شماعة “كورونا”.. مبرر “السيسي” لإحكام قبضته وتمرير مزيد من الانتهاكات

لم يترك نظام قائد الانقلاب “عبد الفتاح السيسي” أي فرصة للتضييق على الشعب، وخاصة المعارضين منهم، حتى في وسط الانشغال بجائحة وباء فيروس “كورونا” المستجد (كوفيد–19)، الذي يتفشى في العالم كله ويصيب الآلاف في مصر.

فقام بمنع الزيارة عن المحبوسين والتواصل معهم، مع استمرار التجديدات لبعضهم في غيابهم أو حتى محاميهم، وكذلك مواصلة الحملات الأمنية بالقبض والانتهاكات والإخفاء القسرى والاعتقال، سواء كانوا رجالاً أو حتى نساء، دون مراعاة لأي اعتبار طبي أو قانوني أو حتى إنساني.

قانون الطوارئ وتنديد حقوقيشماعة "كورونا".. مبرر "السيسي" لإحكام قبضته وتمرير مزيد من الانتهاكات كورونا

وكان آخر تلك الاعتداءات على حقوق الإنسان مصادقة “السيسي” على إقرار تعديلات في قانون الطوارئ، شملت منح الجيش حق اعتقال المدنيين، وسط مخاوف من تقنين “عسكرة” الدولة وتوسيع صلاحيات قائد الانقلاب.

يأتي ذلك بعدما نشرت الجريدة الرسمية، الخميس الماضي، التعديلات الجديدة على قانون الطوارئ، بعد إقرارها في البرلمان أواخر أبريل الماضي، في إطار تدابير مكافحة تفشي وباء “كورونا”، حسب زعمهم.

جدير بالذكر أن مصر تخضع منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي لحالة الطوارئ، باستثناء فترات فاصلة قصيرة بين عامي 2012 و2017، والتي تتجدّد منذ أبريل 2017، ردًا على هجومين استهدفا آنذاك كنيستين شمالي مصر، تبنّاهما تنظيم “الدولة الإسلامية”.

ويمنح قانون الطوارئ سلطات استثنائية لمراقبة وسائل الإعلام والاتصالات، ومصادرة الممتلكات، ومحاكمة المشتبه بهم في محاكمات استثنائية، وفرض حظر التجول.

وفي هذا الصدد أعرب ثمانية منظمات حقوقية “غير حكومية”، عن استيائها من استمرار تغاضي وصمت مجلس القضاء الأعلى والهيئات القضائية على هذه التعديلات التي تعصف باستقلال القضاء.

وأضافت المنظمات أن “التعديلات الجديدة على قانون الطوارئ، والتي دخلت حيز النفاذ في 7 مايو بعد موافقة رئيس الجمهورية عليها وإقرارها، جاءت بالأساس لتعزيز سلطة أفراد القوات المسلحة على المدنيين بمنحهم سلطة الضبطية القضائية، ومنح النيابة العسكرية اختصاص التحقيق في الجرائم التي يتم ضبطها بمعرفتهم، وقصر دور النيابة العامة على مجرد الإحالة إلى القضاء إذا ارتأت ذلك (مادة 4).

وتابعت: “هذه التعديلات على قانون الطوارئ، المطبق بشكل شبه دائم منذ ثلاث سنوات، هي خطوة أخرى جديدة في سبيل التخريب المنهجي لمؤسسة العدالة منذ عام 2013 وحتى الآن، بداية من إصدار قانون بتشكيل دوائر الإرهاب رقم 94 لسنة 2015، وتعيين قضاتها المختارين بعناية، والتحكم في اختصاصها بما يتيح اختيار القضايا التي تحال إليها، وصولاً إلى توظيف الملاحقات والأحكام القضائية في الانتقام من الخصوم السياسيين والتنكيل بهم. هذا بالإضافة إلى صدور قانون حماية المنشآت العامة رقم 136 لسنة 2014 الذي أباح التوسع في محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، والقانون رقم 77 لسنة 2019 الذي أجاز لرئيس الجمهورية التدخل في اختيار رؤساء الهيئات القضائية وتحصين هذا الاختيار في التعديلات الدستورية الأخيرة”.

كما “أتاحت التعديلات لرئيس الجمهورية سلطة إسناد الاختصاص بالتحقيق في الجرائم التي تقع بالمخالفة لقانون الطوارئ إلى النيابة العسكرية (مادة 4)، فضلاً عن تعديل تشكيل محكمة أمن الدولة العليا طوارئ ليضم تشكيلها قضاة عسكريين بصفة دائمة (مادة 7)، بعدما كان مجرد استثناء في قانون الطوارئ، الأمر الذي يهدر حق المواطن الدستوري في المحاكمة أمام قاضيه الطبيعي”.

ووقّع على البيان كلّ من: “مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان”، و”مركز النديم”، و”الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان”، و”مؤسسة حرية الفكر والتعبير”، و”الجبهة المصرية لحقوق الإنسان”، و”مركز بلادي للحقوق والحريات”، و”مبادرة الحرية”، و”كوميتي فور جاستس”.

سلطات قمعية جديدةشماعة "كورونا".. مبرر "السيسي" لإحكام قبضته وتمرير مزيد من الانتهاكات كورونا

وكانت منظمة “هيومن رايتس ووتش” قد ندّدت بمصادقة “السيسي” على “توسيع صلاحياته ضمن قانون الطوارئ، في إطار تدابير مكافحة تفشي وباء كورونا”، واصفةً هذه التعديلات بأنها “ذريعة” لإنشاء “سلطات قمعية جديدة”.

وتطرّقت المنظمة في بيان، الخميس الماضي، إلى أن التعديلات ستسمح لـ “السيسي” – حتى في غياب أي غرض متعلق بالصحة العامة – بأن يقيّد الاجتماعات العامة والمواكب والمظاهرات والاحتفالات وغيرها من أشكال التجمعات، كما يجوز تقييد الاجتماعات الخاصة.

وحذَّرت من أن التعديلات قد تؤدي أيضًا إلى توسيع اختصاصات المحاكم العسكرية لتشمل محاكمة المدنيين، عبر منح النيابة العسكرية سلطة التحقيق في الوقائع التي يكون فيها ضباط الجيش مُكلَّفين بسلطات تنفيذ القانون، أو عندما يأمر الرئيس بذلك، وقالت: إن “اللجوء إلى خطاب حفظ الأمن والنظام العام كذريعة، يعكس العقلية الأمنية التي تحكم مصر في عهد السيسي”.

الاعتقالات مستمرة وضحايا جدد

وفي نفس السياق، شهدت الأشهر والأيام القليلة الماضية حملات قبض وملاحقات قضائية واسعة، على خلفية انتقادات تتعلّق بسياسات الدولة في مواجهة وباء “كورونا”، وسط تواطؤ مستمر من النيابة العامة في حبس المزيد من أصحاب الآراء المعارضة أو الأصوات المستقلة، استنادًا إلى تحريات واهمية من “الأمن الوطني”، وعلى خلفية قائمة اتهامات مكررة شبة ثابتة.

كل ذلك فى الوقت الذي تطالب فيه منظمات مصرية ودولية وأحزاب وشخصيات بتقليل التكدس في السجون والإفراج عن بعض فئات السجناء.

في 28 أبريل الماضي، ظهر الصحفي “أحمد علام” أمام نيابة أمن الدولة، بعد اختفاء 6 أيام منذ القبض عليه من منزله بمحافظة الجيزة يوم 21 أبريل، كمتهم على ذمة القضية 558 لسنة 2020، وهي القضية نفسها التي انضمت إليها المترجمة والباحثة “خلود سعيد”، بعدما مثلت أمام النيابة في اليوم نفسه عقب اختفاء قسري لمدة 7 أيام منذ القبض عليها من منزلها في الإسكندرية في 22 أبريل، وقد أمرت النيابة بحبس كلاهما 15 يومًا على خلفية اتهامات بالانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة واساءة استغلال مواقع التواصل الاجتماعي.

الصحفي “عاطف السيد” رئيس تحرير جريدة “القرار الدولي” الذي قررت نيابة أمن الدولة حبسه 15 يومًا على خلفية نشره تعليقاً حول أعداد المصابين بفيروس “كورونا”، بعدما ألقي القبض عليه من منزله في أسوان في 14 مارس، واختفى لمدة شهر قبل مثوله للتحقيق.

وكذلك الصحفي الاقتصادي “مصطفى صقر” مالك صحيفتي “البورصة” و”دايلي نيوز إيجيبت”، والذي قررت النيابة في 12 أبريل حبسه 15 يومًا، بعد نشره مقترحات حول سياسات البنك المركزي وقراراته في مواجهة فيروس “كورونا”.

الأمر نفسه كان مع “آية كمال” و”عمرو عادل” من الإسكندرية، والمتهمين بالاتهامات نفسها، على خلفية نشر “آية كمال” تعليقاً على موقع “فيس بوك” حول وفاة أحد أفراد القوات المسلحة بفيروس “كورونا” المستجد، بينما نشر “عادل” فيديو من تصويره لمسيرات محدودة انطلقت في محيطه بالإسكندرية ضد فيروس “كورونا”.

وتزامناً مع تلك الحملة فقد قررت حكومة الانقلاب في 17 مارس غلق مكتب صحيفة “الجارديان” البريطانية في مصر وسحب اعتماده، بعد نشر الصحيفة تقريراً يشكك في الأعداد الرسمية لمصابي فيروس “كورونا”، كما أصرّت السلطات على ترحيل مراسلة الصحيفة في مصر.

إجراءات تحت بند مواجهة “كورونا”شماعة "كورونا".. مبرر "السيسي" لإحكام قبضته وتمرير مزيد من الانتهاكات كورونا

وتحت بند مواجهة فيروس “كورونا” المستجد بدأت وزارة الداخلية منذ صباح الإثنين 9 مارس الماضي، سلسلةً من الإجراءات، كان أبرزها تعليق الزيارات في السجون وأماكن الاحتجاز، وترافق معها ما يشبه إغلاق تام للسجون.

ودعت الأمم المتحدة في بدايات أبريل السلطات المصرية إلى إطلاق سراح “المدانين بجرائم غير استخدام العنف” والمودعين قيد الحبس الاحتياطي، للحيلولة دون إصابتهم بالفيروس.

وأوصى المتحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة العليا لحقوق الإنسان “روبرت كولفيل” السلطات المصرية بالاقتداء بالدول الأخرى التي نظمت لوائح جديدة في السجون بسبب تهديد فيروس “كورونا”.

وقال “كولفيل”: “إننا قلقون للغاية بشأن خطر الانتشار السريع لفيروس كورونا بين أكثر من 114 ألف شخص في السجون المصرية”، وأضاف أن “من بين الذين نوصي بالإفراج عنهم المعتقلين الإداريين وأولئك المحتجزين بشكل تعسفي بسبب عملهم السياسي أو في مجال حقوق الإنسان”.

وبدلاً من الإفراج الجماعي عن المعتقلين لمنع انتشار الفيروس، كما فعلت حكومات استبدادية أخرى في المنطقة، منعت الحكومة زيارات العائلات والمحامين للمعتقلين.

وكانت منظمة العفو الدولية نشرت نداءً للحكومة المصرية، وقالت: “وسط مخاوف متزايدة من تفشي وباء فيروس كوفيد-19 في السجون المصرية المكتظة، ينبغي على السلطات المصرية خفض عدد السجناء وحماية السجناء المعرضين للخطر، بشكل مناسب”.

ويترافق مع ذلك تعذر نقل المتهمين للمحاكم والنيابات، وتحوّل المصطلح الذي كان يترافق مع التظاهرات أو الطوارئ الأمنية والذي يشير لوجود موانع تحول بين الداخلية وقدرتها على تأمين نقل المتهمين إلى مصطلح ثابت في كل القضايا “تأجيل نظر القضايا لتعذر نقل المتهمين”.

تأجيلات متكررة، أو ما أصبح يسمى بـ “التجديدات الورقية” بما يجاوز مواعيد الحبس الاحتياطي التي نظمها القانون، فخلال الأيام الماضية – طبقاً لما كشفه المحامون – صدرت قرارات بتجديد حبس ما يزيد عن 1260 متهماً في عدة قضايا، مشيرين إلى أن جميع القرارات صدرت بالتجديد 45 يوماً وجميعها تم دون حضور المتهمين.

غير قانوني

وأكد محامون ممن يشاركون في تقديم الدعم القانوني لبعض المعتقلين، أن المحكمة لم تسمح لهم خلال هذه الجلسات، 4 و5 و6 مايو، بإثبات التجديد دون حضور المتهمين أو تقديم الدفوع والطلبات.

وفي إطار ذلك، قال المحامي “خالد المصري” على حسابه على موقع التواصل الاجتماعى “فيس بوك”: إن “الحالة التي تشهدها تجديدات النيابات أو المشورة ليس لها أي مسمي في القانون ولا في العُرف ولا في أي شيء ولو كان عرض الملفات على النيابة أو المحكمة يحتمل الإخلاء كما الحبس لكان الأمر أهون على الرغم من عدم قاتونيته حيث إن القانون اشترط حضور المتهم جلسة التجديد ولم يشترط حضور دفاعه والذي يحدث هو أن لا المتهم بيحضر ولا حتى يسمح لدفاعه بالحضور اللي هو غير قانوني أصلاً”.

وأضاف “طيب الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد منعت المتهم من الحضور على الأقل يسمح لمحاميه للدفاع عنه في غيبته (مع أنه غير قانوني أصلاً) ويكون فيه قرارات بإخلاء السبيل زي ما في قرارات بالحبس”.

وأوضح “إنما على مدار يومين يعرض أكثر من ألف متهم في المشورة نيابات عامة وأمن الدولة ولا يسمح للدفاع بالحضور ومفيش ولا واحد ياخد إخلاء سبيل يعني كلهم مفيش واحد فيهم يستحق إخلاء السبيل نهائي”، مضيفاً “اليوم أكثر من 700 متهم من نيابة أمن الدولة فقط ومتوقع لها أن تكون القرارات مثل أمس وأول أمس”.

وقال “المصري”: “العجيب أن يكون قرار المحكمة هو التجديد 45 يوم والسبب هو عدم حضور المتهم طيب القاضي الذي يملك القرار السلبي يملك القرار الإيجابي أيضاً وفي النهاية المحبوس وأهله هو من يدفع الثمن وليس أحداً آخر”.

الحالة التي تشهدها تجديدات النيابات أو المشورة ليس لها أي مسمي في القانون ولا في العرف ولا في اي شيء ولو كان عرض الملفات…

Gepostet von ‎خالد المصري‎ am Dienstag, 5. Mai 2020

استخدام الوباء لتبرير الانتهاكات

وعلى ما يحدث في مصر علقت “مي السعدني” – المدير الإداري لمعهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط – قائلةً: “يمكنني أن أصف ما نراه في مصر على أنه نافذة على تعامل السلطة الاستبدادية في خضم لحظة طوارئ عالمية”.

وقال “حسين باعومي” – وهو باحث مصري في منظمة “العفو الدولية” -: “ما نراه هو تتويج للسيطرة التي تمارسها السلطات المصرية في عهد السيسي، وتستخدم الحكومة هذه السيطرة الآن لإدارة الوباء”، مضيفاً “مع ذلك، فإننا نشهد تحولًا في الخطاب – وإن لم يكن بشكل كامل – حيث يتم استخدام الوباء لتبرير بعض هذه الإجراءات”.

وقال “باعومي”: “أحد المجالات الرئيسية التي نرى فيها توسيع الحكومة لسيطرتها تحت ذريعة كوفيد-19 هو السجون. تم تعليق الزيارات العائلية، كما جرى منع العديد من السجناء السياسيين من إرسال أو استقبال الرسائل، ما يعني أنهم معزولون عن العالم الخارجي”.

ويشعر “باعومي” بالقلق من أن النظام قد يستخدم الوباء للقضاء على منظمات المجتمع المدني القليلة المتبقية أو تحجيم المنصات الإلكترونية، أو ربما يستخدم تطبيقات تتبع الفيروسات لزيادة أنشطة المراقبة والتجسس، وقال: “يبقى أن نرى كيف يتطوّر الوباء وما إذا كانت السلطات ستستخدمه لتقييد المساحة الصغيرة التي بقيت مفتوحة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق