حذف الأصفار من العملة.. الدور على من؟

فعلتها إيران اليوم، وقبلها، فعلتها دول كثيرة منها هولندا وتركيا والعراق والسودان والأرجنتين وروسيا فنزويلا والبرازيل وبوليفيا وأوكرانيا وبولندا وكوريا الجنوبية وغانا وزيمبابوي ويوغوسلافيا السابقة (صربيا)؛ بل إن ألمانيا، صاحبة أقوى اقتصاد حاليا في منطقة اليورو، حذفت عدة أصفار من عملتها الوطنية، المارك، في أعقاب الحرب العالمية الأولى على خلفية الأزمات الاقتصادية والمالية العنيفة التي شهدتها البلاد في ذلك الوقت والناجمة عن تكلفة الحرب وخسائرها الفادحة، ودمار البنية التحتية وتهدم المصانع، وقفزات الأسعار وتهاوي القدرة الشرائية للمواطن، وهي عوامل دفعت كلها معدل التضخم لمستويات قياسية.

بل إن دولاً لم تكتف بحذف الأصفار من عملتها مرة واحدة، بل كررت عملية الحذف مع كل انهيار في قيمة العملة، وفقدان ثقة المواطن بها، وإقباله على حيازة عملات أخرى منها الدولار واليورو أو الذهب.

وحسب الأرقام غير الرسمية فإن هناك نحو 20 دولة تخلصت من الأصفار في عملاتها المحلية مرة واحدة، فيما كررت 10 دول الخطوة مرتين. وربما ثلاثة، وبحسب جامعة “نورث كارولينا” الأميركية فإنه، ومنذ عام ،1960 تم إجراء 70 حالة حذف أصفار من العملات.

أما أسباب حذف الأصفار من العملة الوطنية فكثيرة، وتبدأ من السبب الأهم وهو محاولة علاج التهاوي المستمر في قيمة العملة مقابل العملات الأجنبية، ومعالجة التضخم القياسي للأسعار الناتج عن ذلك الانهيار، ومحاولة استعادة ثقة المواطن في عملته عبر اللعب على الأسباب النفسية.

ويتم العلاج هنا عبر تغيير شكل واسم العملة وحذف أصفار منها، وقبلها سحب السيولة النقدية من يد الأفراد، وتجفيف السيولة من الأسواق والبنوك، وهو ما يقلل الطلب على شراء السلع والخدمات.

وهذا هو السبب الذي شاركت فيه معظم الدول التي حذفت أصفارا من عملاتها، نتذكر هنا ما قامت به تركيا التي حذفت 6 أصفار من عملتها، الليرة، عقب تولي حزب العدالة والتنمية الحكم في عام 2002. وقتها كان سعر الدولار يعادل أكثر من مليون ليرة تركية، وكان التضخم يقترب من المائة في المائة.

وقد يتم اللجوء لأسلوب حذف الأصفار عقب فشل أدوات السياسة النقدية التقليدية في معالجة تهاوي سعر العملة، وأبرز أداة هي رفع سعر الفائدة على العملة المحلية بنسب قياسية لتحفيز الأفراد على التمسك بها وحيازتها والبعد عن “الدولرة“.

ومن أسباب حذف الأصفار من العملة كذلك، محاولة بعض الدول استعادة الثقة في عملتها المحلية وتشجيع المستثمرين على الاستثمار بها من خلال الودائع المصرفية، أو شراء أدوات الدين كالسندات وأذون الخزانة.حذف الأصفار من العملة.. الدور على من؟

وقد تكون عملية الحذف مقدمة لذهاب الدولة المتعثرة ماليا إلى صندوق النقد والمؤسسات المالية الدولية للحصول على قروض ترفع بها احتياطياتها من النقد الأجنبي، وهو ما يقوي قيمة العملة المحلية، ويرفع مستوى الاستثمارات الأجنبية المتدفقة على البلاد.

وقد تلجأ الدولة إلى سياسة إلغاء أصفار من العملة للخروج من مأزق أكبر من قصة تهاوي قيمة العملة، وربما ما فعلته إيران أمس يندرج تحت هذه الحالة، فأمس صوت البرلمان الإيراني على قرار يقضي بحذف 4 أصفار من عملة الريال، كما صادق البرلمان على إلغاء عملة الريال وتغيير اسمها إلى التومان، على أن تتم عملية الاستبدال خلال السنوات الثلاث المقبلة.

القرار جاء في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها الاقتصاد الإيراني بسبب العقوبات الأميركية على البلاد، وتصفير صادرات إيران من النفط من قبل إدارة ترامب، وزيادة تضخم الأسعار، وندرة السيولة الدولارية، وهو ما انعكس على قيمة العملة الإيرانية التي تهاوت في السنوات الأخيرة، وحسب الأرقام الرسمية فقد تراجعت قيمة العملة الوطنية بنسبة 3500 ضعف منذ عام 1971 حسب تصريحات سابقة لمحافظ البنك المركزي الإيراني، عبد الناصر همتي.

لكن، هل تنج الخطوة الإيرانية في وقف نزيف الاقتصاد وتهاوي عملته وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتنشيط القطاعات المدرة للنقد الأجنبي مثل السياحة والصادرات وغيرها. وقبلها استعادة ثقة المواطن الذي بدأ يتخلص من الريال لصالح الدولار واليورو.

أشك، والأسباب كثيرة منها ندرة السيولة الدولارية، وتراجع ثقة المواطن في عملته، وزيادة معدلات التضخم، وتجفيف صادرات النفط، أبرز مورد للنقد الأجنبي، وهي كلها عوامل لا تسعف التومان الإيراني.

* نقلاً عن موقع العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق