

“بريد الإسلام”بذكرى انطلاق إذاعة القرآن الكريم.. هكذا استخدمها الرؤساء ووظفها السيسي إذاعة القرآن

من أوائل البرامج التي تناولت فتاوى نقلها الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتم إذاعته 3 مرات على مدار اليوم.

“في ظلال الهدي النبوي”

يقدّمه الدكتور “عبد الصمد دسوقي” رئيس إذاعة القرآن الكريم الأسبق، و”خالد الشافعي” بشكل يومي.

“براعم الإيمان”

عندما تدقّ عقارب الساعة الثانية عشرة ظهراً، تطلّ الدكتورة “هاجر سعد الدين“، ببرنامجها الشهير الذي تعده وتقدمه.

“خواطر الإمام”

ظلّ الشيخ “محمد متولي الشعراوي” من أبرز المشايخ الذين فسروا العديد من الآيات القرآنية، وتم الاستعانة بخواطره في حلقات البرنامج.

“دقيقة فقهية”

ويقدّمه “حسن سليمان” رئيس شبكة القرآن الكريم، عدة مرات على مدار اليوم، تقريباُ كل ساعتين، ويستضيف خلاله الدكتور “مجدي عاشور” مستشار فضيلة مفتي الجمهورية، ليناقش بعض القضايا الفقهية المطروحة.

“قطوف من حدائق الإيمان”

تقديم الثلاثي “شحاتة العرابي“، و”فوزي عبد المقصود“، و”السيد صالح“، ويذاع في تمام الساعة الثانية عشرة منتصف الليل.

“مع القرآن الكريم”

من أفضل البرامج التي يفضلها المستمعون، حيث يأخذهم في رحلة حول كيفية العيش في نور القرآن الكريم وتفسير آياته، ويذاع يومياً بعد العصر.

إذاعة القرآن الكريم والرؤساء

وعلى الرغم من أن الرئيس الراحل “جمال عبد الناصر” هو مَن أنشأها، فإنه لم يلقِ حديثاً واحداً بها، ولم تكن يوماً وسيلته للدعاية السياسية، أما الرئيس الراحل “محمد أنور السادات” فهو أول مَن خَطَا إلى إذاعة القرآن الكريم، ليوجه كلمة للشعب المصري عبر أثيرها.

ففي 31 مايو عام 1976، وقف “السادات” في إذاعة القرآن الكريم مخاطباً الشعب قائلًا: “كان المسلم في الماضي لا يملك إلا منبراً يقف عليه وفي يده سيف خشبي، وكل أدواته صوت جهير يصل إلى بضع مئات من المصلين أو المستمعين، على أكثر تقدير، ولكنه اليوم يستطيع أن يتكلم من الميكروفون فيصل صوته واضحاً جلياً إلى مائة مليون في وقت واحد، بل يستطيع أن يطلّ بصورته وشخصه في اللحظة نفسها، فيكون له حضور ومثول فعلي، وينقل القمر الصناعي هذا الحضور عبر القارات والمحيطات لعشرات الشعوب، وبالسرعة والكفاءة نفسها تستطيع أيضاً آلات الطباعة أن تواكب هذا الانتشار بالمطبوعات الفورية فتشرح الكلمة وترسخها وتثبتها في الأذهان، وعلى مساحة الملايين من دول وأمم مختلفة ومتباينة تتكلم بالعديد من اللغات”.

واضاف “السادات”: “كل هذا غير قدرة الفنان والداعي المسلم إلى أن يعبر بالرواية والمسرحية والقصة والفيلم عن مفاهيم كانت وسائلها الوحيدة كتباً صفراء تطبع وتنشر بطرق بطيئة وتحتاج في أغلب الحالات لشراح ومفسرين يشرحون طلاسمها وألغازها، أما اليوم فقد تغيّرت الدنيا، والمسلم الآن يضع يده على وسائل رهيبة للدعوة والتأثير، ولكن هذا المسلم ما زال حتى الآن دون مستوى المسئولية بالنسبة لهذه الوسائل الرهيبة، لقد تغيرت الدنيا ولم يتغير المسلم إلا قليلاً، فهو وراء عصره في التكنولوجيا والعلم بسبب استعمار طويل وخلافات وصراعات استهلكت معظم طاقاته”.

وفي عهد الرئيس الراحل “حسني مبارك” كانت إذاعة القرآن الكريم في منأى إلى حد كبير عن الصراعات السياسية، وعزف عنها “مبارك” ولم يلقِ خلالها أية خطبة أو حديث.

أما عن الرئيس الراحل “محمد مرسي“، فإنه لم يلقِ حديثاً واحداً بها، ولم تكن يوماً وسيلته للدعاية السياسية، ولكن استضافت الإذاعة وقتها وزراء حكومة “هشام قنديل“، فتارة يحلّ “د. باسم عودة” وزير التموين ضيفاً عليها، وتارة “أسامة ياسين” وزير الشباب، وتارة أخرى تستضيف وزير التربية والتعليم، كما حلّ أيضاً “صلاح عبد المقصود” وزير الإعلام وقتها ضيفاً عليها.

وفي عيدها الـ 51 اعتلى قائد الانقلاب العسكري “عبد الفتاح السيسي” منبرها، ليجري أول حوار مع إذاعة القرآن الكريم، دعا فيه لثورة دينية لصالح الدين ومحاربة الأفكار المتطرفة والمشوهة التي تستهدف الدين، وقال: “أقسم بالله إن الإسلام لن يعز بسفك الدماء، ولن يعز بالمفسدين في الأرض”.

بالألوان.. إذاعة “القرآن الكريم” في خدمة الانقلاب

منذ انقلاب يوليو 2013 في مصر بدأت إذاعة القرآن الكريم تلعب دوراً سياسياً واضحاً، حيث روّجت آنذاك لفكرة حرمة الخروج على الحاكم، وحثّت المواطنين على عدم الانصياع لدعوات التظاهر، وجاء ذلك على لسان أحد مشايخ وزارة الأوقاف الذي قال: إن “الاحتجاجات تتسبّب في توقف عجلة الإنتاج وتعطيل مسيرة التنمية”، على حد زعمه.

ولعبت الانقلاب في دور إذاعة القرآن الكريم ورسالتها، وانضمّت بعض برامجها إلى حملة التأييد والتبرير لسياسات “عبد الفتاح السيسي“، الذي أجرت الإذاعة معه حواراً نادراً عام 2015 بمناسبة عيدها الواحد والخمسين، وهو ما أثار لغطاً كبيراً، ورآه البعض خلطاً واضحاً للسياسة بالدين.

وخلال الحوار، طالب “السيسي” بالتصدي لما وصفها بـ “دعوات الغلو والتطرف وكافة الدعاوى المغلوطة والأفكار الهدامة”، وهو خطاب دأب على ترديده بشكل أثار حفيظة وشكوك الكثيرين حول مقصده من تكرار تلك الدعوات، والتي تنسحب مقاصدها أحياناً بشكل واضح إلى الدين الإسلامي نفسه.

منع الأذان

وشهدت إذاعة القرآن الكريم فضيحة في عهد الانقلاب، حيث تجاهلت الإذاعة رفع أذان الظهر فى إحدى المرات؛ بسبب خطبة البابا “تواضروس الثاني“.

وكشفت الناشطة السياسية “غادة عبد السلام“، عبر منشور لها بموقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك” أن يوم الخميس 27/ 4/ 2017 كانت إذاعة القرآن الكريم تقوم بعرض كلمة الأنبا “بولا” نيابة عن البابا “تواضروس“، قبل الظهر بربع ساعة تقريباً، وظلّ يتحدث ولم يُرفَع أذان الظهر!، وأردفت ساخرةً: “وهي دي المسيحية الوسطية الجميلة”.

لم تكن واقعة تجاهل إذاعة القرآن الكريم للأذان هي الأولى في تغيير سياساتها بشكل واضح، فقد سبق وأن قطعت الإذاعة عصر 23/ 10/ 2016 الاتصال عن متصلة بعد سؤالها عن حكم الظلم الموجود حاليًا في أقسام الشرطة.

وتأتي الواقعة في إطار تحوّل إذاعة القرآن الكريم منذ وقوع الانقلاب العسكري، من التركيز على تعليم القرآن الكريم والاهتمام بالأمور الدينية إلى إذاعة سياسية في معظم برامجها، تمجّد قائد الانقلاب “عبد الفتاح السيسي” وتدعو له وتهاجم بل وتشيطن المعارضين له.

إيقاف البث

كانت مصادر باتحاد الإذاعة والتليفزيون، قد كشفت أن النية تتجه داخل حكومة الانقلاب لإيقاف بث إذاعة القرآن الكريم بشكل تدريجي، يبدأ بإيقاف بثها على موجة “إف أم”، والاكتفاء ببثها على موجات الراديو العادية الأقل نقاءً وجودة والأقل تكلفة، رغم أنها مع التردد الحالي على الإف إم (FM 98.15)، تعاني من ضعف كبير في قوة البث.

وقالت المصادر: إنه تم تهديد المسئولين في “إذاعة القرآن الكريم” بضرورة الموافقة على إذاعة الإعلانات التجارية وإلا سوف يتم تخفيض تكاليف بث الإذاعة تدريجياً تمهيداً لغلقها.

اعتقالات ونقل مذيعين

وضمن حملة القمع للمعارضين التي شهدتها مصر، امتدت الاعتقالات السياسية لتمتد إلى بعض العاملين بإذاعة القرآن الكريم، حيث ألقى جهاز “الأمن الوطني” القبض على كبير مذيعيها “محمود خليل” في نوفمبر 2017.

وقالت مصادر باتحاد الإذاعة والتلفزيون: إن “اعتقال خليل جاء لانتمائه لجماعة الإخوان المحظورة”. بعدها قرّر رئيس قطاع الإذاعة فصله بدعوى تغيبه عن العمل 10 أيام دون الحصول على إفادة عن سبب غيابه.

قبل الاعتقال تم استبعاد “خليل” من تقديم برامج الهواء والمسجلة أيضاً، كما تم حصر نشاطه في كتابة مواد تحريرية تتم مراجعتها بعناية شديدة من خلال رؤسائه بدعوى تبنّيه أيديولوجية سياسية معارضة.

وكان “خليل” يشغل منصب المدير العام لبرامج علوم القرآن وكبير مذيعي الشبكة، لكن السلطة لم تغفر له -على ما يبدو – أنه تولّى رئاسة لجنة الثقافة بحزب “الحرية والعدالة” الذراع السياسية لجماعة “الإخوان المسلمين“، وهو الحزب الرسمي وقتها والذي فاز بالأغلبية في أول انتخابات جرت بعد ثورة 25 يناير 2011، كما وصل بالدكتور “محمد مرسي” إلى منصب الرئاسة، ليكون أول رئيس منتخب ديمقراطياً في “مصر“، قبل أن يُعزَل في انقلاب عسكري قاده “السيسي” يوم 3 يوليو 2013 عندما كان وزيراً للدفاع آنذاك.

وفي سبتمبر عام 2018، تم نقل 6 من مذيعي إذاعة “القرآن الكريم” إلى إذاعات أخرى ووقف برامجهم، وهم:

علاء محمد عرابي، وحمزة محمد سيد أحمد، وشحاتة علي العرابي، وإبراهيم أحمد أحمد خلف، وعبد الخالق عبد التواب، ووسام محمد البحيري“.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق