الإخوان ومقولة “الفرصة الضائعة”

طالعت باهتمام بالغ مقال الأستاذ عماد الدين حسين (رئيس تحرير جريدة الشروق المصرية) المنشور بالجريدة، يوم السبت 28 مارس/آذار، الماضي، تحت عنوان (الفرصة الذهبية التي ضيعها “الإخوان”!)، وقد أرسلت ردي هذا إليه، متمنياً أن يأخذ طريقه للنشر في نفس الجريدة، إعمالاً للقواعد المهنية المتعارف عليها.

وأود هنا، عرض ومناقشة ما جاء في مقاله من أفكار، بعد أن أشير في البداية إلى الرؤية -بشكل عام- للإطار الذي من المفترض الالتزام به مع جائحة كورونا من كل الأطراف.

أؤكد بداية أن “كورونا” تعد أزمة عالمية هائلة، تحتاج إلى تكاتف الجهود وتكامل الأدوار، ولا يليق بنا كمصريين، ونحن أمة عظيمة أن نجعل منها منصة لتصفية حسابات سياسية، ولا لتنفيذ عقوبات جماعية، ولا لصناعة أمجاد شخصية، ولا لإدارة مناكفات حزبية، ويجب أن يكون الإنسان والقيم والعلم هم المداخل الثلاثة الصحيحة للتعاطي مع هذه الأزمة.

وفي ذلك السياق، فإن مواجهة كورونا هي الأولوية المطلقة للعمل الوطني في الوقت الحالي، وأؤكد على أن تأجيل الكثير من القضايا والصراعات لحين النجاح في مقاومة هذا الوباء أمر حتمي.

وبعد عرض القاعدة والأساس الحاكم لرؤية التعامل مع تلك الجائحة، أرجو أن تسمحوا لي بتناول عدة أمور وردت بمقالكم المذكور، وذلك على النحو التالي:

أولاً: أقدر اعترافكم الضمني بأن للإخوان دوراً لا يمكن نكرانه في خدمة المجتمع المصري، وهو ما يشهد به تاريخهم، خصوصاً في أوقات الأزمات والأوبئة..

وغني عن البيان ما يعرفه الشعب المصري عن ما قام به الإخوان المسلمون لخدمة مجتمعهم في الجوانب الصحية والتعليمية والخدمية والخيرية عبر عقود طويلة وفي كافة الظروف السياسية والأمنية.

ثانياً: تحدثتم عن أن الجماعة “ضيعت فرصة ذهبية، كان يمكن أن تساهم في ترميم صورتها المنهارة أمام الرأي العام المصري والعربي، والإسلامي”، ولي أن أستغرب هذا القول منكم كصحافي محترف، وكاتب متابع للأحداث جيداً.

فالتعبير بأن “صورتها منهارة” ليس عليه دليل، كما أنه غير مبني على قياسات علمية أو استطلاعات محايدة للرأي العام، خاصة أن هناك عدة مؤسسات دولية بحثية قد أعلنت، خلال الأعوام القليلة الماضية، عن قياسات علمية للرأي العام في مصر، وكان ما أعلنته خلافا لما ذكرتموه.

وكما هو معروف للكافة، أن نظام “مبارك” قد حاول وصم “الإخوان” بنفس الوصمة، حينما أعلنها “جماعة محظورة“، ولكن الشعب المصري حين جاءته الفرصة للتعبير عن رأيه بحرية كاملة في صناديق الاقتراع، قد ارتأى -كما تابع العالم كله- خلاف ذلك، وللأسف لم يمكَّن الشعب المصري مرة أخرى حتى يومنا هذا من ممارسة ذلك الحق مجدداً وفقاً للمعايير الديمقراطية التي يتعارف عليها العالم، وإذ أشير إلى ذلك، فإن المؤكد أن “الإخوان” كفصيل وطني أصيل سيرتضي ويتقبل أي نتيجة لإفراز نظام سياسي مستقبلي يحكم “مصر” -حتى وإن لم يكن ممثلاً فيه- ما دام ذلك قد تم بآلية ديمقراطية صحيحة.

ثالثاً: برغم أنكم تعلمون ما يعلمه الجميع أن “الإخوان” وقياداتهم وضعوا في السجون، وقيدت حرياتهم وذهب من نجا منهم للمنافي، وأصبحوا في ظروف موضوعية ومادية غاية في الصعوبة، وهم مُعتدى عليهم ولا يمكنهم فعلياً عمل الكثير على أرض الواقع، تأتي وتطالبهم بالتطوع لمساعدة الدولة والمجتمع”! فهل توافرت الظروف والشروط الموضوعية لهذا العمل وقصّر الإخوان؟

أم أن لي أن اعتبر أن طلبكم أشبه بالطلبات التعجيزية، ويطابق قول الشاعر: “ألقاه في اليمّ مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء”؟!

ودعني أطرح عليك سؤالاً افتراضياً:

هل إذا أعلن أفراد مجموعة من الإخوان خارج السجون عن رغبتهم في تقديم مبادرات لـ”دعم الوطن والمجتمع والشعب”، فهل يستطيع أحد أن يضمن لهم ألا يلحقوا بمن سبقوهم إلى السجون؟!الإخوان ومقولة "الفرصة الضائعة"

ورغم ذلك، نود أن يعلم الأستاذ “عماد” وجميع أبناء الشعب المصري الحبيب، أن جماعة “اﻹخوان المسلمين” قد قررت تشكيل لجنة متخصصة ومهنية (في الخارج) من رموز “اﻹخوان” من أساتذة الطب والاقتصاديين وعلماء الشريعة والإعلاميين وغيرهم ليقوموا بدورهم وواجبهم في إعداد محتوى علمي منهجي لتوعية الشعوب عامة والشعب المصري خاصة، ونشر تعليمات مهنية متعلقة بكيفية مواجهة جائحة “كورونا”، وسيتم الاجتهاد، بقدر الاستطاعة وبقدر ما هو متاح من أدوات، في أن تصل رسالة هذه اللجنة ومنتجها للشعب المصري كله، وإني واثق أن نشاط ورسائل هذه اللجنة لن تخطئها أي عين منصفة محبة لوطنها.

وعلاوة على ذلك، فإن موقف “الإخوان” الرسمي الواضح هو توجيه كل أعضائهم ومحبيهم في مصر للالتزام بتعليمات الدولة بشأن الإجراءات الوقائية من الفيروس وتوعية الآخرين بتنفيذها، فضلاً عن قيام أبناء الجماعة في مصر بكل جهد تطوعي ممكن للمساعدة في التغلب على الجائحة التي لا تفرق بين هذا وذاك، وهذا توجه واضح في بيان الجماعة بعنوان (رسالة مواساة من الإخوان المسلمين لكل المضارين من بني البشر بجائحة كورونا)، وبيان آخر بعنوان (بيان للناس حول الرسالة المفتراة على الجماعة) كل ذلك منشور على منصاتهم الرسمية في 21 و22 مارس، ويمكن الرجوع إليه.

وهنا لا يفوتني أيضاً أن أؤكد، عدم صحة ما ورد في مقالكم من زعم أن “الإخوان” طلبوا من أنصارهم النزول إلى الشوارع للتظاهر في ظل هذه الجائحة، وهو ما لم يأت عليه أحد بأي دليل يثبت هذه الدعوى.

أما القول إن “إعلام الإخوان ظل يلح على أن الحكومة المصرية لا تعلن أرقام المصابين الفعلية، من دون أن يقدموا هم ما يثبت صحة كلامهم، وبالتالي كان من حق الحكومة المصرية اتهام هذه الجماعة بأنها لعبت دوراً شريراً في تشويه صورة مصر لدرجة دفعت بعض البلدان لوقف استقبال المصريين وكذلك رحلات الطيران”..

وبغض النظر عن التعميم الذي يلجأ اليه البعض، في وصف أي إعلام معارض بأنه “إعلام الإخوان“، فإن الحقيقة المؤكدة هي أن عدم الشفافية في الإعلان عن تاريخ بداية ظهور الإصابات وعن الأعداد المصابة والإمكانيات المتاحة لمواجهة الوباء هو ما فتح المجال للتشكيك في ما صدر عن الحكومة بهذا الشأن من قبل عدد من الصحف ووسائل الإعلام الأجنبية والدولية التي تحدثت عن أرقام وإحصاءات مغايرة لما أعلنته الحكومة قبل أن يعلنه ما أطلقتم عليه “إعلام الإخوان“.

هذا ومن نافل القول أن نذكر بأنه من لوازم الموضوعية أن يعرف الجميع أن الغالبية العظمى من منصات الإعلام المعارض ليست تابعة للإخوان لا من حيث التمويل ولا الإدارة ولا التوجيه، ومن يتابع المحتوى المقدم والتوجهات لأغلب تلك المنصات فسيدرك استقلالها الكامل عن الإخوان بسهولة وبوضوح.

رابعاً: قلتم “سؤالي للجماعة وإعلامها: ما الذي سيدفع السلطات المصرية لإطلاق سراح سجناء الإخوان، في حين أن الشاغل الوحيد لإعلام الجماعة هو تشويه الدولة والحكومة والنظام ليل نهار بالحق وبالباطل؟!”.

ونقول: إن تلميح الأستاذ “عماد الدين حسين” لمطالبة النظام بالإفراج عن المزيد من السياسيين “طالما أن ذلك لا يمثل خطورة بغض النظر عن انتماءاتهم” شيء جيد نقدره له، ونرى أن اتخاذ خطوات في ذلك الاتجاه أسوة بالعديد من دول العالم هو ضرورة واجبة وعاجلة، نظراً لخطورة أوضاع المعتقلين فيما يتعلق بتلك الجائحة، ونرى أن تلك الخطوة -في حال اتخاذها- قد تفتح الباب لخطوات إيجابية أخرى من جميع الأطراف لتضميد جراحات المجتمع المصري، ولتخفيف معاناته، وحل مشكلاته.

وأما عن التحفظ الذي أشرتم إليه حول موجات الرفض والمعارضة الإعلامية (والتي تجد تبنياً واسعاً من قطاعات كبيرة في المجتمع المصري، حيث إنهم يرونها معبرة عن آلامهم ومشاعرهم)، فأود أن أناقش ذلك بهدوء بعيداً عن أي بروباجندا إعلامية تتم ممارستها من هذا الطرف أو ذاك..

أليس من الطبيعي ممن يتم جرح جسده، ثم الضغط على ذلك الجرح بكل قوة أن يصرخ؟! وهل يعقل أن نستكثر أو نستغرب صراخ المتألم المكلوم في وطنه ونفسه وبيته ووظيفته وحياته؟ أليس من الأجدى والأعقل أن نطالب من يضغط على الجروح أن يرفع يده، لعل من يصرخ لا يجد بعدها سبباً لاستكمال صراخه؟ أليس كذلك؟

هذا وأؤكد مع غيري من الوطنيين دعوة جميع الإعلاميين إلى أن يكون نقدهم ومعارضتهم منضبطة بتقديم مصلحة الوطن على أي اعتبار، كما أدعو في نفس الوقت الإعلاميين الداعمين للنظام إلى الكف عن شيطنة مخالفيهم والتهجم المستمر عليهم، واتهامهم بتهم هم منها براء.

خامساً: قلتم “إن حق الجماعة أن تعارض الحكومة والنظام وألا تنسى ما حدث، لكن أن تعيش كل حياتها في هذه الدوامة، فهو ضد كل منطق؛ السياسة هي فن التعامل مع المعطيات الراهنة.. نصيحتي المخلصة لهذه الجماعة وإعلامها، أن تبحث عن بداية جديدة ومختلفة”.

وأقول، “إنه وبالرغم من عدم الاتفاق بيننا بطبيعة الحالة حول “الرواية” عن المرحلة السابقة، والتي نثق أن التاريخ والأجيال القادمة ستتداولها على حقيقتها، لا على الطريقة التي يراد أن تتم روايتها بها؛ إلا أنني أرى أنه يجب أن نعطي أولوية اهتماماتنا في التفكير حول المستقبل..

فكيف سنحافظ على مصر؟ وكيف سنحافظ على مقدراتها وأمنها القومي بمفهومه الشامل الواسع؟ وكيف سنحفظ المجتمع المصري مجتمعاً منسجماً متحداً غير منقسم أو مشرذم، ليكون رافعاً حقيقياً لنظام سياسي مستقر ودولة قوية واعدة؟

صدقني يا أستاذ “عماد”، هذا –وبكل صدق- هو الطريق الوحيد لأن يكون وطننا قوياً قادراً على مواجهة كل التحديات، وكل النوازل سواء كانت كورونا أو غيرها.

ختاماً: أود أن أؤكد أن جماعة “الإخوان المسلمين” -كما عرفتها- لن تدخر جهداً في خدمة وطنها وشعبها كما كانت طوال تاريخها، وأنها ستكون مقبلةٍ، وبقلوبٍ مفتوحةٍ، وأيادٍ ممدودةٍ، لتضع يدها في يد كل مخلصٍ عاقلٍ حريصٍ -بصدقٍ- على مصلحة هذا الوطن وهذا الشعب.

عاشت مصر.. بكل المصريين.. ولكل المصريين.

وتقبلوا منا خالص التحية…

* نقلاً عن موقع العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق