لكن العسكري يقعد فوق رأس “يوسف زيدان”

“مفيش حاجة في الإسلام اسمها مؤسسة إسلامية أو دينية .. سمعت عن آية قرآنية أو حديث شريف به كلمة مؤسسة”.. هكذا حسم “يوسف زيدان” الأمر، بلهجة قاطعة، تذكّرك بعبد الفتاح السيسي وهو يفتي ويشرّع ويقرر مردّدًا “أيوة أنا بقول”.

خلاصة الحوار التلفزيوني الأخير ليوسف زيدان أنه لا مكان ولا دور للشيوخ أو رجال الدين في فترة الوباء، وبتعبيره “الشيخ يقعد في بيتهم يستريح لحد الأزمة ما تعدّي عشان الدنيا ما تضيعش”.

نبيهٌ ولمّاح جدًا هذا الشخص، يقرأ ما في عين عبد الفتاح السيسي ودماغه، فيصنع منه سحابة من الدجل المصبوب في قالبٍ يبدو علميًا ورصينًا، لتحويل أحلام الجنرال إلى واقع.

منذ وقت مبكر، ومع إطلالته الأولى التي كشف فيها أن إنكاره الإسراء والمعراج، وصولًا إلى نزع القداسة عن المسجد الأقصى، كان بترتيب مع الزعيم، قلت إن ذكاء يوسف زيدان جعله يلتقطه الإشارة مبكرًا، ويعين نفسه صوتًا ثقافيًا لمشروع عبد الفتاح السيسي، المرتمي بالكلية في الحضن الصهيوني.

وعلى هذه الأرضية، يؤسس يوسف زيدان مشروعه الخاص الذي بدأ مبكرًا للغاية بالحفر العميق في التربة الحضارية، ليهدم ما استقرّ في الوجدان الجمعي عن ثوابت مؤكّدة، تعريفات راسخة، ومفاهيم مستقرّة عن فلسطين التاريخية والقدس والمسجد الأقصى والمقدسات المسيحية، الأمر الذي استلزم منه مزاولة أعمال تنقيب وهدم في النص القرآني ذاته، والعبث والتحوير في التاريخ المدوّن.

الآن، ينظر السيسي إلى شيخ الأزهر بتلمظ، ويود لو ابتلعت الأرض هذه المؤسسة، ليكون هو المرجعية الدينية، وصوت الأذان والمسؤول الأوحد عن الدعوة والدعاء، فلم لا يحضر، أو يستحضر يوسف زيدان، ليعلن في القناة الأولى بتلفزيون الدولة أنه ليس هناك في الإسلام ما يعرف بمؤسسة إسلامية أو دينية، لا أزهر ولا دار إفتاء ولا غيره.

وعلى هذا الأساس، ولمناسبة جائحة كورونا، ليس مسموحًا لشيخ أو رجل دين أن يفتي بمشروعية صيام رمضان من عدمها، هكذا يأمر الجنرال زيدان “الشيخ يقعد في بيته”، أما العسكري فبالطبع يقعد فوق رأس يوسف زيدان، وفوق الجميع، حتى الأطباء الذين يستدعيهم زيدان لإزاحة الشيوخ من منصة الفتوى والحل والعقد، فيما يخص عقائد المسلمين وشعائرهم.لكن العسكري يقعد فوق رأس "يوسف زيدان"

لا يساور يوسف زيدان أدنى شك في سلامة منهج النقل والعنعنة، فيما يخص الموروث من الوصفات والآراء الطبية المتعلقة بالصوم والجماع، فيعرّف المسألة بخفة محتال بارع على هذا النحو “الحضارة الإنسانية نتيجة تراكم خبرة، فأنت تتعلم حاجة وتقولها لابنك وأبوك تعلم حاجة  قالها لك والأستاذ تعلم حاجة قالها لك”.

هكذا يسلم زيدان بصحة حكايات الآباء للأبناء دليلًا علميًا وبرهانًا طبيًا لا تشوبه شائبة، لكنه في الوقت ذاته لا يتورّع عن نسف علوم الحديث، وإشعال النار في السنة النبوية، بل والعبث بالنص القرآني ذاته، لكي يصل إلى استنتاجاتٍ تعجب الصهاينة ورجلهم في الاتحادية، بشأن القدس المحتلة والمسجد الأقصى.

هل يجرؤ يوسف زيدان على القول إنه وقت الوباء ينبغي على العسكري أن يجلس في بيته أو يلتزم وحدته العسكرية، ويترك الأطباء يقومون بشغلهم كي لا تضيع الدنيا؟

هل يستطيع أن ينطق بكلمة عن ذلك الازدراء الذي تمارسه السلطة العسكرية بحق مهنة الطب، وبحق الأطباء الذين يدافعون عن حياة المصريين ببسالة، حتى الموت، فلا يجدون إعلامًا ينصفهم ويتحدّث عنهم باعتبارهم شهداء؟ لا أظنه يستطيع أن يعلن أن المعركة الآن طبية فقط، ومن ثم ينبغي أن تكون كلمة الطبيب فوق كلمة العسكري أو الشرطي وقبلها، وأن الشهيد حقًا في هذه الجائحة هو الطبيب الذي يموت وهو يحاول إنقاذ حياة مواطن، فلا يستطيع أهله دفن جثمانه بشكل هادئ وكريم.

هو فقط مشغولٌ بالاستثمار الأمثل في الوباء باقتطاع مساحة من الأرض التي يقف عليها رجال الدين، ذلك أن مشكلته وغيره من متثاقفين منفوخين ادعاءً واستبدادًا تبدو مع دور العبادة ومظاهر التدين أكبر من مشكلتهم مع كورونا، أو بالأحرى لسان حالهم ينطق “أنا والعسكري على كورونا، وأنا وكورونا على التدين”.

تمامًا، كما يجد الطاغية العسكري في الوباء حليفًا وسلاحًا ضد الديمقراطية والحريات.

نقلاً عن موقع العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق