الخرفان والمعيز.. البادي أظلم

لم يكتف “آل العدل” بإنتاج تلك الأغنية القبيحة التي ساهمت في تمزيق المجتمع، بل إنهم لعبوا مع فنانيهم دوراً كبيراً في نشر مصطلح قميء وهو “الخرفان” الذي تم صكه في مكاتب “المخابرات الحربية”.

لم تكن أغنية “أنتو شعب واحنا شعب..ليكو رب ولينا رب”  التي كتب كلماتها الشاعر “مدحت العدل” وغناها الفنان “علي الحجار” مجرد أغنية تشنف الآذان، لكنها كانت عنوانا لمرحلة، وشعارا لنظام حكم قسم الشعب المصري إلى شعبين: أحدهما هم الأخيارـ، والثاني هم الأشرار، في استدعاء مقيت لكل الديكتاتوريات التاريخية، ونخص بالذكر منها: ديكتاتورية الجنرال “فرانكو” الذي حكم “إسبانيا” بين عامي 1938 -1975، وكان يعتبر أنصاره أهل الخير ومعارضيه من القوى الديمقراطية أهل الشر، وهو ما تكرر في “المكارثية” التي سادت “الولايات المتحدة” إبان الحرب الباردة، عندما شيطنت كل اليساريين، واعتبرتهم خونة للوطن وجرى التخلص منهم .

محنة العدل جروب:الخرفان والمعيز.. البادي أظلم

“العدل” الذي كتب هذه الكلمات تدشيناً للعهد الجديد لم ينج من فعلته، فمن حفر حفرة لأخيه وقع فيها، لقد كانت شركة “العدل جروب” من أكبر شركات الإنتاج الدرامي ليس في “مصر” فحسب، بل في المنطقة العربية كلها، وكان أصحابها يظنون أنهم سيضاعفون إنتاجهم بعد الإطاحة بالرئيس “مرسي” الذي لعبوا مع غيرهم دوراً كبيراً لإسقاطه، فإذ بهم يتلقون الصدمة الكبرى، إذ فرضت السلطة التي غنوا لها رقابة صارمة على صناعة الترفيه والدراما، مثل: حجب تصاريح التصوير وإعداد قائمة بالموضوعات المحظور تناولها في المسلسلات.

ونشطت “لجنة الدراما” في “المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام” في تطبيق تلك القيود، التي استكملت بتأسيس شركة تابعة للمخابرات فرضت سطوتها على الإنتاج والتوزيع الدرامي أيضاً، ولم تسلم مجموعة “العدل” من تلك القيود حسب تقرير نشرته وكالة “رويترز” نهاية العام المنصرم، وتحدث فيه أحد ملاكها (جمال العدل)، واضطرت لوقف تصوير أحد المسلسلات تجنباً للمشاكل بعد أن داهمت الشرطة استوديوهات شركة إنتاج أخرى.

لم يكتف “آل العدل” بإنتاج تلك الأغنية القبيحة التي ساهمت في تمزيق المجتمع، بل إنهم لعبوا مع فنانيهم وممثليهم المفضلين دورا كبيرا في نشر مصطلح قمئ وهو “الخرفان” الذي تم صكه في مكاتب المخابرات الحربية، وقام الكثير من الفنانين والكتاب بنشره على نطاق واسع وصفاً لأنصار الرئيس “مرسي” إبان فترة حكمه، وبالأخص المنتمين لـ”جماعة الإخوان“، وبالغ أحد الممثلين في التحريض، وهو “هاني رمزي” حين اصطحب خروفاً معه إلى الاستوديو الذي يقدم فيه برنامجه.

لم يكن تعبير “الخرفان” مجرد توصيف لقطاع واسع من “الشعب المصري” بدعوى التزامهم بقرارات وتوصيات جماعتهم، وهو أمر طبيعي في أي نظام سياسي ديمقراطي، ولكنه، أي المصطلح، كان تحريضاً على القتل، وتمهيداً لتقبل الشعب لذبح جزء من أبنائه وهو ما حدث لاحقاً في مذابح “رابعة” و”النهضة” و”رمسيس” و”الدقي” وغيرها.

هاشتاج المعيز:الخرفان والمعيز.. البادي أظلم

وإذا كانت القاعدة “أن البادئ هو الأظلم” فقد استدعى هذا التعبير بطبيعة الحال ردوداً من الطرف الموصوف به، وكان أحدث الردود هو إطلاق اليوتيوبر “عبد الله الشريف” وصف المعيز على أنصار “السيسي”، ودشن له وسما (هاشتاج) تصدر وسومات تويتر في مصر، وجاء إطلاق هذا الوصف ليطفئ نار الكثيرين من مناهضي نظام “السيسي”، وليشفِ غليلهم، لكنه في الوقت نفسه عمق الشرخ المجتمعي الذي صنعته سلطة انقلاب 3 يوليو، ولا تزال تحرص على بقائه، وترسيخه لتعتاش عليه، إذ إنها تدرك أنها لا يمكنها البقاء في الحكم سوى في ظل هذا الانقسام تطبيقا للقاعدة الاستعمارية “فرق تسد”.

في هكذا أجواء من الانقسام المجتمعي تصبح المهمة صعبة أمام كل من يحاولون رتق الخرق، وجمع الصف، ومواجهة الفتنة، ويصبحون منبوذين من كلا الفريقين، وعلى الأخص من المعسكر الذي ينتمون له، لكن ما يخفف الألم أن القيام بهذه المهمة هو واجب شرعي لأن الله سبحانه نهى في محكم التنزيل عن ذلك “وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ“، وقد قال الإمام الطبري في تفسيره لهذه الأية “إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين أن يتنابزوا بالألقاب؛ والتنابز بالألقاب: هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، وعمّ الله بنهية ذلك، ولم يخصص به بعض الألقاب دون بعض، فغير جائز لأحد من المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكرهه، أو صفة يكرهها”.

وهو واجب وطني لأن الشعب المصري هو شعب واحد، ولا يحق لأحد أن ينزع عن جزء منه صفته الإنسانية والوطنية، لمجرد اختلاف في المواقف السياسية التي يحق لكل طرف أن يعبر عنها بطريقة سلمية كما يحدث في كل الديمقراطيات العالمية، كما أن انقسام المجتمع بهذه الصورة يمنح الحكم الاستبدادي مددا للبقاء، كما يمنح الأعداء فرصة للعدوان على الوطن، وهو ما حدث في أزمة “سد النهضة” ومياه “النيل”، وما حدث في قضم جزيرتي “تيران وصنافير“، وما حدث في التنازل عن حقول غاز المتوسط.

الشماتة في كورونا:

المهمة صعبة أيضا لاتساع الخرق، وتجذره على مدى السنوات الماضية، وقد ظهرت آثاره مؤخرا في الشماتة المتبادلة في ضحايا “كورونا” من الطرفين، وهي الأزمة التي كان يفترض أن تطوي صفحة الانقسام، وتوحد الشعب في مواجهة هذا الخطر الوجودي الذي يداهم الجميع ولا يفرق بين مؤيد معارض، وهي الأزمة التي وظفها النظام الحاكم منذ البداية توظيفاً سياسياً ليتهم خصومه ومناهضيه بصنعها أو توسيع نطاقها، وحسنا فعلت جماعة “الإخوان المسلمين” أنها تعاملت مع الأزمة بمنطق إنساني وليس سياسي، فأعلنت عن تشكيل لجنة متخصصة لمساعدة الشعب في مواجهة الوباء، سواء بالتوعية أو حث أبنائها وعموم الشعب على التطوع والتبرع، والالتزام بالاحتياطيات الطبية، وهذه هي إمكانياتها في ظرفها الراهن، وهذه الروح هي التي ينبغي أن يتحلى بها كل وطني مهما كانت خلفيته السياسية والدينية، ومهما كانت إمكانياته المادية.

نقلاً عن موقع : “الجزيرة مباشر”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق